تمر هذه الأيام الذكرى السابعة والسبعين لميلاد الكاتب والأديب اللبناني أمين معلوف، الذي ولد في 25 من فبراير عام 1949.
وتزخر مسيرة أمين معلوف الكتابية بالعديد من الأعمال الروائية والسياسية والتاريخية والفكرية، حيث يملك عددا كبيرا من المؤلفات المتنوعة، ومن ضمن هذه الحصيلة المميزة يبرز كتاب "غرق الحضارات".
في كتابه "غرق الحضارات" يحاول أمين معلوف تفكيك الأوضاع الراهنة في العالم، مركزا على الغرب، من دون أن يغفل ما آلت إليه أحوال الوطن العربي.
يظهر معلوف كأنه ناظر إلى بلورة سحرية، يستقرئ التاريخ العربي بوصفه مسارا متدرجا نحو العتمة، محاولا أن يحدد اللحظة التي بدأ عندها الانكسار.
يشير إلى الظلمات التي اكتسحت العالم العربي بدءا من بلاده لبنان، مرورا بمصر والعراق وسوريا، معتبرا أن الخلل الجوهري يعود إلى تعثر مسار النهضة العربية التي انطلقت في منتصف القرن التاسع عشر.
فالمجتمعات العربية، في نظره، لم تنجح في الاستجابة الفعلية لدعوات الإصلاح والتحديث، وبقيت مشدودة إلى الماضي، مترددة في اللحاق بركب الحداثة.
ولا يقف تحليله عند حدود العالم العربي؛ إذ يسلط الضوء على الغرب أيضا، دارسا أحواله بوصفه ملاحظا متشبثا بعقلانيته في زمن الجنون والعنف والإرهاب الأعمى، وفي ظل مخاطر جسيمة تهدد البشرية اقتصاديا وسياسيا وثقافيا؛ فالغرق، عند معلوف، ليس قدر أمة بعينها، بل احتمال يهدد النطاقات الحضارية كافة.
وعن رفض الشعوب العربية لمسار التقدم، يعيد معلوف الأمر إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، حين اختارت بلدان عربية عدة أنظمة حكم متسلطة وفاسدة حكمت شعوبها بالحديد والنار، ما عمّق أزماتها وأفسح المجال أمام الحركات الأصولية المتطرفة لتملأ الفراغ، واعدة أتباعها بالخلاص في الدنيا والآخرة.
وتكتسب تحليلات معلوف أهميتها من مسيرته الطويلة في مراقبة التحولات الكبرى؛ فمنذ عقود وهو يحذر من تنامي ما سماه في كتابه الهويات القاتلة خطر الانغلاق الهوياتي، ثم عاد في اختلال العالم ليتحدث عن اختلال موازين النظام الدولي.
وفي هذا الكتاب، يبدو كأنه يجمع خيوط القلق كلها ليقدم تفسيرا متكاملا لأسباب الانحدار الراهن.
خبرة معلوف ليست نظرية فحسب؛ فقد كان شاهدا على لحظات مفصلية في التاريخ المعاصر، من سايغون عند نهاية حرب فيتنام، إلى طهران إبان اندلاع الثورة الإسلامية.
لذلك يمزج في كتابه بين سرد الوقائع وتحليلها، بين شهادة العيان وتأملات المؤرخ، متجاوزا تجربته الشخصية ليطرح فرضية الانقلاب الكبير، الذي غير مسار المجتمعات البشرية وجعلنا ورثته القلقين.
ويختتم معلوف كتابه بنداء إلى صحوة ضرورية، مؤكدا أن سفينة العالم لا يمكنها الاستمرار في الإبحار نحو هلاكها من دون مراجعة شاملة لمسارها.