الإضرابات والأجور وتحديث علاقات العمل - إبراهيم عوض - بوابة الشروق
الجمعة 21 يناير 2022 8:00 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


الإضرابات والأجور وتحديث علاقات العمل

نشر فى : الأحد 2 مارس 2014 - 8:10 ص | آخر تحديث : الأحد 2 مارس 2014 - 8:10 ص

سواء كانت الإضرابات قد أسهمت فى الإطاحة بحكومة الدكتور حازم الببلاوى أو لم تكن، فإنه لا مراء فى أن النزاعات العمالية من المحلة إلى كفر الدوَار إلى القاهرة قد تخطت فى آثارها الاقتصاد وأدائه وتبعاته الاجتماعية، لتصل إلى رجرجة نفس الحالة السياسية فى البلاد. الإضرابات قام بها العمال والمهنيون والموظفون، فى القطاع العام، وفى الحكومة، وفى القطاع الخاص، ووصل المحتجون إلى رصيف مجلس الوزراء فى القاهرة ليفترشوه، كما كانت الحال فى السنة السابقة على اندلاع أولى حلقات الثورة فى يناير 2011.

كان رد فعل الحكومة الاستجابة لكل مطالب المضربين هنا، ولبعضها هناك، والمراوغة أحيانا والامتناع عن النظر فى المطالب فى أحيان أخرى. لم يكن بإمكان الحكومة المستقيلة ولا بإمكان أى حكومة أخرى أن تتعامل مع المضربين والمحتجين، كل على حدة. والأمر عبثى فى حالة شركة غزل المحلة، كما هو فى كفر الدوَار، فالحكومة تفاوض المحتجين لتسوية نزاع عمل باعتبار حرصها على استقرار علاقات العمل، ولكنها أيضا الطرف المحتج عليه باعتبار ممارستها لحقوق الملكية على شركات قطاع الأعمال العام. المفاوض يصل إلى حلول وسط، والممارس لحقوق الملكية لا يقبل هذه الحلول. والنتيجة هى شلل وعجز عن تطبيق أى قرار يتخذ.

•••

تحرر العمال من الخوف، وتحركهم دفاعا عن مصالحهم، بعد أن كفَت الدولة عن توفير الظروف المواتية لتلبية احتياجاتهم واحتياجات غيرهم، هما اللذان أبرزا العيوب الهائلة فى علاقات العمل، ولكن العيوب كانت موجودة لم يخفها إلا تمكن الدولة من توفير أساسيات الحياة للمواطنين لعقود من الزمن، من جانب، والقمع والقسر، من جانب آخر. علاقات العمل هى تلك التى تقوم بين صاحب العمل والعامل وتتعلق بالشروط والظروف التى يمارس العامل فى إطارها عمله. أما العيوب فى هذه العلاقات فى حالة مصر فهى غياب أى تنظيم فعلى وفعال لها يمكن من خلاله الاتفاق على شروط وظروف للعمل مقبولة لطرفى هذه العلاقات واستباق نشأة النزاعات وتسويتها قبل أن يتعطل بفعلها الإنتاج. أهم قنوات تنظيم علاقات العمل هى الحوار الاجتماعى بين أصحاب العمل والعمال، فى غياب الحكومة، أو فى حضورها وبلعبها دورا توفيقيا بين أطراف عملية الإنتاج.

لم يوجد حوار اجتماعى منتظم فى مصر فى أى وقت من الأوقات. النتيجة كانت اشتعال النزاعات العمالية بدلا من درئها والحيلولة دون نشأتها. وعندما بدأت الإضرابات والنزاعات العمالية فى التزايد حول منتصف العقد المنصرم، لجأت أطراف هذه النزاعات فى تسويتها إلى أساليب بالية كالترضية وعلاج كل حالة على حدة. فرص عديدة لاحت لعلاج التشوه فى العلاقات بين العمال وأصحاب العمل، بضغط من مجموعات من الرأى العام أو من الناشطين نقابيا أو سياسيا، بل وبحثٍ من المنظمات الدولية المختصة، ولكن أحدا لم يقترب من التشوه وبقيت علاقات العمل عليلة. وعلاج علاقات العمل وتحديثها يتطلب نشأة نقابات عمال مستقلة وتمثيلية حقا، مطمئنة إلى وضعها القانونى، تتفاوض مع أصحاب العمل ومنظماتهم.

•••

الخطوة الثانية بعد وجود هذه النقابات، هى إنشاء قنوات دائمة للحوار الاجتماعى، قنوات محددة الإجراءات وطرائق العمل والتوقيتات، يتفاوض من خلالها أصحاب العمل والعمال على على الأجور، وعلى غيرها من شروط وظروف العمل والإنتاج مثل التدريب، وتنظيم ساعات العمل، والراحات، والسلامة والصحة المهنية.

النقابات التمثيلية وقنوات الحوار الاجتماعى من شأنها أن تعفى الاقتصاد والمجتمع، بل والسياسة المصرية، من جانب كبير، مثلا، من النزاعات المحتدمة حول تحديد الحد الأدنى للأجور. المشاهد هو أن الحكومة تتفاوض مع أصحاب العمل نيابة عن العمال لتحديد هذا الحد الأدنى، بينما المفترض هو أن يعبر العمال عن مصالحهم بأنفسهم وأن يدافعوا عنها، وأن تبقى الحكومة كقوة احتياطية توفق بين طرفى عملية الإنتاج إن استحال عليهما الاتفاق. المفاوضات الجماعية، عبر قنوات الحوار الاجتماعى، بالإضافة إلى موضوعاتها المباشرة، تؤدى إلى تغير فى أسلوب التعامل مع المسائل التى تشغل المجتمع من الأسلوب الإدارى إلى الأسلوب السياسى فى وقت أصبح فيه جليا لكل ذى عينين الفشل الذريع للمقاربة الإدارية للمشكلات الاجتماعية. النيابة عن العمال هو استمرار للوصاية عليهم، والوصاية لا تفرض إلا على غير الراشد. فى التعليق على النزاعات العمالية المحتدمة كثيرا ما تسمع حديثا عن ضرورة أن يتفهم العمال الظروف الحالية الدقيقة للاقتصاد المصرى. المطلوب إذن هو تفكير رشيد من العمال، بينما ينكر عليهم رشدهم! أليس الإقرار بقدرة العمال، مثل أصحاب العمل، على الدفاع عن مصالحهم، وأليست ممارسة التفاوض الجماعى والوصول إلى الحلول الوسط مدخلا، مثلا، للتباحث على مسألة تقلق بال المجتمع الاقتصادى والسياسى مثل مسألة دعم الطاقة والسلع الغذائية؟

•••

مسألة الحد الأدنى للأجور وطريقة الحكومات المتعاقبة فى التصدى لها تثير كثيرا من الدهشة وهى، بالإضافة إلى غيبة قنوات الحوار، قد تكون سببا فى الأزمة الحالية. فى العالم أجمع، وفى كل البلدان، الحدُ الأدنى للأجور مفهوم يخص العمل فى القطاع الخاص ولا علاقة للوظيفة الحكومية، أى للعمل فى الحكومة، به. لا شيء يمنع الحكومة من تحديد مستويات الأجور فيها من أدناها إلى أعلاها، وهى مستويات لا يحددها الربح ولا الإنتاجية وحدهما لأن للحكومة وظائف وعليها التزامات نحو الشعب يؤديها باسمها الموظفون والعاملون فى الحكومة بصرف النظر عن تكلفة هذه الإلتزامات ومردودها. هذا هو الذى يفسر أن الحكومة، وإن بعد تردد، قد حددت بقرار منفرد أدنى مستوى للمدفوعات الشهرية للعاملين فى جهازها الإداري. ولكن هذا القرار جانبه الصواب مرتين، الأولى عندما أطلقت، ومعها وسائط الإعلام، على المستوى الأدنى لمدفوعاتها لموظفيها مصطلح الحدِ الأدنى للأجور. ليس ذلك لأن المدفوعات ليست كلها أجورا، فهذه قضية أخرى وإن كانت عظيمة الأهمية، ولكن لأن الحد الأدنى للأجور هو مفهوم للقطاع الخاص، لا يمكن أن يكون القرار بشأنه من طرف واحد. الحكومة لا تستطيع أن تفرض هذا الحدَ على القطاع الخاص، والقطاع الخاص بدوره لا يستطيع أن يفرضه على العمال. الخلط الفريد فى المفاهيم أدِى إلى تعقد المشكلة.

القرار جانبه الصواب أيضا لأن المستوى الأدنى للمدفوعات فى الحكومة قد أعلن قبل التوصل إلى اتفاق بشأن الحدِ الأدنى للأجور فى القطاع الخاص، وهو ما جعل عمال القطاع الخاص يتمسكون به كحد أدنى لأجورهم. الثابت، وإن كان فيه مفاجأة للكثيرين، هو أن الأجور فى الحكومة أعلى منها فى القطاع الخاص، ولذلك فإن لحاق أجور القطاع الخاص كله، الحديث منه وغير المنظم، بمستوى الأجور فى الحكومة مما لا طاقة للاقتصاد به، فضلا على أنه يفتح الباب أما عدم احترامه وهو ما يهدم كل المقصود بتحديد حدِ أدنى للأجور. لنا مثالان على التصدى للعلاقة بين الأجور فى الحكومة والقطاع الخاص من البرازيل والفليبين، حيث ينص قانون الوظيفة العمومية فيهما على ألا يقل الأجر فى الحكومة عن الحدِ الأدنى للأجور فى القطاع الخاص، بمعنى أن أجور الحكومة تهتدى بأجور القطاع الخاص وليس العكس.

•••

الدراسات فى كل مكان تبيِن أن الحدَ الأدنى للأجور لا يؤتى آثارا سلبية على التشغيل، لا على عدد فرص العمل ولا على ساعاته. والحد الأدنى للأجور ليس مفهوما جامدا، والتفاوض حوله من شأنه أن يطبَق بشكل مرن يناسب المناطق والصناعات والمهن المختلفة. ليس ضروريا أن يكون الحد الأدنى واحدا من رشيد إلى أسوان، بل إنه لا ينبغى أن يكون هذا الحد واحدا، وإلا تعثرت كل الجهود الرامية إلى تنمية المناطق المتخلفة إقتصاديا لتى ينتشر فيها الفقر، وحيث تنخفض تكاليف المعيشة بالفعل عنها فى القاهرة أو فى الإسكندرية. حدٌ أدنى واحد سيجعل الصناعيين يستثمرون حيث توجد البنية الأساسية المتطورة، وستكون النتيجة مزيدا من التخلف المطلق والنسبى ومن الفقر فى المناطق المتخلفة بالفعل.

تحديث علاقات العمل، والأخذ بالمفاهيم المستقرة لتنظيم هذه العلاقات، لا سبيل غيرهما لاستقرار دورة النشاط الاقتصادى، ولتوفير الظروف الضرورية لنموه، من جانب، ولتهدئة الحالة السياسية وتعزيز استقرارها، من جانب آخر.

إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات