فاروق الباز مع الميراث والحجاب - أكرم السيسى - بوابة الشروق
الإثنين 6 ديسمبر 2021 11:07 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


فاروق الباز مع الميراث والحجاب

نشر فى : الثلاثاء 8 مايو 2018 - 9:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 8 مايو 2018 - 9:25 م

أعاد إلينا العالم الكبير فاروق الباز الجدل المحتدم حول أحقية كل مسلم فى الاجتهاد، عندما دعا للمساواة بين الرجل والمرأة فى الميراث، وتصريحه بأن الحجاب لا يعرفه الإسلام الصحيح، وعليه دعاه بعض رجال الدين إلى التوبة! وقد نسوا أو تناسوا أن الاجتهاد هو فريضة على كل مسلم، «مَن اجتهد ولم يصب فله أجر واحد ومَن اجتهد وأصاب فله أجران»، كما أن الترهيب والتكفير منهى عنهما، لأن الإسلام ليس فيه كهنوت يفرض رؤيته غصبا على الجميع!

هذا الجدل دعانا للبحث عن معنى كلمة «الدين» وأصولها فى بعض اللغات، ففى اللغة العربية يعنى أن الإنسان مدان ومكلف بالوفاء بدينه أمام الديان: الإله، كما يعنى الطاعة والانقياد (لله)، (موسوعة الأديان)، أما فى اللغات ذات الأصول الهندوأوروبية مثل الفرنسية والإنجليزية فقد اختلف اللغويون مع الكنيسة فى تعريف الدين اختلافا واسعا حيث عرفه كل منهما حسب مشربه.

أرجع القديسان أغسطينوس (354ــ430م) وتوماس داكين (1225ــ1274م)، كلمة Religion (الدين) إلى اللاتينية relegare بمعنى «إعادة الوصل أو الربط»، والمقصود به وصل كل شيء مع الله وحده، مع عدم ربطه بتطورات المجتمع، وهذا المفهوم يتوافق مع تفسير كلمة «الدين» فى العربية، أما اللغوى بنفنيست Benveniste (1902ــ1976) انتقد هذا التفسير واعتبره مسيحيا، وفقا لرأى رجل القانون الرومى سيسيرون Cicéron (103 ــ43 ق.م) الذى أرجع أصل الكلمة إلى relegere بمعنى «إعادة القراءة»، والمقصود بها تجميع وحصد كل الأحداث والمتغيرات التى تصيب الإنسان والمجتمع، ليعيد الإنسان دراستها وفحصها حتى يتمكن من مراجعة الذات لمصلحته، ولمصلحة المجتمع.

وهكذا يرى بنفنيست ــ من وجهة نظره ــ أن الإنسان يجب أن يعيد قراءة متغيرات المجتمع ليتصالح معها دون الالتفات لارتباطه بالدين، وقد خطّأه جاك داريدا (1930ــ2004) Derrida ــ صاحب نظرية التفككية ــ الذى مدح «المركز» (الكتاب المقدس)، وهاجم «التمركز» (المفسرون وتفسيراتهم) لأنها ترفض التغيير، (كتبنا فى هذا مقالا بعنوان «الخطاب الدينى: تجديد أم تجميل؟» 16/6/2016)، وطالب داريدا بالجمع بين التفسيرين السابقين، واعتبرهما مجريين من الماء يصبان فى مَعين واحد، وهذا ما نركن إليه فى تحليلنا للمواضيع المطروحة فى مقالتين: (1) الميراث والحجاب، (2) الحضانة والطلاق.
***

فى ثمانينيات القرن الماضى، كتب الصحفى الكبير أحمد بهاء الدين مقالا فى عموده «يوميات» بجريدة الأهرام عن مشكلة الميراث لدى الأسر التى أنجبت إناثا فقط، وأنهم يتحايلون على قانون الميراث بنقل كل أملاكهم لبناتهم لكى يؤمنوهن من أطماع مَن سيشاركونهن فى الميراث، وتحدث عن العواقب التى يقع فيها الأبوان جراء هذا التصرف، لأن تجريد الأبوين من أملاكهم لصالح بناتهم يُعرّض الكثير منهم لكوارث عندما تستأثر بناتهم بهذه الأملاك، أو فى حالة وفاة الوريثة، فتذهب الأملاك إلى زوج ابنتهما وإلى أحفادهما، ويتركن أبواهما دون أموالهم فلا يستطيعان توفير الحياة الكريمة لهما وهما فى أرذل العُمر.

وقد لاحظ المفكر الكبير أن مذهب الشيعة، الذى نختلف معه فى أمور عقائدية، نتبادل معهم الآراء الفقهية، قد وجدوا حلا لهذه المشكلة للحفاظ على استقرار الفرد والمجتمع ــ أحد أهم مقاصد الشريعة ــ فقاموا بتعديل بعض قوانين الميراث حتى لا يلجأ الناس للتحايل، خاصة أن أعمام وأخوال الوريثات لم يعد أحد منهم يقوم بدوره المكلف به، فأفضلهم ــالذين لا يستحوذون على كل أملاك الإناث عنوة ــ يحصلون على نصيبهم من الميراث وينسون واجباتهم نحو اليتيمات، وهذا كفيل بأن يسقط حقهم فيما نزل فيه نص، ولأن مشاركتهم فى الميراث لهؤلاء الإناث هى مشروطة برعايتهن وكفالتهن فى التعليم والزواج... إلخ.

هكذا نرى أحكام الإرث لدى الشيعة الإمامية: «إذا لم يكن للمتوفّى قريب من الطبقة الأولى إلاّ أولاده فقط ورثوا ماله كلّه. فإن كان ابنا واحدا أو بنتا واحدة ورث المال كلّه. وإن كانوا كلّهم ذكورا فقط أو إناثا فقط تقاسموا المال بينهم بالسويّة. أما إذا كانوا ذكورا وإناثا معا فـللذّكر مثل حظّ الأنثيين».

ومن قبل أقر الأزهر الشريف تعديلات فى حالة «الوصية الواجبة» (المادة 76 من قانون الوصية رقم 71 لسنة 1946م)، أعطت الحق للأحفاد الذين فقدوا أحد أبويهم فى حياة جدهم فى ميراث الأخير، بل وجعلها مقدمة على الميراث، رغم أنها ليست منه، لأن «الأصول تحجب الفروع»، فهى مختلف عليها، ولكن الشرع أعطى الحق للحاكم برفع الخلاف بما يراه فى الصالح العام، استِنَادًا إلى قاعدة «المصلحة الْمُفَوَّضة لولى الأمر» (دكتور على جمعة: «ما هى الوصية الواجبة؟» ــ موقع مصراوى 1 فبراير 2015م).

كما لابد بالاعتراف بأن النصوص القرآنية التى نزلت فى الميراث لم تعالج كثيرا من الحالات الشاذة، وللأسف حين يُستدعى المختصون بالإفتاء، نرى فتاوى ذكورية، تمنح الذكر وتحرم الأنثى! دون سند شرعى واضح، رغم أن شريعة الميراث الإلهية تُعطى فى أحيان متعددة للمرأة نصيب أكبر من الرجل!

ونذكر من الواقع مثالين: الأول لرجل لم يتزوج ومات كل إخوته وأخواته، فكان لابد أن يُوزَع ميراثه على أبناء وبنات إخوته، ولكن المحكمة تحكم بغير ذلك ــ بناء على فتوى من دار الإفتاء ــ فيتوزع الميراث على الذكور فقط، وتُحرم الإناث رغم حملهن للقب العائلة!

والثانى لرجل مات وله ابنة واحدة وأخوان، ورث أخواه نصف التركة، وعندما وافت المنية أحدهما ولم يكن متزوجا ورثه أخوه الثانى، ولم ترث فيه ابنة أخيه التى شاركها الميراث فى وفاة أبيها!، بل والأدهى أن الابنة اليتيمة لن ترث فى عمها الذى أنجب إناثا فقط، بينما لو فرض أن هذه اليتيمة توفيت فى حياة عمها ــ قبل زواجها أو فى حال إنجابها لإناث فقط ــ سيرثها هذا العم، ولن نتحدث عن عدم رعايته لابنة أخيه فى أى شيء، فهو مكلف بهذا شرعا نظير مشاركتها فى ميراث أبيها!

مثالان من الواقع، لا نرى فيهما سوى فتاوى ذكورية، تُغلب الذكر على الأنثى، دون أى سند من القرآن أو السنة! أليست هذه صور من الجاهلية، تُورِث الرِّجال دون النِّساء؟! ويقينا لو أن أحدا من المعارضين كانت ذريته من الإناث فقط، لتحايل على الأمر، ونقل أملاكه إلى بناته مبررا مخالفته بأن ما فعله هو «هِبة» لبناته!
***

وفيما يتعلق بالتصريح الثانى بأن «الحجاب لا يعرفه الإسلام الصحيح»، نرى أن ظاهرة الحجاب مستحدثة علينا، فلم نسمع أحدا من أئمة الأزهر الشريف ينادى بالحجاب، منذ أول شيخ للجامع الأزهرــ فى القرن السابع عشر محمد الخرشى (1679ــ1690)، ومرورا بالشيوخ: المراغى، والظواهرى، والتاج، وشلتوت، والفحام (1969ــ1973)، وقد مثلوا المذاهب الأربعة، ولم نر أحدا من نسائهم ترتدين الحجاب، والدكتور الباز كان والده أحد علماء الأزهر فنشأ فى هذه المفاهيم.

لقد ظهر «الحجاب» مع جماعة الإخوان (1928)، ليفرقوا بين الشعب الواحد بالمظهر ثم بالفكر، ولم يكن يتبعهم آنذاك سوى غير المتعلمين، وانتشر الحجاب بقوة بعد هزيمة 67، فادعوا أن الهزيمة سببها البُعد عن الدين، وكالعادة، تحليلاتهم غبية، لأننا إذا اعتمدنا هذا المنطق فمعناه أن الإسرائيليين كانوا أكثر قُربا لله من المصريين، ولهذا جاءهم النصر المبين! بينما الواقع أن الهزيمة حلت بنا لأننا ابتعدنا عن نظام الحكم الرشيد، أُلغيت المؤسسات، وغُيبت الحريات، وساد حكم الفرد، فكانت الهزيمة نتاجا طبيعيا، فضلا عن أن الادعاء بأن الحجاب فرض هو مغالطة صارخة، لأن الفروض خمسة يمكن أن يسقط بعضها، فى الصيام مع عدم القدرة الصحية، وفى الحج مع عدم القدرة المالية.

ونختم هذا الجزء بقولنا لمشايخنا الأفاضل أن الحفاظ على الشريعة هو فى استجابتها للواقع، وفى تجديدها وليس فى جمودها، فالتجديد فيه حياة، بينما الجمود فيه موات، وأن هناك فارقا كبيرا بين العقيدة والشريعة، فالأولى ثابتة وهى التوحيد بالله، أما الشريعة فهى متغيرة لأنها مبنية على آراء الفقهاء تبعا للزمان والمكان.
والله أعلم.

أكرم السيسى أستاذ متفرغ بكلية اللغات والترجمة (قسم اللغة الفرنسية)– جامعة الأزهر
التعليقات