العلم والإيمان - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الجمعة 17 سبتمبر 2021 2:53 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد محاسبة الطبيب المتهم في واقعة فيديو «السجود للكلب»؟

العلم والإيمان

نشر فى : الجمعة 9 يوليه 2021 - 7:20 م | آخر تحديث : الجمعة 9 يوليه 2021 - 7:20 م

منذ أكثر من ثلاثة عقود ظهرت فى مصر حركة تحاول إثبات صحة الكتب المقدسة بالعلم والمخترعات الحديثة والعكس صحيح، أى إثبات صحة العلم من خلال تفسير نصوص الكتب المقدسة، لكن مع التطور اليومى الذى حدث ويحدث فى العلوم بالقفزات المتسارعة لها، لم يعد الأمر بهذه البساطة، خاصة أن وسائل الإعلام توضح الفارق بين الاثنين، فالعلم علم والدين دين، فالعلم من صُنع الإنسان والدين من عند الله، وقد حَسمت أوروبا هذا الأمر منذ أكثر من مائتى عام بعصر دُعى عصر التنوير، لكن بالطبع ما زال الشرق يحاول اللحاق به. فبلا شك أن عصر التنوير، وهو حركة فكرية فلسفية هيمنت على عالم الأفكار فى القارة الأوروبية خلال القرن الثامن عشر وانبثق عنها حركة «النهضة الإنسانية»، جاءت كلحظة مفصلية فى تاريخ الفكر الإنسانى، ذلك لأنها ولأول مرة فى التاريخ جعلت من الإنسان مركزًا للعالم. وهكذا نُظر إلى العقل البشرى باعتباره مِلكية خاصة للإنسان وذلك لأنه لا يوجد أى كائن حى يملك عقلا نظيرا أو شبه العقل الإنسانى، بل إن العقل الإنسانى هو أداة حركة الفكر وباعث على الفعل والحركة، بل إنه هو جوهر التاريخ ومحركه الذى يَمُدنا بالمعرفة وإدراك المعانى الكلية للإنسان والأشياء. وقد حُدد هدف التنوير على أنه: «إلقاء الأحجار فى البرك الآسنة لتحريكها«، بمعنى تحريك الفكر والعقل وتخليصه من الأوهام والأساطير، وأيضًا التخلص من أى سلطة معرفية مهما كانت تعمل على كبح لجام العقل النقدى ومحاصرته وجعله عاجزًا عن تحفيز الفكر وإثارة الأسئلة.
ومفهوم التنوير هنا هو انبعاث الروح النقدية التحررية التى تخطت العصور الوسطى واستخدام العقل لمناهضة التفكير الأسطورى، فالعقل البشرى هو ميزان المعرفة عند الإنسان، وهو المصدر الوحيد لفرز المعارف التى يتصدى لها فكريًا وعاطفيًا وتقييمها بطريقة صحيحة.
•••
بعد هذه المقدمة الطويلة – عزيزى القارئ – نأتى إلى أرض الواقع. فحينما تواجه البشرية لُغزًا من ألغاز الطبيعة، فإن العلماء يتجندون فى محاورات علمية متنافسة وبحزم كبير لفك شفرته، وقد ينتمى إلى هذه المحاورات الباحثة عن المخرج والحلول جنسيات من الأفراد متعددة ومتنوعة، وبألوان وانتماءات عقائدية وأيديولوجية وفلسفية مختلفة، لكن يجمعهم جميعًا دافع مشترك واحد هو اقتحام الطبيعة وجعلها تبوح بأسرارها، وهذا يدل على كونية العلم وعالميته. والميزان الذى يحكمنا هنا هو العقل حيث يَخضع له الجميع، و«العقل هو أعدل قسمة بين البشر» كما أعلن ديكارت ذلك منذ القرن السابع عشر. إن العِلم استطاع أن يُلزم نَفسَه بأحكام، ويؤطر ذاته بمقاييس دقيقة ومعايير منضبطة لا تسمح لأى فكرة أن تقتحم عالمه بسهوله، فليس أى كلام يُحسب على العلم، لمحاولة الربط بين العلم والإيمان من ناحية وبين الكتب المقدسة من الناحية الأخرى... إلخ. فليست أى نظرية تُلقب بأنها علمية، فخاتم العلمية لا يُعطى إلا بشروط. إن العلم باختصار قد وضع لنفسه محطات مراقبة تمنع تسلل الأفكار غير العلمية بطريقة غير مشروعة، فما هى إذن مقاييس ومعايير العلمية؟! وكيف يمكن رسم الحدود الفاصلة بين حقل العلم وحقل اللاعلم؟ هل من مصفاة نَفرز من خلالها ما هو علمى وما هو ليس علميًا؟
بالعودة إلى العالم الفيلسوف كارل بوبر فى محاولته تحديد ما هو علمى وما هو غير علمى، يقول ويؤكد على أن الفكرة تكون علمية إذا تمت صياغتها بطريقة تضم مؤشرات واضحة: (مكان، أرقام، معطيات ملموسة، تجارب... إلخ) ورغم صياغة الفكرة العلمية بكل هذه الدقة إلا أنها فى ذات الوقت تسمح للمستمع والقارئ والمهتم بالفكرة أن يدحضها ويفندها إيجابًا أو سلبًا، وهكذا يمكن تلخيص هذه الفكرة الجبارة بتأكيد أن العلم يمكن أن يُكّذب (بضم الياء) واللاعلم لا يُكَّذب، والسؤال هو لماذا؟ وكيف؟! لكى نفهم ونستوعب وندرك شرط القابلية للتكذيب باعتباره الحد الفاصل بين العلمى واللاعلمى نقدم الأمثلة التالية.
•••
المثال الأول: إذا سمعت – عزيزى القارئ ــ عَرافًا أو مُنجمًا يتحدث عن أن مستقبلك سيكون زاهرًا وأن أحوالك المادية ستتحسن، وأنك ستتزوج وتلد أبناء... إلخ، وفى ذات الوقت سمعت عالم أرصاد جويا يقول: غدًا ستهطل الأمطار فى شمال البلاد بغزارة، وستستمر إلى حدود صباح اليوم التالى.
هنا سوف نقول إن كلام العراف ليس علميًا، لكن لا تستطيع أن تُكذبه، والسبب أن كلامه فضفاض فهو يعنى كل شىء وفى نفس الوقت لا يعنى شيئًا، وذلك لأنه لا ميزان لديك تزن به كلامه أو آلة تعرفك صحته من عدمه، أو حتى تأكيد حقيقى لما يقوله، بينما كلام عالم الأرصاد الجوية دقيق لأن فيه مؤشرات تمكنك من التكذيب ومعاودة النظر فيه والمراجعة والنقاش حوله. وبالرجوع إلى العراف هو لا يمكنه أن يقول لى بوضوح ودقة: متى وكيف سيكون هذا المستقبل الذى يتحدث عنه؟! ومتى سأحصل على الأموال؟ ومن طرف من؟ ومن هى زوجتى المستقبلية؟!... إلخ. فهنا غياب الدقة يجعل كلام العراف كلامًا خارجًا وبعيدًا عن حظيرة العلم وقواعده.
أما المثال الثانى لنفترض أن عرافًا أو رجل دين يقول لك أن هناك جنيا (عفريتا) فى البيت، بالطبع لا يستطيع أحد هنا أن يُكَّذب هذا الكلام، وبما أنه لا يستطيع تكذيبه أو الحكم له أو عليه بالمستندات فهو يُعد غير علمى، وذلك لأن المقاييس العلمية لا تنطبق عليه، لكن يمكن أن يَدخل فى إطار الإيمان بالطبع. وهنا يمكن للإنسان أن يعتقد فى ذلك وبكل حرية ولا أحد يلومه أو يناقشه، لكن فى نفس الوقت لا أستطيع أن أسمى كلامى أو اعتقادى بوجود الجن علمًا بالمقاييس المتفق عليها عند العلماء، فهل يعنى هذا أنه كلام فارغ؟ الجواب بالطبع لا، لكن كل ما هنالك أنه قول لا يدخل فى إطار اهتمام العلم والعلماء، لأن مؤشراته لا تسمح بتكذيبه، وبالطبع هذا يدخل فى إطار الإيمان والتصديق بلا مناقشه.
أما المثال الثالث، إذا ما قال أحد الناس إن التسونامى (زلزال يحدث فى قلب المحيط) غضب إلهى فمن سيكذبه؟! لا أحد يقدر على ذلك، وليس له الحق فى ذلك، وتكذيبه لا يندرج تحت العلم أو المنطق، لكن هذا التعبير يدخل تحت الإيمان، لكن إذا جاء عالم يصور بالأقمار الصناعية لما قبل تسونامى وما بعده لإثبات إنه «زلزال» وقع فى عرض البحر، فهو بذلك يعطى مؤشرات تسمح بالمراقبة والتكذيب إيجابًا أو سلبًا، وإذا جاء عالم آخر يُثبت خطأ معطيات العَالِم الأول فإن العَالِم الأول سوف يعترف بخطئه، وبكل صدر رحب، ويتجه نحو معاودة النظر، وهنا تحدث حوارات علمية أعمق وأقدر على فهم الظواهر المحيطة.
•••
إذن نخلص إلى أن العلم يُناقش ويؤخذ منه، ويُرد عليه، وأن النظريات العلمية نسبية، قد تكون مجدية للتفسير فى حقبة معينة ما دام أن لها ما يؤيدها، لكن دائمًا هى مُهددة بالسقوط فى كل لحظة، ما دام هناك ما ومن يكذبها.
إن العَالِم الحق لا يحتضن نظريته أبدًا، بل يَطلب بكل صدر رحب من يجد مكذبات تُحرج ادعاءه، سيكون مستعدًا للتنازل عن نظريته فى كل لحظة. فالعَالِم يبحث ويُعطى كل المؤشرات اللازمة وبوضوح كامل وأيضًا يسمح بدحض موقفه، وبهذا تتطور النظريات العلمية ويتطور الإنسان يومًا بعد يوم.
أما الإيمانيات فلا علاقة لها بالنظريات العلمية، إما أن نؤمن بالكلام الموحى به، ونطبقه فى حياتنا العملية وأخلاقياتنا أو نرفضه، لكن أن نبحث بالطرق العلمية عن إثبات لإيماننا فمن قال إن هذه الطرق العلمية التى تُثبت إيماننا لن تدحضها نظرية جديدة؟! وهنا تصوب السهام لإيماننا، لذلك علينا أن نُفَّرق بين ما نؤمن به كوحى إلهى وبين النظريات العلمية القابلة للقبول والرفض والمراجعة.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات