كرة القدم والبحث عن جمهور رشيد - عماد عبداللطيف - بوابة الشروق
السبت 24 يناير 2026 1:05 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار حسام حسن في الإدارة الفنية للمنتخب؟

كرة القدم والبحث عن جمهور رشيد

نشر فى : الخميس 22 يناير 2026 - 7:55 م | آخر تحديث : الخميس 22 يناير 2026 - 7:55 م

تحظى مباريات كرة القدم باهتمام جماهيرى لا تحوزه أية فعاليات رياضية أو ثقافية أو سياسية أو اجتماعية أخرى تقريبًا. فبعض مباريات الدوريات الأوروبية، وكأس العالم، وكئوس القارات، قد تحقق مشاهدات مليارية؛ أى إن مليار إنسان يشتركون فى مشاهدة حدث واحد فى وقت واحد. وعلى سبيل المثال، أصدرت الفيفا تقريرًا عن مشاهدى مباريات كأس العالم لكرة القدم فى قطر 2022، ورد فيه أن إجمالى عددهم بلغ 5 مليارات إنسان. أما مباراة نهائى الكأس فشاهدها وحدها أكثر من مليار ونصف المليار إنسان؛ أى خُمس سكان العالم تقريبًا، وفقًا لإحصاءات السكان فى ذلك العام (https://inside.fifa.com/tournament-organisation/audience-reports/qatar-2022).


تعنى الإحصاءات السابقة أن مباريات كرة القدم هى الأحداث الأكثر شعبية على مستوى العالم فى وقتنا الراهن. ويترتب على ذلك أن تصبح كرة القدم أداة شديدة التأثير فى صياغة الوعى فى مجتمعاتنا المعاصرة. ففعاليات كرة القدم، مثل جميع الأنشطة الترفيهية، ليست مجرد أداة تسلية، بل صناعة متكاملة لبناء الهويات، وتشكيل التوجهات، وتوجيه الرأى العام، والحفاظ على مصالح القوى المهيمنة. لقد رأى البعض فى كرة القدم ديانة الجماهير المعاصرة، بالنظر إلى تعلقهم الروحى بالفرق التى ينتسبون إليها، وقوة انتمائهم لها، وتضحياتهم من أجلها. وبصياغة أخرى، فقد أصبح تشجيع كرة القدم ساحةً لممارسة الهوية، وحيازة أدوات القوة، أكثر منه تسلية وفرجة على لعبة.


لم يكن هذا التحول فى علاقة الجماهير بكرة القدم بريئًا. فحيثما توجد فرصة لحيازة سلطة، أو مراكمة ثروة، أو السيطرة على رأى عام، تتكالب جميع القوى على اغتنامها. فبعض السياسيين يتخذون من كرة القدم أداة لصرف الشعوب عن ظروفها وأحوالها، ويشجعون بناء هويات قُطرية متناحرة، وحين يُفلح فريق فى الفوز بمباراة، يتحول ذلك إلى حفلة لدعم شرعية النظام السياسى، الذى يُصوَّر على أنه محقق الإنجازات! يتغنى خلالها الجمهور بعظمة أوطان غارقة فى الفساد، والقهر، والفقر، والمرض، والاستبداد. أما منتجو السلع، فيتخذون من تشجيع كرة القدم فرصة للترويج لمنتجاتهم، فيوظفون كل المؤثرين فى اللعبة، من اللاعبين إلى المعلقين، فى السيطرة على ذائقة الجمهور، وصياغة توجهات المشجعين، ووعيهم الاستهلاكى بما يخدم مصالح كبرى الشركات الدولية العابرة للقارات. وفى الحقيقة، فإن معظم الخطابات المحيطة بكرة القدم يجرى التحكم فيها لخدمة القوى المهيمنة فى المجتمع.


• • •
يتحول جمهور مشجعى كرة القدم، إذن، من متفرج يستمتع بلعبة إلى صيد ثمين. ويبدو ثمن تشجيع كرة القدم باهظا فى ظل ندرة الجمهور الرشيد الذى يتلقى خطابات كرة القدم بوعى، ويتصرف بحصافة، فينجو من الوقوع فى شرك القوى المهيمنة التى توظفه لخدمة مصالحها دون أن يدرى. وللأسف الشديد، تكشف بعض فعاليات كرة القدم عن أن كثيرًا من جماهير كرة القدم، وبخاصة فى المباريات الدولية، تُنتج استجابات غير بليغة لخطابات كرة القدم، وتمارس تمييزًا وتحقيرًا وعنصرية تجاه شعوب وبلدان الفرق المنافسة، ويظهر ذلك فى استجابات غير رشيدة، مثل:


• إنتاج خطاب كراهية وتحقير للفرق المنافسة:


يؤدى التعصب الكروى إلى إنتاج خطابات كراهية وتحقير للمنافسين، مثل إطلاق هتافات غير لائقة، والصفير أثناء إنشاد الموسيقى الوطنية للخصوم، وتوزيع منشورات تحريضية على وسائط التواصل الاجتماعى، وغيرها من الخطابات التى تحقر الفرق المنافسة، وتبذر الكراهية بين الشعوب. هذه الخطابات تحوِّل كرة القدم إلى أداة لإذكاء التناحر بين الشعوب، وتدمر علاقات إنسانية وتاريخية وطيدة قد يكون عمرها، فى بعض الأحيان، مئات السنين. فتتسبب مباراة كرة قدم تافهة فى تدمير تاريخ طويل من العلاقات الشعبية القائمة على المودة، والاحترام، والتعاون. وقد تنتقل آثار خطابات الكراهية والتحقير المنتَجة فى الملاعب أو وسائط التواصل الافتراضية إلى العلاقات بين الأفراد فى محيط الملعب، أو العمل، أو السكن. وحينها يصبح غياب الاستجابة الرشيدة لكرة القدم أداة للتناحر بين الأشخاص، قد تكون نتائجه وخيمة، على نحو ما رأينا من مجازر بين المشجعين فى بعض المباريات. وليس مستغربًا أن التعصب المفرط، والتحريض الأهوج، تسببا فى مذابح دموية عدة فى ملاعب كرة القدم على مدار عقود.


• إنتاج خطابات شوفينية وعنصرية تجاه الشعوب والبلدان المنافسة:


إن حب الأوطان شعور طبيعى وصحى، والعمل لأجل رفعتها واجب. لكن غياب إنجازات حقيقية للدول، مثل تحقيق التقدم العلمى، والرفاه الاقتصادى لأفرادها، والحفاظ على استقلالها وسيادتها، وترسيخ العدالة والمساواة بين مواطنيها، وحماية حرياتهم وكرامتهم، يجعل بعض جماهير كرة القدم غير الرشيدة تحوِّل مبارياتها إلى مناسبات للتفاخر المُغالَى فيه بالأوطان. فتملأ الدنيا ضجيجًا لأن لاعبًا أدخل كرة فى مرمى فريق منافس، لتعويض غياب الشعور بالرضا الجمعى، بسبب تردى شروط الحياة، ومكانة الأوطان. وتستغل القوى المهيمنة هذا النزوع الغريزى لحب الوطن؛ لتغطى على فشلها، فتسكب الوقود على نيران الشوفينية والعنصرية؛ لتخفى بها فشلها.

 


• الانشغال المبالغ فيه بمباريات كرة القدم، والحيز الهائل الذى تأخذه من الخطاب الفردى والعمومى:


كرة القدم لعبة، يستمتع البعض بلعبها، ويستمتع آخرون بمشاهدتها. لكن دورها فى السيطرة على وعى الجماهير، وتحولها إلى صناعة وتجارة بمئات المليارات من الدولارات، جعلها أثمن من أن تظل مجرد لعبة. فجرى تحويلها إلى أداة لبناء الهويات، وساحة لبذر الفتن بين الشعوب، وأداة هيمنة اقتصادية وسياسية. ولتحقيق هذه الغايات، كان من الضرورى توسيع مجال إنتاج خطابات كرة القدم وتداولها، وتحويلها إلى انشغال يومى أساسى لدى البشر. وساهمت الشركات المالكة للأندية، والراعية لها، وجيوش الخبراء فى الدعاية والتسويق، فى إنجاح عملية احتلال كرة القدم للفضاء العام، فانصرفت الجماهير عن الأمور الأكثر أهمية فى حياتها إلى اشتباكات يومية مفتعلة حول مباريات بلا أهمية حقيقية فى حياتها. وبدلًا من أن تعمل الشعوب على مقاومة الفساد، والاستبداد، والقهر الذى تعانى منه، وأن تخلق حياة كريمة، أصبحت مثل المدمن الذى يتلهف لجرعات سعادة مؤقتة من أقدام لاعبين يجرون وراء كرة.


• • •
تكشف سلوكيات جماهير كرة القدم عن ندرة الجمهور الرشيد، الذى يتصف بالعقلانية والوعى، ولا ينساق لخطاب الكراهية، والتحقير، والعنصرية، بل يقاومه بخطاب يضع التشجيع الكروى فى حجمه الطبيعى، ويُعلى من شأن علاقات المودة، والتعاون، والتعايش بين البشر، بغض النظر عن الفرق التى يشجعونها، والدول التى ينتمون إليها. مثل هذا الجمهور الرشيد سينتج استجابات رشيدة، تجعلنا نستمتع بمشاهدة اللعبة، دون أن نكتوى بنيران خطاباتها الشريرة.

عماد عبداللطيف أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب
التعليقات