إسرائيل دولة مارقة ومنبوذة - بشير عبد الفتاح - بوابة الشروق
الإثنين 22 يوليه 2024 11:02 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

إسرائيل دولة مارقة ومنبوذة

نشر فى : الإثنين 3 يونيو 2024 - 6:30 م | آخر تحديث : الإثنين 3 يونيو 2024 - 6:30 م

 يكاد يجمع علماء العلاقات الدولية، على أن مفهوم الدولة المارقة، Rogue State، ينصرف إلى تلك الدولة، التى تظهر عجزًا فجًا ومزمنًا إزاء مواطنيها، كما فى التعاطى البناء مع محيطيها الإقليمى والدولى. بحيث لا تتورع عن مباشرة الانتهاك المتواصل للأعراف، القوانين والمواثيق الدولية؛ بما يشكل تهديدًا حقيقيًا للسلم والأمن الدوليين.

أما الدول المنبوذة Pariah State فيعرّفها قاموس «بينجوين» للسياسة الخارجية، بأنها الدول، أوالكيانات الدولية، التى تفضى سياسات نظامها الحاكم، أو توجهاته وانحيازاته الإيديولوجية، إلى تعرضها لعزلة دبلوماسية عالمية، وازدراء أخلاقى كونى. ومن ثم، يعتبرها المجتمع الدولى، منبوذة، ما قد يدفعه إلى وضعها تحت طائلة العقوبات، بمختلف أشكالها. وربما تتعرض للغزو، أو الهجوم العسكرى من قبل دول تعتبر سياساتها، توجهاتها، أو حتى وجودها، بحد ذاته، أمرًا غير مقبول.

بإمعانها فى العدوان على الفلسطينيين، منذ السابع من أكتوبر الماضى، وإيغالها فى اقتراف أبشع جرائم الحرب، الإبادة الجماعية، والعقاب الجماعى بحقهم؛ أسقطت إسرائيل اللثام عن وجهها القبيح، لتغدو دولة مارقة ومعزولة بامتياز. فبعدما صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بأغلبية كاسحة، فى الـحادى عشر من مايو الماضى، على أهلية فلسطين للحصول على العضوية الكاملة بالمنظمة الدولية؛ أقدمت كل من إسبانيا، إيرلندا والنرويج، بعدها بأسبوعين، على الاعتراف بالدولة الفلسطينية. حيث جاءت الخطوة ردًا على مواصلة الاحتلال الإسرائيلى قتل، تشريد وتجويع مئات آلاف من الفلسطينيين فى غزة، ومحاولة لإحقاق العدالة للشعب الفلسطينى. وقد ضاعفت تلك الخطوة من وطأة الضغوط على حكومة نتنياهو، كما ولدت زخمًا دوليًا للاعتراف بالدولة الفلسطينية؛ إذ تمثل تحولًا لافتًا فى الموقف الغربى الذى طالما تشبث بآلية المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين سبيلًا وحيدًا كى تبصر تلك الدولة النور. الأمر الذى من شأنه تعميق عزلة إسرائيل، وتعزيز التعاطف الدولى مع المأساة الإنسانية، التى يكابدها سكان غزة جراء العدوان.

بجريرة ارتكابهما جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية حيال المدنيين الفلسطينيين؛ وجه المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية، مطلع الشهر الفائت، بإصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلى، نتنياهو، ووزير دفاعه، جالانت.

 بالتزامن، أمرت محكمة العدل الدولية، وهى أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة، وتعد قراراتها ملزمة قانونا، لكنها تفتقر إلى آليات تنفيذها، إسرائيل، بوقف عدوانها على رفح، وإبقاء معبرها مفتوحا، بعدما أغلقته إثر بدء هجومها أوائل الشهر المنقضى. وقد كثف الاتحاد الأوروبى مطالباته إسرائيل بتنفيذ تلك الأوامر.

غير بعيد، دق منسق الشؤون الإنسانية لدى الأمم المتحدة، مارتن غريفيث، ناقوس الخطر، إثر تدهور الوضع الأمنى والإنسانى فى قطاع غزة، جراء نضوب مخزونات الغذاء، الدواء والوقود . محذرا من شبح المجاعة، تزامنا مع خروج المستشفيات عن الخدمة، وفرار نحو 800 ألف فلسطينى من رفح، خلال أسابيع قليلة.

لم تسلم أموال الفلسطينيين من القرصنة الإسرائيلية. فقبل قليل، حذر البنك الدولى من مخاطر انهيار الوضع المالى للسلطة الفلسطينية، جراء جفاف تدفقات الإيرادات، وانكماش النشاط الاقتصادى، مع استمرار العدوان على غزة. متوقعًا أن يناهز العجز المالى لدى السلطة الفلسطينية 1.2 مليار دولار، خلال الأشهر المقبلة؛ بما يضاعف فجوة تمويلية، بلغت 682 مليونًا، نهاية العام المنصرم.

بدورهم، انبرى مسئولون غربيون فى التحذير من «كارثة اقتصادية» وشيكة تجتاح الضفة الغربية المحتلة، حالة عدم تجديد إسرائيل الإعفاء، الذى تحتاجه البنوك الإسرائيلية لاستبقاء علاقاتها الاضطرارية مع نظيراتها الفلسطينية. وفى السياق ذاته، دعا بيان لوزراء مالية مجموعة السبع الصناعية العظمى، إسرائيل، إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان استمرار خدمات المراسلة المصرفية بين البنوك الإسرائيلية ومثيلاتها الفلسطينية، حتى تظل المعاملات المالية، التجارية، الخدمات الحيوية. إضافة إلى الإفراج عن أموال المقاصة المحتجزة للسلطة الفلسطينية، لا سيما أن احتياجاتها المالية العاجلة، آخذة فى التعاظم. علاوة على إلغاء، أو تخفيف الإجراءات، التى أثرت سلبًا على التجارة، للحيلولة دون تفاقم التدهور الاقتصادى فى الضفة الغربية، وكرر البيان تحذيرًا أطلقته وزيرة الخزانة الأمريكية، مؤداه أن عدم تجديد خدمات المراسلة، التى سينتهى سريانها قريبًا، سيقضى على شريان حيوى للبقاء على الأراضى الفلسطينية، تحت وطأة الصراع الدامى والمدمر فى قطاع غزة.

تشمل أموال المقاصة، عائدات الضرائب، الجمارك والمكوس المفروضة على السلع، التى يقوم الجانب الفلسطينى باستيرادها، بينما تجبيها إسرائيل عند المعابر نيابة عن السلطة الفلسطينية، مقابل عمولة بنسبة 3%. وتقدر القيمة الإجمالية لتلك الأموال بحوالى 257 مليون دولار شهريًا، بينما يذهب إلى غزة منها نحو 200 مليون دولار، كأجور موظفين، وقود، وكهرباء. ويفترض أن تُحول المقاصة شهريا إلى السلطة الفلسطينية، لكن سلطات الاحتلال دأبت منذ عدة سنوات، على اقتطاع مبالغ منها، توازى ما تدفعه السلطة إلى عائلات الأسرى والشهداء. ثم ما لبثت أن أضافت حصة غزة إلى المبلغ المقتطع بعد شن عدوانها الغاشم عليها منذ السابع من أكتوبر الماضى. وتعتمد السلطة الفلسطينية، بشكل حيوى، على أموال المقاصة. إذ بدونها لن يتسنى لها الوفاء بالتزاماتها، لجهة أجور كادرها الإدارى، فضلًا عن نفقات مؤسساتها ودوائرها الحكومية.

يأبى وزير المالية الإسرائيلى اليمينى المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، إلا رفض تحويل عائدات الضرائب (المقاصة) إلى السلطة الفلسطينية، والمطالبة بإقرار حزمة عقوبات عليها؛ ردًا على اعتراف النرويج، إسبانيا، أيرلندا بالدولة الفلسطينية. وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل تجمع الضرائب نيابة عن السلطة الفلسطينية، مقابل واردات الفلسطينيين من السلع المستوردة. وتقتطع إسرائيل لقاء ذلك عمولة قيمتها 3%. ويفترض أن تحول هذه الأموال إلى السلطة شهريا بمتوسط 190 مليون دولار، فيما يكون نصيب غزة منها فى الأحوال العادية نحو 75 مليون دولار.

إمعانًا منه فى نهب الأموال الفلسطينية، لوح، سموتريتش، بعدم تجديد إعفاء ينقضى مستهل يوليو المقبل، ويسمح لبنوك إسرائيلية بالتعامل مع مدفوعات بالشيكل لخدمات ورواتب مرتبطة بالسلطة الفلسطينية. وبينما يستخدم الاقتصاد الفلسطينى العملة الإسرائيلية، وتضطر مؤسساته المالية للتعامل مع البنوك الإسرائيلية للحصول عليه، حذرت الأمم المتحدة من أن فصل البنوك الفلسطينية عن إسرائيل، سيعزلها، بشكل مقلق، عن النظام المصرفى العالمى بما يشل الاقتصاد الفلسطينى. وخلال عام 2021، بلغ متوسط أموال المقاصة بعد الخصومات الإسرائيلية، 220.8 مليون دولار شهريا. ورغم تواضعه، يشكل ذلك المبلغ قرابة 63% من الدخل الشهرى للحكومة الفلسطينية، التى تصارع أزمة مالية خانقة. ويسمح الإعفاء، الذى من المقرر انتهاؤه مطلع يوليو المقبل، بدفع مقابل الخدمات الحيوية والرواتب المرتبطة بالسلطة الفلسطينية، ويسهل استيراد الضروريات مثل الغذاء، الماء والكهرباء إلى الأراضى الفلسطينية المحتلة. ومن شأن انتهاء ذلك الإعفاء، دون تجديده، أن يغل يد السلطة الفلسطينية فى العمل، كونه سيقلص عمليات الاستيراد والتصدير، كما سيشل النشاط الاقتصادى بالضفة، التى يتطلع الفلسطينيون إلى أن تشكل حاضرة دولتهم المستقبلية. وتمر ما يقرب من ثمانية مليار دولار من التجارة بين إسرائيل والضفة عبر هذه القنوات سنويا. يخصص منها 2.3 مليار دولار للغذاء، 540 مليونًا للكهرباء، و145 مليونًا لخدمات المياه والصرف الصحى.

مؤخرًا، كشفت صحيفة «ذا ماركر»، الإسرائيلية الاقتصادية، عن مخططات، سموتريتش، لقرصنة 835 مليون دولار، من أموال السلطة الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل. وهى الأموال، التى تتضمن إيرادات كان ينبغى على الحكومة الإسرائيلية تحويلها لحساب السلطة. بيد أن الوزير اليمينى المتطرف، يبتغى توجيهها لسد عجز الموازنة الإسرائيلية. وفى مسعى منها لتبرير اغتصابها تلك الأموال، تتذرع دولة الاحتلال بذرائع واهية؛ من قبيل، أن السلطة الفلسطينية تستخدمها للإنفاق على ذوى الأسرى وعائلات الشهداء فى الضفة الغربية، القدس وقطاع غزة.

التعليقات