ـ هافينجتون بوست: اغتيال شخصية سياسية بارزة يعزز قناعة لدى النخب الليبية بأن الانخراط في المنافسة السياسية يحمل مخاطر جسيمة
اعتبرت صحيفة "هافينجتون بوست"، في نسختها الإيطالية، أن اغتيال سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، لا يعد مجرد تصفية لشخصية مثيرة للجدل في ليبيا ما بعد عام 2011، بل يمثل إشارة سياسية تكشف عن الطبيعة غير المحسومة لبنية السلطة في ليبيا.
وقالت الصحيفة، في تحليل للكاتب أندريا مولي، إن هذه الواقعة تعكس أن ليبيا لا تزال ساحة تُدار فيها المنافسة السياسية، في جوهرها، بقوة السلاح، لا من خلال مؤسسات مستقرة أو قواعد سياسية جامعة.
وأضافت الصحيفة أن سيف الإسلام القذافي حاول في السنوات الأخيرة إعادة بناء رصيد سياسي مستندًا إلى عاملين هما الحنين المتجذر في بعض الأوساط القبلية والاجتماعية إلى الاستقرار الذي وفره النظام السابق، ومن جهة أخرى، حالة التفكك التي أصابت النخب المنبثقة عن مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، والتي أخفقت في إنتاج سلطة مركزية موحدة وقادرة على بسط نفوذها.
وأشارت إلى أن محاولة سيف الإسلام الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2021، أظهرت أن اسمه لا يزال قادرًا على تحريك قطاعات معتبرة من الشارع الليبي، ما جعله عنصر إرباك محتملًا للتوازن الهش القائم بين القوى المتنافسة.
وتابعت الصحيفة: يمكن قراءة تصفية سيف الإسلام بوصفها محاولة لتقليص هامش عدم اليقين الاستراتيجي الذي يلف مسار الانتقال السياسي في ليبيا.
واعتبرت الصحيفة أنه في الأنظمة المنقسمة، حيث تتعدد مراكز القوة المسلحة، تمثل الشخصيات ذات الثقل الرمزي، وغير المندمجة في الأطر المؤسسية، عاملًا دائمًا لعدم الاستقرار.
ورأت الصحيفة أنه يمكن فهم إقصاء سيف الإسلام القذافي باعتباره خطوة استباقية تهدف إلى حصر التنافس السياسي ضمن معادلات قائمة بالفعل.
وحذرت الصحفية من تداعيات محتملة لهذا الحادث، مشيرة إلى أن التجربة الليبية الحديثة تُظهر أن إزاحة الفاعلين السياسيين بالعنف نادرًا ما تقود إلى الاستقرار، بل غالبًا ما تفضي إلى مزيد من التشرذم داخل الكتل الاجتماعية التي كانوا يمثلونها، مع ما يصاحب ذلك من ظهور قيادات أصغر حجمًا وأكثر ميلاً إلى التطرف.
وتابعت الصحيفة أنه في الحالة الراهنة، قد يتحول التيار المرتبط بالنظام السابق من فاعل سياسي ذي ملامح واضحة إلى شبكة مفككة من الولاءات القبلية والتشكيلات المسلحة، بما يزيد من هشاشة المشهد الداخلي.
وذكرت "هافينجتون بوست" أن أثر الحادث قد يمتد إلى المسار الانتخابي الليبي، المعطل منذ سنوات. فمن ناحية، قد يسهم غياب سيف الإسلام في تيسير التفاهمات بين القوى الرئيسية، عبر إزاحة مرشح شديد الاستقطاب كان يُنظر إليه من قبل كثيرين باعتباره تهديدًا وجوديًا. واستدركت الصحفية قائلة: غير أن اغتيال شخصية سياسية بارزة يعزز، في المقابل، قناعة راسخة لدى النخب الليبية بأن الانخراط في المنافسة السياسية يحمل مخاطر شخصية جسيمة.
ورأت الصحيفة أنه في بيئة تغيب فيها الضمانات الأمنية للمرشحين، تفقد الانتخابات مصداقيتها حتى قبل الشروع فيها.
ومضت الصحفية تقول: إن شخصية سيف الإسلام ترتبط بالسردية غير المكتملة للثورة الليبية، مضيفة أنه بعد أكثر من عقد على سقوط نظام القذافي، لم تتمكن ليبيا من بلورة عقد اجتماعي جديد يحظى بتوافق وطني واسع.
واعتبرت الصحيفة أن مقتل سيف الإسلام القذافي يؤكد أن ليبيا ما زالت عالقة في مرحلة انتقالية مفتوحة، تُدار فيها عملية بناء الدولة وفق موازين القوة المسلحة لا وفق منطق المؤسسات.