يفضل بعض الأشخاص قضاء أغلب أوقاتهم في المنزل، وربما يجدون راحتهم في ممارسة بعض الأنشطة المنزلية الهادئة مقارنة بالخروج وممارسة أي أنشطة خارجية. ولكن مع قصر النهار وقلة تعرضنا لضوء الشمس، قد تتأثر صحتنا النفسية ونصبح أكثر عزلة واستسلاما لقلة الحركة، وقد يصل الأمر إلى عدم الرغبة في النهوض من السرير، من دون أن ندري ما السبب وراء تلك الحالة المزاجية.
وتوضح الأخصائية النفسية مروة عدوي من خلال حديثها لـ"الشروق" أن تلك الأعراض شائعة في هذا الوقت من العام، فإن حالة الطقس دائما ما تكون صاحبة تأثير قوي على الحالة المزاجية للكبار والصغار، وسببت في تغير سلوكياتنا اليومية فبعض الأشخاص قد ينامون لفترات أطول من المعتاد بينما يعاني آخرون من قلة النوم، مضيفة أن البقاء لفترة طويلة في المنزل يفاقم من تلك الأعراض.
كيف يؤثر فصل الشتاء على كيمياء الجسم؟
قالت مروة عدوى، إن دخول فصل الشتاء يصاحبه تأثير مباشر على الجسد، موضحة أن التغيرات المناخية تؤثر فعليا في كيمياء الجسم، كما تحدث خللا نسبيا في الساعة البيولوجية. حيث إن قلة عدد ساعات سطوع الشمس وتغير الأنشطة اليومية المعتادة، يمثلان عاملين أساسيين في هذا التأثير خاصة مع الانتقال من فصل الصيف إلى الشتاء.
وأشارت إلى أن توقف أنشطة كان يعتاد عليها الناس، مثل النزول إلى البحر أو الخروج لفترات طويلة، يعد تغيرا طبيعيا مع دخول الشتاء، لكنه ينعكس نفسيا على كثيرين خاصة إذا لم يتم تعويضه بأنشطة بديلة.
سلوكيات خاطئة تفاقم التأثير النفسي
وأوضحت عدوي، أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الشتاء ذاته بل في السلوكيات التي يمارسها الأفراد من تلقاء أنفسهم والتي تزيد من صعوبة التكيف مع هذا الفصل. إذ أن اختيار البقاء في السرير طلبا للدفء قد يكون أمرا طبيعيا إذا كان بهدف الراحة، لكنه يتحول إلى مشكلة حين يصبح نوعا من الاستسلام المصحوب بالحزن والانسحاب من الأنشطة اليومية.
قلة التعرض للشمس وتأثيرها على الصحة النفسية
وأشارت إلى أن بعض الفئات تكون أكثر تأثرا مثل ربات المنازل اللاتي لا يخرجن كثيرا خلال فصل الشتاء. وأوضحت أن قصر ساعات النهار وضعف شدة الشمس يقللان بطبيعة الحال من التعرض لأشعة الشمس، وإذا زاد الشخص من تقليل هذا التعرض تتأثر كيمياء الجسم بشكل أكبر ويزداد الإحساس بالإجهاد وتصبح مشاعر السعادة أقل حضورا.
وأضافت أن فصل الشتاء بطبيعته يقلل من حركة الناس، وعندما يستجيب الشخص لذلك بالبقاء الدائم داخل المنزل وتقليل الخروج والتواصل الاجتماعي، فإن ذلك ينعكس سلبا على حالته النفسية وأكدت أن حتى الأشخاص الهادئين أو الذين يصفون أنفسهم بأنهم بيتوتيون، لا يمكن القول إنهم لا يحتاجون إلى الخروج من المنزل ورؤية الناس.
الأطفال الأكثر تأثرا بالعزلة المنزلية
وأوضحت مروة أن الأطفال يعدون من أكثر الفئات تأثرا بتغيرات الشتاء، خاصة عندما يلجأ بعض الأهالي إلى إبقائهم داخل المنزل خوفا من البرد لأن مناعة الأطفال أضعف بطبيعتها، ونسب تعرضهم للأمراض أعلى، وعلى عكس ما يعتقده البعض فإن حبس الأطفال داخل المنزل قد يجعلهم أكثر عرضة للأمراض مقارنة بالأطفال الذين يسمح لهم بالحركة والخروج بشكل معتدل.
وأضافت أن الطفل الذي لا يرى أطفالا آخرين ولا يتفاعل معهم يتأثر نموه النفسي والجسدي كما تتأثر مناعته، كما أن الشمس تعتبر جزءا أساسيا من توازن الإنسان النفسي إلى جانب الهواء والطبيعة، وحرمان الطفل من هذا التفاعل الطبيعي يؤثر عليه نفسيا بشكل واضح وقد يكون تأثيره أشد من تأثيره على البالغين، فالبالغون قادرون على الفهم والتغيير واتخاذ القرار، بينما الطفل لا يملك هذا الخيار ولا يستطيع التعبير عن أسباب ضيقه أو حزنه، وهو ما يمكن أن يجعل التأثير النفسي عليه أعمق.
التوازن هو المطلوب
وأكدت أن الخروج والحركة يمثلان عنصرين أساسيين للحفاظ على الصحة النفسية في الشتاء. وأوضحت أن التعرض للشمس يمكن أن يتم داخل المنزل بالجلوس أمامها يوميا لفترة، إلى جانب تهوية المنزل وتجديد الهواء أو من خلال الخروج. وأضافت أنه لا يشترط معادا للخروج فحتى إن تعذر الخروج صباحا يمكن التعويض بالجلوس أمام الشمس نهارا، والخروج مساء للمشي أو زيارة صديق، مشددة على أن المهم هو الحركة والتفاعل ورؤية أشخاص آخرين.
وقالت إن الخروج من المنزل يمكن أن يكون من خلال أنشطة بسيطة مثل زيارة صديق قريب أو التنزه سيرا على الأقدام أو الذهاب إلى حديقة أو حتى الخروج لشراء احتياجات يومية. وأشارت إلى أن اصطحاب الأطفال إلى أماكن مفتوحة ولو كانت بسيطة له أثر إيجابي كبير، بالإضافة إلى أنه من الأفضل ألا يقل الخروج عن مرتين أسبوعيا على الأقل، على أن يختلف عدد الساعات حسب طاقة الشخص وراحته، فالتوازن هو الأساس فلا إفراط في العزلة ولا تحميل للنفس ما يفوق طاقتها.