بورتريه مترع بالدم والنرجسية للزعيم مودي - العالم يفكر - بوابة الشروق
الجمعة 19 أبريل 2024 1:28 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

بورتريه مترع بالدم والنرجسية للزعيم مودي

نشر فى : الثلاثاء 9 يناير 2024 - 7:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 9 يناير 2024 - 7:58 م

نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتب منصور مبارك، تناول فيه الجرائم العنصرية لرئيس وزراء الهند، ناريندرا مودى، مثل مذبحة «جوجارات» والاعتقالات لمنتقدى سياساته. كذلك، أشار الكاتب إلى أدوات مودى لإظهار نفسه الزعيم الروحى للهند؛ منها استخدامه لتقنية «الهولوجرام» فى معركته الانتخابية ليظهر نفسه وكأنه خليفة للآلهة الهندوسية... نعرض من المقال ما يلى.
لم يكن أحد يتوقع أن اغتيال سمكرى هندى يدعى «براديب نيجار سينج» فى ولاية بريتش كولومبيا الكندية فى 18 يونيو 2023، سيصنع جلبة كونية هائلة، ويدفع بالسلطات الكندية، بما تحصلت عليه من قرائن يقينية، إلى اتهام الحكومة الهندية بتدبير هذه الجريمة وتنفيذها، لتبدأ فى أعقابها الإجراءات العقابية والمناوشات الإعلامية بين الهند من جهة، وكندا من جهة أخرى، والتى أرخت بظلالها على قمة الأقطاب العشرين التى استضافت الهند دورتها الأخيرة فى سبتمبر من العام 2023.
وقتذاك رأى كثيرون أن تصفية المعارضين لسياسات رئيس الحكومة الهندية «ناريندرا مودى»، على انتماءاتهم المتباينة، و«سينج» كان من أبرزهم تمثيلا لطائفة السيخ الكبيرة فى كندا، يشكل نزوعا عميقا إلى التعصب القومى بأشد صنوفه ابتذالا، والذى ما انفك «مودى» وحزبه «باهاراتا جاناتا» عن ممارسته منذ تسنم السلطة.
غير أن ذلك لم يكن الاتهام الأول للحكومة الهندية باقتراف الجرائم، فقد سبقته زوبعة عالمية أثارها بث هيئة الإذاعة البريطانية برنامجا وثائقيا من حلقتيْن بعنوان «الهند: مسألة مودى»، يتقصى ويبحث بشكل دقيق ومنهجى عن الأدلة والبراهين التى تثبت مسئولية رئيس الوزراء «ناريندرا مودى» عن التطهير العرقى للمسلمين فى ولاية «جوجارات» الهندية فى العام 2002، وكان حينها وزيرا للإقليم، وما أعقبه من اعتقال عدد كبير من المثقفين والصحفيين الهنود فى ما وصف بالحملة القومية لإخراس منتقدى الزعيم «مودى».
• • •
مذبحة «جوجارات» دماؤها ملتصقة بيدى «مودى» وباقية عليهما كالدم الذى أطار بعقل الليدى ماكبث. إذ بعد العودة من الاحتفال بالذكرى العاشرة لتدمير مسجد باربرى، الذى تذهب الرواية الهندوسية إلى القول إنه معبد هندوسى مقدس يسمى «أيوديا» دمره المسلمون المغول فى أثناء فتحهم للهند، توقف قطار يقل حجاجا هندوسيين متطرفين فى بلدة تقطنها أغلبية مسلمة، لتأتى عليه النيران، ما تسبب فى مصرعهم جميعا. وقبل أن تخمد نيران الحريق تماما، وجه «مودى» أصابع الاتهام إلى المسلمين، وأصدر أوامره بنقْل جثث الضحايا إلى عاصمة الولاية، وبترتيب تحريضى طلب أن تسجى بشكل استعراضى فى الساحة العامة للمدينة.
آتت هذه المشهدية المصبوغة بالدم والثأر أكلها، باجترارها أبشع الغرائز والنزعات. وكى تستوفى الإبادة الجماعية أركانها، أصدر «مودى» أوامره لقوات الأمن بالبقاء على الحياد لمدة ثلاثة أيام، مطلقا أيدى الغوغاء والأشقياء من الهندوس ليستبيحوا دماء المسلمين، ويحيلوا «جوجارات» إلى مسلخ بشرى كبير.
لاحقا أفادت التقارير الفنية لحادثة القطار بأن النيران كان سببها عطل ميكانيكى لحق به.
وهذا المخطط الانتقامى استنسخه «مودى» فى الشطر المسلم من ولاية كشمير، التى شهدت عقابا جماعيا وحصارا خانقا، وعزلا عن العالم الخارجى بحجْب وسائل الاتصال فيها، مصحوبا بإطلاق العنان لقوات الجيش التى تربو على المائة ألف، لتتحرر أفعالهم من أية كوابح إنسانية. وتحت ذرائع التراص والتلاحم القومى، هبت موجات متوالية من الاعتقالات لمنتقدى سياسات «مودى»، فاعتقل لفيف من الساسة والمثقفين والطلبة والصحفيين الاستقصائيين، وجرى نبْش أضابير بعضهم الأمنية، فمثلا وجهت للروائية الهندية «أرونداتى روى» تهمة إثارة الفتنة بذريعة مشاركتها فى مؤتمر قبل عقد من الزمن.
تسبب ذلك كله فى منْع «مودى» من السفر إلى الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أوروبية، وهو منْع استمر لعقد من الزمن قبل أن يرفع بعد إصدار فريق تحقيقات انتدبته المحكمة العليا للنظر فى أحداث «جوجارات»، توصية بتبْرئة ساحة «ناريندرا مودى».
ورئيس الوزراء الهندى الرابع عشر «ناريندرا مودى» الممثل لحزب بهاراتا جاناتا الكاره للتعددية فى بلد ينطق بأكثر من مائة واثنيْن وعشرين لسانا، مولود فى العام 1950 ويتحدر من ولاية «جوجارات»، مهووس بتصدير شخصية تتعالى على الإنسانى المكشوف على الألم والخذلان والهزيمة والمحايث، فى الوقت عينه، لبطل ملحمة هندوسية وسيد لأقدارها. وهذا مكمن القوة فى سياسة «مودى»؛ تلك المزاوجة البارعة بين المخيال الهندوسى والكفاءة التكنولوجية الباهرة، فهو ليس زعيما يمينيا متطرفا فحسب، بل على طموح متماد لأن يكون زعيما هندوسيا يخلده التاريخ.
ويصح أن تستعاد هنا بضع وقائع للتدليل على ذلك، فهو أول رئيس وزراء فى العالم يظهر فى برنامج ذائع الصيت من طراز «تلفزيون الواقع»، إذ انتقى «مودى» برنامجا عن الحياة الشاقة فى خضم طبيعة قاسية، فنراه يقطع النهر على زورق بدائى مؤكدا على أن حياته البسيطة كانت تسير على هذا النحو، فهو كان وحيدا يقارع مشاق الطبيعة وصعابها. وما سبق ضربة فرشاة زاهية اللون فى لوحة، يحرص «مودى» على أن يرسمها لنفسه مضخما تفصيلات ضئيلة تشدد على انتمائه لطبقة دنيا، فهو ابن بائع شاى معدم تمكن بعصامية لا نظير لها من ارتقاء طبقات سياسية واجتماعية، منازلا النخبة كآل غاندى فى عقر دارهم السياسية، منتزعا محبة جماهير محرومة يبيت أغلبها كل ليلة على الطوى. «مودى» عليم بأمزجة أبناء وطنه البسطاء، الذين تشكل وعيهم السياسى من رافديْن أساسييْن هما: الملاحم الهندوسية وأيقونة البطل البوليوودى؛ فكلاهما يصدر أنموذجا لملْهم ينبجس من العامة، وتوكل إليه الأقدار ومسيرة التاريخ مهمة إعادة الحياة إلى سراطها القويم بعدما ألوى بها الأشرار. وتذهب «السردية الرسمية» لـ «مودى» إلى أنه هجر منزل والديْه قبيل زواجه بقليل، فى تماهٍ مع سيرة المستنيرين كبوذا وغيره، وقطع مثلهم رحلة طويلة من مشارق الهند إلى مغاربها، منفقا أمدا طويلا فى مخالطة رجال الدين الهندوس الأتقياء والزهاد، ليمضى أبعد من ذلك بمعاشرة طائفة «السادو»، وهم رجال دين هندوسيون ينبذون الحياة الدنيا ويسيرون على هدى فلسفة تزدرى الجسد ورغائبه، ليحط رحاله فى «كاندرياث»، وهى أحد أعمدة النور الاثنى عشر المقدسة للهندوسية، متنسكا ومتوحدا.
• • •
و«مودى» فى هندسته لنظام سياسى تسير فيه القومية والعنصرية يدا بيد، يعلم جيدا أهمية صناعة الشخصية، لذلك أحاط نفسه بأبرز شركات الاتصال فى العالم، وقام باستئجار شركة علاقات عامة أمريكية من أجل تنظيف سمعته خارجيا. «مودى» انتبه إلى أهمية بناء علاقات مباشرة مع الناس، وهو أول شخص فى العالم يستعين بتقنية الهولوجرام التى استوردها من إنجلترا بتكلفة فلكية، ليوظفها فى حملته الانتخابية. ففى مجتمع غارق فى الأمية والجهل والتخلف، كانت فكرة الوصول إلى الناس كطيف سماوى، ومخاطبتهم، والتلويح لهم، أمرا جعله قريبا منهم ومتعاليا عليهم، كما لو كان من أنصاف الآلهة. ولا ريب فى أن الدعم المالى الذى حظى به «مودى» من حيتان المال فى الهند، جعله يدير أكبر معركة انتخابية على مستوى الدعاية ووسائل التواصل الاجتماعى، حيث انتشرتْ أقنعة لوجه «مودى»، فأصبحت الجماهير كأنها «مودى»، وظهرتْ أفلام كارتونية تصوره على هيئة سوبرمان يسحق الفساد وينشر العدل. كان «مودى» يلعب على المشاعر والصور، فتكرار الدعاية المفرطة، وتبيان مزايا «مودى» بالانضباط والصبر، جعلاه أشبه ما يكون بواحد من خلائف الآلهة الهندوسية.
صورة الزعيم الروحى حاول «مودى» نقلها إلى الفضاء العالمى من خلال حدث كبير، هو «يوم اليوجا العالمى» والذى يحتفى به كل عام، فعلى الرغم من التكاليف الباهظة لعملية تعميم هذا الاحتفاء بنقله إلى سائر أرجاء العالم، حرص «مودى» فى مشهدية ضخمة على قيادة مئات الألوف فى الهند على أداء اليوجا، وبمشاركة الآلاف فى الحواضر العالمية الكبرى، بخاصة فى الغرب، حيث تحتل اليوجا مكانة كبيرة. هذا الحدث جعل «مودى» زعيما روحيا عالميا.
و«مودى» الذى انتهك جوهر اليوجا، بوصفها تجربة فردية للتأمل والانعتاق من ربقة العالم والآخرين، وصرفه مبالغ طائلة على الحدث العالمى الذى تحول إلى دعاية رخيصة ممجوجة، إنما كان متسقا مع نفسه كقومى طامح للشهرة، ولا غرابة فى ذلك، فهو الزعيم.

النص الأصلي

التعليقات