- الفلسطيني بهاء أبو العجين يقول إن قوات إسرائيلية قتلت طفله وهو بين أحضانه في غزة
- الجنود سحلوا الوالد المصاب وفي حضنه ابنه القتيل ورفضوا توسلاته بالسماح له بإنقاذه
- الأب أصيب بالرصاص قبل أن يتعرض لتعذيب وتنكيل واستجواب قاس لمدة 10 ساعات
- الجنود لفوا جثة ريان بكيس بلاستيكي وألقوه كأنه بلا قيمة ورفضوا توسلات والده لإنقاذه
في مشهد يعيد إلى الأذهان مأساة إعدام الطفل محمد الدرة قبل ربع قرن، يروي الفلسطيني بهاء أبو العجين تفاصيل قيام جيش الاحتلال الإسرائيلي الأحد الماضي، بقتل نجله ريان الذي لم يتجاوز ربيعه الثالث من العمر.
في حديثه للأناضول، يقول أبو العجين - مدينة دير البلح وسط قطاع غزة - إن الجنود أطلقوا النار عليه أثناء محاولته الفرار حاملا طفله، قبل أن يتركوه مصابا لساعات طويلة إلى جانب جثة الطفل.
ويطالب الأب المكلوم بتشكيل لجنة تحقيق دولية لكشف ملابسات هذه الجريمة ومحاسبة المسؤولين عنها.
بهاء يرقد حاليا في "مستشفى شهداء الأقصى" مصابًا في قدمه، فضلا عن جروح أثقلت جسده المصاب برصاصٍ وتنكيلٍ إسرائيلي، بينما يتلوى قلبه المكلوم حسرةً على فاجعة إعدام ريان.
قصّ الرجل الراقد على سرير المرض تفاصيل الجريمة التي وقعت في منطقة آمنة شرقي مدينة دير البلح، قبل أن تتحول إلى مسرح لجريمة إعدامٍ وحشية، ضحيتها طفل لم يكن يفصله عن عامه الثالث سوى اثني عشر يومًا فقط.
مقتل ريان في أحضان والده أعادت إلى الأذهان مأساة إعدام الطفل محمد الدرة برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي في سبتمبر 2000، في مشهد بات من الأكثر رسوخًا في الذاكرة الفلسطينية والعربية.
** مباغتة إسرائيلية
في ليلة 14 يونيو 2026، وبينما كانت الأجواء هادئة في محيط منزل عائلة أبو العجين، تحول الصمت صراخا بعدما صار الطفل قتيلا.
المكانٌ اعتادت الأسرة المرور منه بأمان دون خوف، فلا دبابات تلوح في الأفق ولا صوت للطائرات الإسرائيلية المسيرة يضج في السماء، ولا مؤشرات على وجود عمليات عسكرية إسرائيلية في المنطقة، وفق أبو العجين.
يقول: "كنت أسير مشيًا على الأقدام في تلك المنطقة برفقة طفلي ريان، وفجأة، وبلا سابق إنذار، فوجئنا بظهور قوة عسكرية إسرائيلية تداهم المكان وجهًا لوجه".
غريزة الأبوة دفعت بهاء لالتقاط ريان والركض به محاولاً النجاة، فتمكن من الابتعاد مسافة ثلاثين أو عشرين متراً والطفل يصرخ مرتعبًا في أحضانه.
وفي هذه الأثناء باغتت ريان رصاصة غادرة أطلقها الجنود الإسرائيليون من مسافة قصيرة جدًا، فكانت أسرع من خطوات والده المذعور، لتخترق رأس طفله وتخرج من عينه.
لم يكتفِ الجنود الإسرائيليون بذلك، وفق الوالد المصاب، بل عاجلوه هو الآخر برصاصات اخترقت قدميه ليسقط أرضًا، وهو يحمل طفله.
** عشر ساعات قاسية
اللحظات التي تلت الجريمة كانت أشد قسوة من الموت نفسه، حسب وصف الأب المكلوم الذي حاول مراراً وتكراراً استخدام هاتفه للاتصال بالإسعاف لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من رمق طفله الأخير، لكن الجنود سلبوه الهاتف وعمدوا إلى إطفائه مهددينه بالموت.
