قال الكاتب والناقد أسامة عرابي إن كتاب «تحت سطح العالم.. ستون يومًا في أستراليا» للدكتورة غادة لبيب، الصادر عن دار الشروق، لا ينتمي إلى أدب الرحلات بمعناه التقليدي الذي يكتفي بنقل مشاهدات السائح وانطباعاته عن الأماكن التي يزورها، وإنما يتجه إلى أبعاد أعمق تتصل بالتاريخ والوجود والثقافة.
جاء ذلك خلال الندوة التي نظمها صالون «إطلالة على كاتب» الثقافي بأتيليه القاهرة، أمس الثلاثاء، لمناقشة الكتاب، وأضاف عرابي أن قيمة تجربة غادة لبيب تنبع من قدرتها على النظر إلى أستراليا من أكثر من زاوية، فهي ترصد المكان بعين بصرية شديدة الحساسية، لكنها في الوقت نفسه تحاول البحث عن الدلالات التي تقف وراء ما تراه، ولذلك فإن المدن والأبنية والمتاحف والمكتبات والطبيعة تتحول في الكتاب إلى مفاتيح لقراءة المجتمع وتاريخه.
وأوضح أن الكاتبة تصحب القارئ في رحلة ثقافية لا تقتصر على الأماكن السياحية، بل تتوقف عند تفاصيل الحياة اليومية وما تكشفه عن علاقة المجتمع الأسترالي بماضيه وحاضره، وتتابع حركة التحول بين ما هو موروث وما هو جديد، وبين قوة العادة والطموح إلى التجديد.
وأشار عرابي إلى أن لبيب تنظر إلى أستراليا باعتبارها تجربة حضارية تشكلت عبر مراحل تاريخية متعاقبة، بدءًا من الاستعمار البريطاني وصولًا إلى المجتمع الأسترالي الحديث، ولذلك فإن جولتها في المدن لا تنفصل عن محاولة فهم الطريقة التي تشكل بها هذا المجتمع.
وتوقف عند تناولها مدينة فريمانتل، وما تحمله منطقتها التاريخية القديمة من طبقات ودلالات، موضحًا أن المكان في الكتاب لا يبقى مجرد موقع جغرافي، بل يتحول إلى مساحة يمكن من خلالها استشعار التحولات التي مر بها المجتمع، وكيف انتقل المكان من دوره القديم إلى أن يصبح مزارًا سياحيًا وثقافيًا.
وأضاف أن غادة لبيب تمتلك في كتابها قدرة على إقامة علاقة بين التوثيق البصري والتقصي، فتستفيد من الصورة والمشهد والتفصيل اليومي في بناء رؤيتها، دون أن تفقد البعد الإنساني للتجربة.
وأكد عرابي أن هذه الطريقة في الكتابة تجعل الرحلة فعلًا معرفيًا، لأن الكاتبة لا تسافر فقط لكي ترى، وإنما لكي تفهم وتطرح الأسئلة، وتبحث عن العلاقة بين الإنسان والمكان، وبين الذاكرة والتاريخ، وبين التجربة الفردية والصورة الأوسع للمجتمع.
ورأى أن «تحت سطح العالم» يقدم للقارئ تجربة تتجاوز حدود السفر إلى مساحة أوسع من التأمل في الإنسان والثقافة والحضارة، وهو ما يمنح الكتاب أهمية خاصة بوصفه تجربة أولى لكاتبة تمتلك حسًا أدبيًا واضحًا وقدرة على تحويل تفاصيل الرحلة إلى مادة للتفكير والاكتشاف.