بين إدلب وطرابلس: عودة سوريا ضرورة أمن قومي - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
السبت 29 فبراير 2020 7:51 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


بين إدلب وطرابلس: عودة سوريا ضرورة أمن قومي

نشر فى : الأربعاء 1 يناير 2020 - 10:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 1 يناير 2020 - 10:20 م

التحذير المتواتر للرئيس التركى «رجب طيب أردوغان» من أن تتحول ليبيا إلى سوريا أخرى ينطوى على شىء من الصحة وشىء آخر من المخاتلة.

ما هو صحيح أن ليبيا تكاد تنزلق إلى حرب إقليمية فوق أراضيها تتداخل فيها مصالح وقوى إقليمية ودولية وتتهدد وحدة أراضيها ويدفع أهلها أثمانا غير محتملة بأى معيار إنسانى.

وما هو مخاتل أنه يحاول إعفاء نفسه من مسئولية ما قد يحدث فى ليبيا من أوضاع مماثلة تفاقم معاناة الاحتراب الأهلى بالتدخل العسكرى التركى، الذى يوشك أن يبدأ.

التحذير بنصه يردده بلا توقف وزير خارجيته «مولود جاويش أوغلو»، كأنه قنبلة دخان تحاول أن تخفى ما يحدث فعلا على الأرض من استدعاء للسيناريو السورى فى الأراضى الليبية بأثر التدخل العسكرى المتوقع.

قبل ثمانى سنوات ترددت تحذيرات عكسية من أن تتحول سوريا إلى ليبيا أخرى، كما يتذكر الرئيس التركى، دون أن يبدى أى استعداد لتحمل أدنى قسط من المسئولية فيما جرى لسوريا من تخريب وترويع وتهجير لأعداد كبير من مواطنيها وتهديد لوحدة أراضيها.

بأية قراءة موضوعية لا يمكن نفى قدر التداخل بين الأزمتين السورية والليبية ولا حجم الدور الذى لعبته تركيا على مسرحيهما الداميين.

استخدمت قواعدها العسكرية فى عمليات حلف «الناتو»، التى أسقطت نظام العقيد «معمر القذافى»، قبل أن تسلم المقادير الليبية لجماعات متشددة حظيت بدعم تركى مفتوح باسم دعم «الثوار» مرة والدفاع عن «الأمن القومى التركى» مرة أخرى.

تضررت مصر بقسوة من تهريب السلاح، الذى تخلف عن عمليات حلف «الناتو»، أو احتفظت به مخازن قوات «القذافى» قبل سقوطه، إلى داخل أراضيها عبر حدود تصل إلى نحو (1200) كيلومتر، ودفعت أثمانا باهظة من دماء مواطنيها فى عمليات عنف وإرهاب.

بنفس الوقت جرى تهريب قدر أكبر من ذلك السلاح إلى سوريا عبر الحدود التركية بإشراف كامل من استخباراتها، التى احتضنت ودربت وأدخلت مجموعات إرهابية إلى حيث تمركزت فى داخل الوطن الممزق.

وقد تضررت مصر مرة أخرى فى أمنها القومى بتقويض الدور السورى.

الارتباط بين الأزمتين السورية والليبية يتبدى الآن فى التداخل بين ما قد تتطور إليه الحوادث فى معركتى طرابلس وإدلب.
من المفارقات أن تركيا تطلب هدنة فى إدلب فيما هى تصعد فى طرابلس.

طلب الهدنة لا يتعلق بحماية المدنيين من أى أخطار محتملة بقدر ما يتعلق بحماية الجماعات المسلحة، وأهمها وأقواها «جبهة النصرة» المصنفة دوليا فى قوائم التنظيمات الإرهابية، من أن تلحق بها هزيمة كبيرة فى معقلها الأخير.

على أى أساس يجرى طلب الهدنة؟
السؤال يستدعى اتفاق «سوتشى» الذى أبرمه الرئيسان الروسى «فلاديمير بوتين» والتركى «أردوغان» فى (17) سبتمبر (2018)، الذى لم يجر الالتزام بمقتضى نصوصه فى نزع أسلحة الفصائل المسلحة وإنشاء منطقة منزوعة السلاح قد تصل لـ(20) كيلومترا على طول خط التماس.

إدلب أهم محافظة سورية فى خاصرة تركيا الجنوبية وعودتها مرة أخرى لحضن دمشق هزيمة استراتيجية لسياسات «أردوغان» وجموحه للتوسع على حساب أراضى الدول الأخرى.