وبدلاً من تقديم الإسعافات، اقتاد الجنود الأب المصاب بجروح خطيرة إلى موقع عسكري، وسحلوه على الأرض بينما كان طفله القتيل بين يديه.
يقول وعيونه تذرف الدموع: "لف الجنود ريان بكيس نايلون (بلاستيك) وألقوه جانباً كأنه بلا قيمة، ورفضوا كل توسلاتي لإنقاذه وتقديم الإسعاف له، قائلين بكل برود: لا، سنتركك أنت وإياه للموت".
نُقل بهاء من موقع عسكري إلى آخر، عُصبت عيناه وقُيدت يداه وهو ينزف، وتُرك في العراء وبجوار الكلاب البوليسية لعدة ساعات.
ويضيف: "عند النقل عبر الآليات العسكرية، تعمد الجنود الإسرائيليون ضربي مع كل مطب في الطريق ليزيدوا من آلامي، حتى ربطوا قدمي بحبل تسبب في تورمهما بشكل فظيع".
وبعد أكثر من 10 ساعات متواصلة من النزيف الحاد والتعذيب الجسدي والنفسي، وتحديداً عند منتصف الليل، ألقى الجنود الإسرائيليون ببهاء في منطقة مهجورة وألقوا جثة طفله بجواره وتركوه لمواجهة مصيره.
ويبين أبو العجين، أن مواطنين عثروا عليه لاحقاً ونقلوه إلى المستشفى في دير البلح، حيث تلقى العلاج بعد وصوله في حالة إغماء، ليستيقظ بعد ذلك على حقيقة مريرة، أنه فقد طفله وقدمه مهددة بالبتر.
يردف قائلا بحسرة: "استيقظت وأنا أعرف أن ابني لم يعد موجوداً، وأنني فقدته أمام عيني".
ومن فوق سريره الطبي، يوجه بهاء صرخة ممزوجة بالدموع والألم إلى الدول العربية والعالم أجمع، مطالباً بتشكيل لجنة تحقيق دولية في إعدام ريان بدم بارد وهو في أحضانه، لعل صوته يجد صدى في ضمير إنساني بات يغط في نوم عميق.
يتابع قائلاً: "أريد أن يعرف العالم ما الذي جرى لطفلي، وأن تتم محاسبة المسؤولين عن قتله".
أعادت الحادثة إلى الأذهان استشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدرة (12 عاما) في 30 سبتمبر 2000، حين ظهر في مشاهد مصورة وهو يحتمي بوالده خلف أسطوانة إسمنتية عند مفترق "نتساريم" جنوب مدينة غزة، قبل أن يُقتل برصاص إسرائيلي.
أحدثت صور الدرة آنذاك صدمة واسعة على المستوى الدولي، وأصبحت رمزًا لمعاناة الأطفال الفلسطينيين، وأثارت القضية جدلًا طويلًا بشأن ملابسات مقتله والمسؤولية عن الحادث.
ولا تزال صورة الطفل وهو يحتمي بوالده من أكثر المشاهد تداولًا عند الحديث عن ضحايا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بعد أكثر من ربع قرن على وقوع الحادثة.
اليوم مأساة ريان الأكثر بشاعة تقول إن جريمة إعدام "الدرة" لم تكن حادثة منفصلة في غزة، بل حادثة تتكرر بشكل متعمد للكثير من الأطفال الذين توارت قصصهم خلف مشاهد الإبادة في القطاع المحاصر.
وجرى التوصل إلى اتفاق وقف النار بقطاع غزة عقب أكثر من عامين من إبادة جماعية بدأتها إسرائيل في أكتوبر 2023، بدعم أمريكي، وخلفت ما يزيد على 73 ألف شهيد وأكثر من 173 ألف جريح فلسطيني.
ورغم الاتفاق، تواصل إسرائيل الإبادة عبر الحصار والقصف اليومي الذي يسفر عن شهداء وجرحى، كما تمنع إدخال كميات كافية من المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء.