«مذكرات توماس راسل».. شاهد على الجريمة! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأربعاء 3 يونيو 2020 1:36 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

«مذكرات توماس راسل».. شاهد على الجريمة!

نشر فى : الخميس 9 أبريل 2020 - 11:35 م | آخر تحديث : الخميس 9 أبريل 2020 - 11:35 م

لعل هذا الكتاب من أمتع إصدارات 2020، وأكثرها ندرة وتفردا، أتحدث عن «مذكرات توماس راسل» التى ترجمها مصطفى عبيد، وصدرت عن دار الرواق للنشر، أما صاحب المذكرات التى صدرت لأول مرة بالإنجليزية فى لندن عام 1949، فهو من أشهر الإنجليز الذين عملوا بوزارة الداخلية المصرية، التحق بالخدمة فيها عام 1902، ولم يتركها إلا عام 1946، أى أنه كان شاهدا على أحوال الأمن والجريمة فى بلدنا المحروسة لمدة 44 عاما، تولى فى أثنائها مناصب كثيرة، من نائب مفتش ومفتش، إلى منصب حكمدار القاهرة الذى أسند إليه فى مارس 1918، أى قبل سنة واحدة من اندلاع ثورة 1919، التى شهد وقائعها، وسجل بعضها فى كتابه.
توماس ظاهرة ولا شك، وسرده الشيق الملىء بالتفاصيل، وحكاياته فى مجال الأمن العام، والسياسى، وفى جرائم المخدرات، وهو الذى أسس مكتب مكافحة المخدرات المصرى، كلها أمور تشهد على ذكائه واحترافه، مع الاحتراس بافتراض وجود هامش من المبالغة، وتفخيم الذات بالطبع، ولكن رجلا عاصر 32 حكومة مصرية متعاقبة، وتلقى الأوامر من 29 وزيرا مصريا للداخلية، واحتفظ، كما يقول، بصداقة جميع السياسيين، بمن فيهم أولئك الذين ألقى القبض عليهم، وهم خارج السلطة، رجل لديه كل هذا التاريخ العجيب، يستحق أن يترجم، وأن نقرأ له.
ما يجعل المذكرات شديدة الأهمية، أن راسل لا يحكى فحسب عن علاقته مع رؤساء الوزراء؛ مثل صدقى والنحاس، ومحمد محمود، ومع الأمراء، ومع اللورد اللنبى شخصيا، بل ومع العمد ومشايخ البلد، ولكنه يقدم لنا أيضا تاريخ الناس العاديين، يصف الأماكن والمديريات، ويتحدث عن تجار المخدرات والقوادين والعاهرات، يتحدث بالتفصيل عن الهجانة وحملاتهم، ويتذكر مغامراته مع الصيادين، وقصاصى الأثر من البشارية.
كأن البلد بأكملها وضعت خلف جهاز أشعة عملاق، يظهر فيه الفلاح العليل والماكر، الرجل المريض بالبلهارسيا والملاريا، والمنتقم الذى لا يترك ثأره أبدا، تظهر الإسكندرية «الكوزموبوليتانية» التى يتمتع فيها الأجانب بالامتيازات، مثلما تبدو القاهرة كمجتمع شديد التعقيد، يتزاحم على صفحات الكتاب المرتشون والخونة واللصوص وقتلة السياسيين، الأوغاد والثوار وتجار الصنف، عاهرات الوسعة من المصريات البائسات، والعاهرات الأجنبيات فى وش البركة.
ينتمى راسل إلى عائلة أرستقراطية إنجليزية، شقيق جده اللورد جون راسل كان رئيسا لوزراء بريطانيا، وبينما حلم توماس راسل بأن يخدم فى الهند مثلا، شاءت الظروف أن يعرض عليه ابن عمه، وكان مستشارا لوزارة الداخلية المصرية، أن يعمل معه فى بلدنا، ومن يومها أحب عمله ونجح فيه.
ورغم أن راسل يحاول أن يبعد نفسه عن السياسة، مقدما نفسه باعتباره شرطيا محترفا فحسب، فإنه ينحاز بالطبع إلى فكرة تصوير الاحتلال الصريح كمحاولة لتدريب المصريين على الحكم الذاتى، وضبط الأمور الحكومية والمالية، ويصف ثورة 1919 بأنها فوضى واضطرابات، رغم تسليمه بغباء قرار نفى سعد زغلول، الذى أشعل الثورة، ورغم اعترافه بأن ما شاهده كان من أسوأ أيامه فى مصر.
لقد اقشعر بدنى، وأنا أقرأ وصفه المذهل لانفجار الشباب وطلاب المدارس والأزهر، وزئيرهم المفزع فى الشوارع، ولكننى أخذت باحتراز شديد تأكيده بأن الجنود الإنجليز لم يطلقوا الرصاص أبدا على المتظاهرين.
هذا الرجل أحب مصر مكانا وبشرا، وتحقق فيها وظيفيا وعمليا، يقول إن كرم مصر ولطفها لم يخذلانه أبدا، وإنه حاول رد الجميل بحماية أهلها من تجارة الهيروين بالذات، ونجح فى معرفة مصادر جلب هذا المخدر القاتل، بل ووضع عملاء للبوليس المصرى، وسط عصابات التهريب، فى تركيا والدول الأوروبية، ويحكى قصصا مثيرة لعمليات محددة فى هذا المجال، ولكنه يمر بشكل عابر عن قضايا أخطر مثل كشف قتلة السير لى ستاك، سردار الجيش البريطانى فى السودان، وهى من أخطر قضايا الإغتيال السياسى التى وقعت فى مصر، ارتكبها 9 من المتهمين، حكم على سبعة منهم بالإعدام، واستمرت فيها التحقيقات لستة أشهر متواصلة، ويبدو أن راسل أراد المحافظة على سرية القضية حتى النهاية!.
لا غنى لمؤرخى النصف الأول من القرن العشرين عن قراءة هذه المذكرات المهمة والخطيرة، إنها مصر الأخرى التى لا نعرفها بعيون أجنبى خدم فيها، وعرف لغتها ولهجتها، ونقل صورة أغنيائها وفقرائها، هذه صفحة من تاريخنا تستحق ترجمتها الكاملة كل الحفاوة والتنويه والتقدير.

التعليقات