حسب بيانات وزارات خارجية عديدة يحظى «أردوغان» بدعم غربى كامل فى طلب الهدنة ووقف العمليات العسكرية.

فى ليبيا المواقف تختلف والحسابات تتعارض حيث لا يحظى «أردوغان» بأى دعم دبلوماسى وسياسى أوروبى، لكنه بالنظر إلى طبيعة الدور التركى فى استراتيجية حلف «الناتو» لا تستبعد صفقة ما لوقف جموحه تمنحه تنازلات تفرض على الأطراف الإقليمية المتضررة فى مؤتمر برلين المزمع عقده يناير الحالى.

كما لا يستبعد التوصل إلى نوع من التفاهم بين موسكو وأنقرة يجرى بمقتضاه مقايضة ما بين الأزمتين السورية والليبية.
فى حسابات الاستراتيجيات والمصالح الدولية لا يصح استبعاد منطق الصفقات المحتملة.

التلويح التركى بالتدخل لا يعنى ــ بالضرورة ــ أنه سوف يحدث واسعا وكاملا رغم الإجراءات والتحركات، فالكلفة السياسية والعسكرية باهظة للوقوع فى المستنقع الليبى.

حجم التدخل ونوعه السؤال الأكثر إلحاحا فى تطورات الحوادث.

حسب الشواهد والمعلومات المتداولة قد لا يحدث تدخل برى واسع يعرض القوات التركية لأخطار ومنزلقات وهزائم ممكنة.

الأرجح أن يقتصر التدخل على نشر قوات بحرية وضربات طيران تعرقل أى حسم محتمل للجيش الوطنى الليبى بقيادة «خليفة حفتر» لمعركة طرابلس، وأن يكون الاعتماد الرئيسى على إرسال مستشارين عسكريين لمهام التدريب والتنسيق.

الأخطر نقل مسلحين من إدلب، التى توشك أن تحسم معركتها، إلى ميادين القتال فى ليبيا، على نفس السيناريو الذى جرى فى عملية «نبع السلام» بالشمال السورى، حين جرى جلب مسلحين محسوبين على المعارضة السورية كمفرزة أمامية تتحمل المخاطر.

انتهت مهمة فى سوريا وبدأت أخرى فى ليبيا لحساب نفس الجهة.

ما يستوجب التساؤل هنا: ما مدى جاهزية الجيش التركى لخوض أكثر من حرب فى اتجاهات استراتيجية متباعدة، وهو ما لا تقدر عليه قوى عظمى، خاصة فى ظل تآكل مستويات كفاءته بالإقالات والاعتقالات فى صفوفه بعد الانقلاب الفاشل؟!

وقد أثارت المعلومات المتواترة عن إرسال مسلحين سوريين إلى طرابلس ردات فعل زعزعت مفهوم المعارضة السورية كما لم يحدث من قبل.

السؤال الآن: أين نحن مما قد يحدث من تطورات وصدامات بالسلاح أو بالسياسة؟

الدور التركى فى سوريا يجد نفسه مأزوما فى إدلب باحثا عن مخرج دبلوماسى بصفقة ما.

إذا غابت الصفقة فالهزيمة مرشحة للتمدد فى جميع أرجاء الشمال السورى، بما يعنى إخفاق عمليته العسكرية «نبع السلام»، التى غزت الحدود السورية باسم محاربة الإرهاب الكردستانى ومقتضيات الأمن القومى التركى.

والدور التركى فى ليبيا تعوقه مصالح واعتبارات إقليمية ودولية متعارضة فيما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة على مؤتمر برلين وما قد يحدث فيه ويترتب عليه.

هذا التداخل بين الأزمتين السورية والليبية، وبين معركتى إدلب وطرابلس، لا يدع مجالا للفصل بينهما، أو إدارة إحداهما بعيدا عن الأخرى.

كلتاهما تدخلان فى صلب اعتبارات الأمن القومى فى مصر.

إذا أردنا أن نواجه أى تداعيات خطرة محتملة للتدخل العسكرى التركى فى ليبيا فإن المواجهة تبدأ من سوريا بإعادة العلاقات الدبلوماسية معها بلا إبطاء وعودة مقعدها فى الجامعة العربية وإنهاء أى عزلة مفروضة عليها بلا تردد.

عودة سوريا مسألة أمن قومى عاجلة.