جهود الكذب والعجز فى أرض العرب - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الأربعاء 11 ديسمبر 2019 5:14 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

جهود الكذب والعجز فى أرض العرب

نشر فى : الخميس 7 يوليه 2016 - 9:15 م | آخر تحديث : الخميس 7 يوليه 2016 - 9:15 م
نحن نعيش فى عالم قائم على الكذب والخداع، والدوران حول القضايا، ثم الادعاء بأن قادته يسعون لحل تلك القضايا.

لنأخذ موضوع العنف الإرهابى، الجهادى التكفيرى فى بلاد العرب والإسلام والعبثى الفردى فى مجتمعات الغرب، والذى أصبح كابوسا يؤرق كل مجتمعات العالم، وحديثا تتلهى به كل وسائل الإعلام ليل نهار بعرض فواجعه وأحزان ضحاياه، وخطابا سياسيا يوميا لرئيس هذه الدولة أو تلك ليمارس أوهام البطولة، لكن موضوع العنف الشيطانى ذاك يظل قائما ومترسخا، بل ويتمدد ويتفنن فى ابتداع صور الذبح والحرق التى لا تقف عند حدود.

أما عالمنا فإنه ينشغل بتحليل الظاهرة وبالتصنيف المضحك المبكى. فهذا إرهاب متطرف يجب أن يحارب، وذاك إرهاب معتدل يمكن التعايش معه، وتلك مجزرة يقوم بها فرد شاذ معتوه كانت وستكون معنا إلى الأبد.

الكل منشغل بذلك اللغو، لكن قليلون هم الذين يتحدثون عن أهم وأخطر عناصر وجوده: وصول ممارسيه السهل الميسر إلى الأدوات التى يرتكبون بها جرائهم، واستمرار نشر الإيديولوجية التى تغذى وتربى عقول وأرواح أتباعه وجنوده وانتحارييه.

***

موضوع الوصول إلى الأدوات يصرخ فى وجوه الجميع ويطرح السؤال الآتى: ما الذى يقتل الضحايا ويفجر الأسواق والمساجد والحسينيات ويرمل النساء وييتم الأطفال ويحيل المدن إلى أرض يباب؟ أليست هى البندقية والكلاشنكوف ومواد التفجير؟ وهذه أليست تصنع فى مصانع معروفة وتباع من قبل جهات معروفة وتشتريها أنظمة وقوى معروفة لتوصلها بطرق معروفة إلى يد المجنون الذى يمارس الإجرام الهمجى؟

وإذن، لماذا لا يستطيع هذا العالم، الذى نجح إلى أبعد الحدود فى الحد من انتشار الأسلحة الذرية والكيميائية والجرثومية، لا يستطيع أن يفعل الأمر ذاته مع إنتاج وبيع الأسلحة، سواء للإرهاب الدولى أو الفرد المجنون، لتصبح عملية محكومة بضوابط دولية صارمة وسجلات شفافة ومقاييس أمنية وطنية فقط؟

لماذا لم يحصل هذا الموضوع بالذات، وبالرغم من كل مآسى الإرهاب الجماعى والفردى، بالدعوة إلى مؤتمر دولى واحد ليصار إلى النظر فى إمكانية ضبط تصنيع وبيع السلاح؟ الآن مصانع السلاح فى دول الغرب وروسيا والصين والكيان الصهيونى وغيرها يجب ألا تمس مصالحها وتشغيلها لألوف الأيادى العاملة وجنيها للأرباح الهائلة؟ الآن مؤسسات الاستخبارات ومؤسسات تجارة السلاح، والإعلام الذى يقف وراءهما، قد أصبحوا جميعا أقوى من الدول ومن الإرادة الدولية؟

فى هذا الموضوع تذرف يوميا دموع التماسيح ويمارس النفاق بصورة مكشوفة ويتم التآمر على الإنسانية، بينما تجرى الدماء مدرارا.

الأمر نفسه ينطبق على موضوع الإيديولوجية التى تقف وراء العنف الجهادى التكفيرى، وخصوصا فى أرض العرب والإسلام. الجميع يعلم أنها إيديولوجية فقهية متخلفة متزمتة تعتمد على قراءات خاطئة تلفيقية لما جاء فى القرآن الكريم وأحاديث رسول الإسلام المؤكدة المتناغمة مع روح الرسالة السماوية العادلة المتسامحة الرحيمة.

فماذا تفعل المؤسسات الدينية الإسلامية الرسمية والأهلية، التى تدعى بأنها وجدت لحماية سمعة ونقاء هذا الدين، تجاه إنتاج وتوزيع وممارسة تلك الإيديولوجية الفقهية؟

هل حقا أن هذه المؤسسات جادة فى محاربة الإيديولوجية التكفيرية عندما تكتفى بإصدار الإدانات الخجولة، التى تكاد تكون همسا خائفا، لممارسات الجهاد التكفيرى؟

هل حقا أننا لم نصل بعد إلى الكارثة التى تستدعى أن تكون جميع تلك المؤسسات الدينية جبهة واحدة، متناسقة، تتكلم بصوت واحد جهورى لا غمغمة فيه، ضد كل ممارسات الجهاد التكفيرى الإرهابية، تحت أى مسمى كان، وضد كل من يمد أصحابه بالسلاح والمال والدعم السياسى والمعنوى، وضد كل محاولات تشجيعه وتبريره باسم الانقسامات الطائفية؟

أليس الجحيم الذى يعيشه العرب المسلمون والمسيحيون كافيا وخطرا حتى تتوقف تلك المؤسسات الدينية عن التفكير الطائفى وتقفز فوق كل الخلافات المذهبية، وكثير منها عبث فى عبث وسياسة فى سياسة، لتبنى موقف إسلامى واحد لإيقاف جنون هذه الإيديولوجية الفقهية؟

***

نحن أمام جهتين غير جادتين: دولية كاذبة لا يهمها إلا أن تبيع سلاحها وتجنى الأرباح، وعربية إسلامية مترددة خائفة لا تريد أن تنقح وتصلح وتجدد وتطهر إيديولوجية فقهية حتى لا يختطف الإسلام باسمها وحتى لا يصبح الإسلام دينا منبوذا مفترى عليه.
وما يحز فى النفس أن البطش الذى تعرض له المجتمع المدنى العربى عبر القرون ولا يزال يتعرض له يجعل التوجه إليه، ليقوم بالجهد المطلوب لإطفاء الحرائق، حديث خرافة يا أم عمر. هنا تكمن المأساة، وهنا يكمن الحل الذى يأتى ولا يأتى.
علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات