عن حلفاء النظام المهذبين - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الخميس 20 فبراير 2020 5:30 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


عن حلفاء النظام المهذبين

نشر فى : الأحد 12 أكتوبر 2014 - 7:45 ص | آخر تحديث : الأحد 12 أكتوبر 2014 - 7:45 ص

واحدة من أهم الأساطير المتداولة عن «ثوار يناير» أنهم غير مهذبين، تم تداول هذه الأسطورة بشدة بعد أشهر قليلة من تنحية مبارك، وأصبح من السائد أن تجد من يريد النيل من الثورة باتهامها بأنها سبب تدهور أخلاق المجتمع، وكأن المجتمع قبلها كان مهذبا! ثم بدأت سردية جديدة بعد عام تقريبا تتحدث أننا لم نكن نحتاج إلى ثورة على الأنظمة ولكننا نحتاج ثورة على «أخلاقنا» فالناس يجب أن تثور على أنفسها أولا قبل أن تثور على الأنظمة.. هذا قطعا قبل أن تبنى سرديات جديدة عن أن يناير «مؤامرة» و«عمالة» للخارج، وقبل أن تنتشر الأسطورة الأحدث بعد ٣٠ يونيو، وهى أسطورة الطابور الخامس والخلايا النائمة وحروب الأجيال الرابعة والخامسة والسادسة أيضا!

حينما كان علاء عبدالفتاح فى السجن وتحديدا بعد أن حصل على حكم بالحبس خمسة عشر عاما، قال أحد الناس ممن يربطنى بهم زمالة أن علاء غير مهذب وأن السجن «تربية له ولأمثاله»، ووجدت أن هذا الكلام أصبح يتردد بشدة، وكأن علاء كان يحاكم بتهمة عدم الأدب لا بتهمة التظاهر والاعتداء على ضابط.. إلخ، هل حقا مشكلة النظام مع علاء وغيره من ثوار يناير هى مشكلة «أخلاق» و«أدب» و«تربية»؟

•••

حينما توقف البرنامج الساخر لباسم يوسف، فإن كثيرين (منهم حلفاء للنظام من شخصيات عامة وقادة رأى عام) عبروا عن راحتهم لأن البرنامج «غير مهذب»، وأن باسم يميل دوما إلى الإيحاءات الجنسية غير المناسبة لعادتنا وتقاليدنا.. باختصار هو برنامج غير مناسب لـ«مصر الجديدة» مصر الحضارة والأهرامات والإنتاج والعمل وقطعا الأدب والأخلاق والتربية!. غاب باسم ثم عاد إلى الأضواء مؤخرا بعد أن نقل أحد الإعلامين أنه (أى باسم) سب الرئيس فى نيويورك، ثم اتضحت الصورة لاحقا بأن باسم لم يسب الرئيس، ولكنه سب «صفة معينة» فى بعض مؤيدى الرئيس، فعاد الحديث مرة أخرى عن الأدب والأخلاق.

لكن هل معنى هذا أن مصر أيام مبارك كانت «مهذبة»؟ هل معنى هذا أن مصر أيام السيسى قد عاد إليها «الأدب» و«الأخلاق» أو على الأقل يسعى الرئيس ورفاقه وحلفلؤه إلى نشر القيم الأخلاقية وتأديب «قللات الرباية»؟

تعال معى إذن لنختبر هذه الفرضية بكل أدب!

أولا: هناك مذيع شهير يزعم دوما أنه قريب من النظام.. عفوا هو لا يزعم، هو بالفعل فى الصفوف الأمامية لأى اجتماع مع الرئيس (الرئيس الحالى قطعا)، مشهور عنه بداية البرنامج بكل ذوق وأخلاق ووطنية وعزوبة لسان، ثم ما أن يذكر أحد أمامه ثورة يناير أو ثوار يناير أو حينما يريد التعليق على معارض للنظام ولو حتى زميل مهنة فإنه ببساطة يسب ويلعن يحرض و«يفسق» فى فجره.. هل نعتبر هذا أدبا أم «قلة أدب»؟

ثانيا: هناك مذيع آخر متعدد المواهب، فهو مقدم برنامج ومحلل وباحث ومتعاون مع الأمن (بلسانه هو) وله الحرية فى ذلك، لكن هذا العبقرى حرفته الرئيسية كانت (وما زالت) فى التجسس على مكالمات الناس وحياتهم الشخصية.. يصطاد منها ما شاء للتدليل على عمالتهم وشطحاتهم العاطفية والجنسية أيضا.. عفوا هو لم يكن ينقل ما سمعه، لكنه كان يذيع على الهواء هذه المكالمات بـ«شحمها ولحمها» فى تجسس رخيص على حياة الناس، فهل هذا العبقرى مهذبا أم غير مهذب؟

ثالثا: هناك كاتب آخر ذاع صيته مؤخرا يكتب مقالات دورية فى واحدة من إحدى كبريات الصحف يتباهى بأنه «فاشٍ» فى كل مقالة لا يتوقف فقط عند سب الثورة ووصفها بالمؤامرة (فى تجريح وتعدٍ واضح على الدستور)، ولكنه يسب كل المخالفين والمعترضين على مسار ٣ يوليو، سبابا صريحا لا لبس فيه يطول الأب والأم والزوجة، مطعما ببعض الإشارات الجنسية الصريحة للتشكيك فى «رجولة» المعارضين، فهل هذا النوع من الكتابة يدخل ضمن حسابات «التربية والأدب» أم يعبر عن افتقادها؟

رابعا: هناك ممثل شاب ذو شهرة ما، يتفاخر بنسبه وعائلته المؤيدة والمدافعة عن الرئيس الأسبق مبارك، وهو نفسه من كبار المدافعين عن المسار الحالى.. هذا من حقه فليفخر بمن يشاء، ويدافع عما يراه صحيحا، لكنه مؤخرا خرج عن سياق «الأدب» و«التهذيب»، وهدد أحد المعارضين الشباب بأنه «هيجيب أمه من بيتهم وهيعلقه»، فهل هذا التهديد الذى لا يطول فقط المعارض ولكنه يطول «أمه» أيضا من الأدب الذى يبشرنا به حلفاء النظام الحالى؟

خامسا: هناك رئيس ناد ومحامٍ شهير وشخصية عامة لا يتوقف أبدا عن سب وتجريح المعارضين له سواء فى السياق الكروى أو السياسى، هو كذلك منذ أيام مبارك، وما زال مستمرا فى أيام السيسى على نفس النهج لا تغيير، بل ربما بزيادة جرعة السب والإهانة لكل من لا يروق له باستخدام أقذع الألفاظ التى تتسابق الصحف ووسائل الإعلام على تناقلها لتحقيق السبق، تعرض مؤخرا لمحاولة اغتيال فخرج يلوم الرئيس عن عدم السؤال والاطمئنان عليه، ثم فوجئنا جميعا بأنه يصرح بعدها بـ٢٤ ساعة بأن السيسى قد قام بالاتصال به والاطمئنان عليه.. انتظرت أن تنفى الرئاسة هذا الاتصال، فلم تنفِ.. إذن فالاتصال صحيح.. فهل هذا الاتصال والاطمئنان تشجيع على «الأدب»؟

•••

هناك قطعا عشرات الأمثلة الأخرى التى لا تتسع لها هذه المساحة المحدودة وكلها تقودنا إلى ثلاث نتائج مؤكدة:

الأولى: أن السباب والتطاول وعدم الأدب ليس من صنع ثوار يناير غير المهذبين، صحيح أنهم ليسوا ملائكة، وصحيح أننى أنتقد دوما بعض ما يفعلونه أو يكتبونه وأحسبهم لا يحسنون قولا، لكن هذا فى كل الأحوال ليس قاصرا عليهم، بالعكس، هم يدفعون ثمنا غاليا لأى هفوة، بينما غيرهم يتمتعون بـ«حماية غير محدودة!».

الثانية: أن «قلة الرباية» ليست ظاهرة مقصودة على ثورة يناير والأخيرة ليست سببا لها فى كل الأحوال، ولكنها ظاهرة منتشرة نتاج لعوامل معقدة تطورت على مر السنين، وبعض رموز نظام مبارك من كتاب وساسة لطالما تورطوا فيها وأشاعوها بلا رقيب أو حسيب!

الثالثة: أن النظام الحالى لا يضيره الأدب من عدمه فى شىء، بل إنه مسئول بشكل أو بآخر عن «قلة الأدب» إما عبر السكوت عنها أو حتى عبر دعوة أصحابها ممن يفجرون ويفسقون فى القول والفعل لاجتماعات الرئيس أو لاتصاله المباشرة بهم. صحيح ليس السيسى بشتام ولا لعان بل إنه نسب إليه دعوته إلى «الإعلاميين» بعدم سب وتجريح الخصوم وهذا شىء جيد لا ريب، ولكن ما الموقف الذى اتخذه ضد هؤلاء؟ قد يقول البعض هذا شأن القضاء وليس شأن الرئيس، فنسأل ولماذا على أضعف الإيمان لا يمنع هؤلاء من اتصالاته واطمئنانه ودعواته لبعضهم بالاجتماع والنقاش وتبادل الآراء؟

•••

بكل تأكيد فرضية «النظام المهذب» الذى يحارب السوقية ويسعى إلى تربية «عديمى الأدب» هى فرضية غير واقعية وليس هناك ما يؤيدها على الإطلاق، والأهم من ذلك كله أن «فرضية الأدب» كإحدى ديناميات تفاعل النظام مع معارضيه هى فرضية ساقطة وتعبر عن أبوية ساذجة تمهد لديكتاتورية وشمولية فجة، الأدب والأخلاق لا تفرضهما السلطة ولا الرئيس ولا حلفاؤه، ولكن يفرضهما العدل، نظام قضائى مستقل ومحايد، وقواعد لعبة عادلة تطبق الدستور والقانون على المؤيد قبل المعارض، على طالبى القرب قبل الساعين إلى البعد.

لا يضيرك أن تكون ضد الإيحاءات الجنسية ولا الألفاظ المسيئة فهذا من حسن أخلاقك وتربيتك وخياراتك المحافظة فى الحياة لا ريب، لكن أن تذوب فى حب كل ما سبق طالما كان على هواك ثم تنفض لتذكر الناس بحسن الأخلاق طالما كان ذلك ضد هواك وضد تيارك.

أن تصف خصومك بـ«قلة الأدب» وعدم الوطنية، بينما تصف حلفاءك ممن يستخدمون حواسهم الخمس فى السب واللعن والإيحاءات (بل والتصريحات) الجنسية بالوطنية والأخلاق الحميدة فهذا خلل فى منظومتك القيمية لا ريب، وهو بالمناسبة خلل طال المجتمع والنظام وحلفاءه إلا من رحم ربى.

أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر