ارتفاع قيمة الجنيه.. فى مصلحتنا أم العكس؟! - عماد الدين حسين - بوابة الشروق
الأربعاء 13 نوفمبر 2019 11:18 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

ارتفاع قيمة الجنيه.. فى مصلحتنا أم العكس؟!

نشر فى : السبت 12 أكتوبر 2019 - 8:10 م | آخر تحديث : السبت 12 أكتوبر 2019 - 8:10 م

حينما تنهار عملة بلد معين، تنهار معها الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لكل مواطنيها، لكن حينما تقوى عملتها بأكثر مما ينبغى ــ فى ظروف معينة ــ فذلك لا يعنى أنه أمر جيد لاقتصاد هذا البلد خصوصا صادراته. ما سبق ليس اجتهادا شخصيا، لكنه أقرب ما يكون إلى القاعدة الاقتصادية. وبالتالى فالسؤال هو: هل استمرار انخفاض سعر الدولار الأمريكى ومعه سائر العملات الأجنبية أمام الجنيه المصرى، أمر جيد للمصريين أم لا؟!
نعلم جميعا أنه حينما تم تحرير الجنيه أمام الدولار فى ٣ نوفمبر ٢٠١٦، كان ذلك أمرا سيئا جدا لغالبية المواطنين، لكنه كان أمرا حتميا من أجل إصلاح الاقتصاد المصرى.
كان سعر الدولار يساوى نحو ثمانية جنيهات رسميا ــ بعيدا عن السوق السوداء ــ وبعد التعويم ظل الدولار يرتفع حتى وصل إلى أكثر من ١٨ جنيها، وبالتالى فإن ثروات ورواتب ومدخرات المصريين المقومة بالجنيه قد انخفضت بنفس القيمة التى زادت عن النصف بقليل.
نعلم جميعا أنه عقب التعويم الذى تزامن معه يومها رفع أسعار الوقود، فقد ارتفعت أسعار غالبية السلع والخدمات. لكن شيئا فشيئا صارت الأسعار بنفس قيمة تكلفتها، أو أقل قليلا. وبدأت المؤشرات الاقتصادية الكلية تتحسن خصوصا عجز الموازنة، بفضل إصلاح تشوه أسعار الوقود والخدمات.
نعود مرة أخرى إلى سؤال: هل من مصلحتنا كمصريين، أن يقوى الجنيه أمام الدولار، أم يضعف، أم يكون هناك سعر متوازن يتعلق بظروف متغيرة؟!
قبل الإجابة نذكر بأن الولايات المتحدة ودولا كثيرة خصوصا أوروبا تتعامل مع الصين تجاريا، تلح عليها طوال الوقت أن ترفع قيمة عملتها اليوان أو «الارامبى»، كان ذلك أمرا غريبا لدى البعض!
الإجابة ببساطة أنه كلما كان سعر العملة منخفضا كلما زادت قيمة صادراتها، والعكس صحيح. ونعلم جميعا أن الصين هى القوة الاقتصادية الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة. وميزانها التجارى يسجل فائضا مع الجميع خصوصا الولايات المتحدة وسلعها تنتشر فى كل الأسواق العالمية، وربما يفسر لنا ذلك جزءا من أسباب الحرب التجارية الطاحنة الناشبة بين البلدين منذ شهور.
حينما تم التعويم فإن الدولار فى الأسابيع التى تلت التعويم كاد سعره يلامس ١٩ جنيها، وهذه الأيام انخفض سعر الدولار طوال هذه الفترة ليصل الآن إلى نحو 16.23 جنيه.. فهل ذلك لمصلحة اقتصادنا أم لا؟!
مبدئيا فقيمة العملة وقوتها تتحدد بعوامل متعددة، أهمها الإنتاج والاستثمارات، والأهم حجم الصادرات. لو أن قيمة العملة ارتفعت إلى أكثر مما ينبغى، فإن ذلك سيؤدى إلى تراجع حجم صادراتك مقارنة بصادرات دولة أخرى منافسة تبيع نفس السلعة. تخيلوا مثلا أن مصر وتركيا تصدران نفس نوع البرتقال لروسيا، لكن ولأن قيمة الجنيه المصرى مرتفعة مقارنة بالليرة التركية المنخفضة، فإن المواطن الروسى سيشترى البرتقال التركى؛ لأنه أرخص، وهكذا فى سلع كثيرة.
والأهم أنه كلما ارتفعت قيمة عملتك أمام العملات الأجنبية، فإن سعر السلع المستوردة فى أسواقنا، ستكون أرخص من السلع المصرية المثيلة، وبالتالى فالعملة الوطنية المرتفعة تعنى من حيث لا ندرى تشجيع السلع المستوردة وضرب الإنتاج الوطنى!!
ومثال ذلك أيضا أن المواطن المصرى الذى سيذهب إلى إحدى الأسواق، ويجد سلعة أجنبية أرخص من نظيرتها المصرية، فأى سلعة سوف يشترى؟! بالطبع سيشترى الأرخص طالما أنها بنفس الجودة.
وحينما ترتفع قيمة عملتك، وتنخفض قيمة عملات الدول المنافسة لك، فالطبيعى أن قيمة صادراتك ستقل، وفى نفس الوقت تزيد قيمة وارداتك لأنها ستكون أرخص.
فى رأى بعض خبراء الاقتصاد خصوصا المصدرين، فإن ارتفاع قيمة الجنيه المتوالية فى الفترة الأخيرة، أدى إلى خسائر كبرى للشركات الصناعية والزراعية المصرية، خصوصا التى تصدر للخارج، لأنه أفقدها أهم عامل وهو الميزة التنافسية.
وهل يعنى ذلك أن نخفض قيمة عملتنا؟!. الإجابة تتوقف على ماذا نريد.. هل نحن دول قوية اقتصاديا، ولا نريد زيادة صادراتنا وتقليل وارداتنا أم العكس؟!. بأوضاعنا الحالية. نحتاج لزيادة الصادرات وتقليل الواردات، وتشجيع الإنتاج الصناعى والزراعى. وبالتالى لابد أن تكون عملتنا مرنة وليست جامدة.
والنصيحة التى يرددها خبراء الاقتصاد فى مثل هذه الحالات، أن يقوم الجهاز المصرفى، بشراء فائض الدولارات بالسعر الرخيص.
هذا التصرف يحقق مجموعة من الأهداف، أولها الحفاظ على توازن العملة فى السوق، بما يفيد الاقتصاد الوطنى، وثانيا زيادة الاحتياطى من النقد الأجنبى، وثالثا، وهذا هو الأهم، الحفاظ على تنافسية سلعنا الصناعية والزراعية. هذا ما تفعله الصين دائما، وكذلك العديد من الدول التى بنت الاحتياطى النقدى الكبير الخاص بها.

عماد الدين حسين  كاتب صحفي