خواطر من وحى زيارة طهـران - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
السبت 11 يوليه 2020 12:26 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

خواطر من وحى زيارة طهـران

نشر فى : الإثنين 13 يونيو 2011 - 8:46 ص | آخر تحديث : الإثنين 13 يونيو 2011 - 8:46 ص
لم تغب عنى هموم التطور السياسى فى مصر فى أعقاب ثورة يناير أثناء زيارتى الأخيرة، الأولى والقصيرة لإيران، فقد اكتشفت أن ما يشغل النخبة الفكرية فى إيران هو نفس ما يشغل النخبة المفكرة فى مصر، وكما نهتم نحن فى مصر بأوضاع الثورة الإيرانية، أعرب معظم من التقيت بهم من المثقفين الإيرانيين، أو جلهم تقريبا من الأكاديميين، عن شغفهم بما يجرى فى مصر، وتطلعهم أن تجد الثورة المصرية حلا لمعضلة التوفيق بين استلهام تعاليم الديانات السماوية، وبناء نظام سياسى «منفتح» يحترم حقوق الإنسان، كما جاءت فى المواثيق الدولية، وفى مقدمتها حقوق الاعتقاد والتعبير والتنظيم، والحريات الشخصية، والمساواة بين الجميع بلا تمييز على أساس المعتقد الدينى أو النوع، أو الجنس، أو العرق أو الطبقة، ويمكن الوطن من تحقيق نقلة حضارية شاملة لا تقتصر على توفير لقمة العيش لكل المواطنين، ولكن تتيح ازدهار الفكر والآداب والفنون، وكل ما يميز الإنسان عن سائر المخلوقات.


الهموم الإيرانية

ترددت على هذه الخواطر فى أكثر من مناسبة خلال الزيارة، والتى جاءت بدعوة من الجمعية الإيرانية لعلم الاجتماع، للمشاركة فى المؤتمر الإقليمى للرابطة الدولية لعلم الاجتماع، وكنت العربى الوحيد الذى دعى لحضور هذا الاجتماع، ربما للمعرفة الشخصية ببعض من نظموه من غير الإيرانيين، ولتقديم فكرة عن تطور العلوم الاجتماعية فى الوطن العربى.

النقاش الذى دار فى المؤتمر ساده الحوار بين أنصار توجهين فى تطور العلوم الاجتماعية فى إيران، توجه غالب يدعو إلى الانفتاح على مساهمات العلوم الاجتماعية فى جميع الدول بما فيها الدول الغربية، مع اتخاذ موقف نقدى، وليس رافضا لهذه المساهمات، وتوجه آخر، عبرت عنه قلة من المشاركين الإيرانيين، يدعو إلى رفض هذا التراث العالمى، وبناء علم اجتماع إسلامى يسترشد فقط بالقرآن والسنة وكتابات بعض المفكرين الإسلاميين، ولاشك أن هذا النقاش كان يعكس رؤيتين سياسيتين متميزتين لتطور إيران، فلا عجب أن أنصار الاتجاه الأول الداعى للانفتاح على الفكر العالمى هم ممن يوصفون بأنهم من الإصلاحيين، وهم الغالبية الساحقة فى الجمعية الإيرانية لعلم الاجتماع، وأن الآخرين، هم من أنصار الحفاظ على ما يسمونه بالخصوصية الحضارية الإيرانية. ويكاد يصل الخلاف الفكرى بين الفريقين إلى حد خروج الآخرين على ما يعتبره الأولون قواعد العلم ووصفهم بالخارجين عن الإسلام إلى الحد الذى يجعل أنصار الاتجاه الأول يدعونهم إلى تذكر أن الأخذ بقواعد العلم، بما فى ذلك العلم الاجتماعى، هو ضرورة دينية إسلامية، كما عبرت عن ذلك بقوة الأستاذة سارة شريعتى، حفيدة المفكر الإيرانى الراحل على شريعتى، والتى تتمتع بشعبية هائلة فى أوساط طلابها وأساتذة الجامعات، وذلك على الرغم من التضييق الإعلامى على أى حديث عن جدها الذى كان، للعجب، واحدا من أهم ملهمى الثورة الإيرانية على نظام الشاه فى سنة 1979.

وإذا كان النقاش بين أنصار التيارين متحضرا فى هذا المؤتمر الذى لم يلق، كغيره من أنشطة الجمعية الإيرانية لعلم الاجتماع، اهتماما إعلاميا كبيرا، إلا أن العلاقة بين أنصار الاتجاهين خارج قاعة المؤتمر، لم تكن متحضرة، فبعض من شاركوا فى المؤتمر يلقون مضايقات فى الاستمرار فى تدريس موضوعات معينة فى علم الاجتماع، مثل الدراسات النسوية، وبعضهم محظور عليه التدريس لبعض سنوات، وبعض من التقيت بهم قالوا لى إنهم تعرضوا للاحتجاز لفترات قصيرة من جانب أجهزة الأمن، ومنهم من كانوا أنصارا لمير حسين موسوى المرشح الذى خسر رسميا الانتخابات الرئاسية الأخيرة فى إيران، وبعضهم أيضا كانوا من أنصار الرئيس الإيرانى السابق محمد خاتمى.

وقد أتيح لى أن ألتقى بصديق من الباحثين الإيرانيين دفع ثمنا أكبر لآرائه ونشاطه السياسى بالسجن أكثر من مرة، وكنت قد التقيت به فى مؤتمر دولى آخر عقد منذ عام فى إسبانيا، وربطتنى به معرفة سابقة بوالده الذى تزاملت معه أثناء دراستى للدكتوراه فى إحدى الجامعات الأوروبية، وكان الثمن الأخير الذى دفعه هو السجن لمدة تسع شهور، قضى منها خمسة شهور فى حبس انفرادى، عقابا له على مناصرته للمرشح الإصلاحى فى الانتخابات الرئاسية الأخيرة فى إيران، ومع أنه مطلق السراح الآن، إلا أنه محظور عليه مغادرة إيران، ومع أن لقائى به كان لقاء خاصا، إلا أن كثيرين من المشاركين فى المؤتمر من الإيرانيين كانوا يعرفون أنى ذاهب لمقابلته، وكانوا ينصحوننى بالحذر، وقد جاء للقائى فى الفندق الذى كنت أقيم به، وتناولنا العشاء معا، وعندما سألته عن رؤيته لتطور الأوضاع فى إيران، قال لى وهو المناضل الليبرالى أنه لايرى احتمالا آخر سوى استمرار إيران فى إطار نظام يوصف بأنه إسلامى، فلا توجد قاعدة شعبية لما يمكن تسميته ببديل ليبرالى يفصل الدين عن الدولة، وهو تقدير اختلف معه بعض الأساتذة الإيرانيين الذين التقيت بهم أثناء المؤتمر، والذين ذكروا لى أن عامة الشعب تضيق بحكم رجال الدين، ليس فقط بسبب الصعوبات الاقتصادية التى يواجهونها إثر العقوبات الاقتصادية المفروضة من الدول الغربية، ولكن أيضا بسبب القيود المفروضة على الحريات الشخصية.

ولا تقتصر هذه القيود على دعوة النساء للالتزام بما يعتبره رجال الدين فى إيران زيا إسلاميا، وهو الرداء الأسود الذى يغطى كل الجسد، ويمتد إلى غطاء أسود للرأس، وهو ما تتمرد عليه وعلى نطاق واسع الفتيات الإيرانيات، ويلقون اللوم على ذلك، كما صرحت لى إحدى الشابات الإيرانيات المشاركات فى المؤتمر، ولكن التضييق يمتد أيضا إلى مجال الفنون. وقد عبر عن هذا الضيق أستاذ إيرانى دارس للشعر، عندما كنا نتحادث معا أثناء تناولنا العشاء فى مطعم بالمنطقة الجنوبية لطهران نستمع خلاله للموسيقى والأناشيد. أبدى هذا الأستاذ دارس الشعر تعجبه من أن المنشدين الرجال كانوا يطربون سامعيهم بأغنية نسائية، بينما تحظر السلطات الإيرانية صوت النساء باعتباره عورة.


همومنا المصرية

هذه الهموم الإيرانية وثيقة الاتصال بهمومنا المصرية، بل هى نفس الهموم. يشيع الاعتقاد بأن الإسلاميين فى مصر بجميع فرقهم يملكون أغلبية شعبية كاسحة، ولكن تأييدهم محدود فى وسط النخبة الثقافية، ولا أقصد هنا خريجى الجامعات، ولكن أعنى المشتغلين بالفكر والأدب والشعر والفن والعمارة. ولا أستبعد إذا وصل الإسلاميون إلى الحكم فى مصر أن ينجحوا فى رفع مستوى معيشة المواطنين، وإنجاز تقدم علمى وتكنولوجى، كما هو الحال فى إيران، وربما إدارة أفضل للمدن والقرى، ولكن سيكون ثمن ذلك أيضا اختفاء الفن والأدب من حياتنا، وتضييق هائل على حريات الفكر والاعتقاد والتنظيم والبحث العلمى الاجتماعى، وتمييز ضد المرأة فى جميع المجالات، وخصوصا أن الفكر الاجتماعى للإسلاميين فى مصر هو بكل تأكيد أقل تقدما من الفكر الاجتماعى لرجال الدين الإيرانيين حتى فى مجال حرية المرأة.

فهل هذا هو التقدم الذى ننشده؟ وهل من سبيل لتحقيق مصالحة تاريخية بين تيارين أساسيين فى الحياة الفكرية والسياسية فى مصر يقوم على النقد الذاتى لكل تيار، وعدم إطلاق أحكام التخوين أو الرجعية من أى تيار منهما ضد الآخر. هذا نقاش خطير قد يكون موضوعا لمقالة قادمة، ولكن الأهم أن يكون مقدمة لحوار جاد بين أنصار التيارين يتجاوز الحديث عن تقسيم المقاعد فى الانتخابات التشريعية القادمة.

 

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات