لبنان.. «حكومة المهمة» والتغلب على المهمة المستحيلة - ناصيف حتى - بوابة الشروق
الجمعة 14 يونيو 2024 2:04 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

لبنان.. «حكومة المهمة» والتغلب على المهمة المستحيلة

نشر فى : الإثنين 15 فبراير 2021 - 7:10 م | آخر تحديث : الإثنين 15 فبراير 2021 - 7:10 م

النظام اللبنانى، مثل الولد القاصر، بحاجة دائما للرعاية الخارجية والإمساك بيده لإخراجه أو إنقاذه من كل أزمة وطنية كبرى يواجهها وتعرّض البلد (دولة ومجتمعا) للخطر. الأزمة الراهنة التى عنوانها العمل على تشكيل «حكومة مهمة» تقدّم مثالا حيا على ما ذكرناه. مجمل هذه الأزمات لها روافدها الخارجية. يرجع ذلك لضعف «المناعة الوطنية» التى تجعل البلد منكشفا»، لا بل جاذبا» للتدخل الخارجى بأشكاله المختلفة، أيا كانت المسميات أو العناوين لذلك التدخل. التماهى بمختلف أشكاله وعناوينه ودرجاته مع الخارج شكل دائما «عنصرا أساسيا» فى الصراعات والخلافات والحروب الداخلية. وتزيد الجغرافيا السياسية للبنان إلى جانب ضعف السلطة وانكشافها وطبيعة الاجتماع اللبنانى من جاذبية وسهولة التدخل من قبل بعض الأطراف الخارجية. تدخّل يهدف لخدمة استراتيجيات وسياسات تتخطى لبنان إلى محيطه الجغرافى السياسى المباشر، لما لهذا المحيط من أهمية فى لعبة النفوذ الشرق أوسطية للأطراف الدولية والإقليمية المعنية. الأدوار الخارجية للإنقاذ نتجت فى الماضى عن تفاهمات عملت ونجحت على بلورتها أطراف عربية أساسية بغية إطفاء الحرائق واستعادة الاستقرار. وإذا نظرنا إلى العقود الخمسة الماضية من الزمن وجدنا فى المبادرات العربية فى الدبلوماسية المتعددة الأطراف والمؤتمرات التى انعقدت فى القاهرة والرياض وتونس والطائف والدوحة خير مثال على ذلك.
التفاهم الخارجى كان دائما شرطا «ضروريا» لإطلاق عملية التفاهم الداخلى. تتغير الأطراف وكذلك تحالفات الداخل والخارج وتبقى قواعد اللعبة هى ذاتها. هذه المرة اختلفت اللعبة: فالتفاهم الخارجى بين الأطراف الفاعلة فى لبنان ولو بالحد الأدنى ضرورى، ولكن غير كاف، بسبب طبيعة الأزمة الاقتصادية وحدّتها والحاجة إلى أكثر من مراهم إصلاحية لإنقاذ المركب اللبنانى من الغرق. وقد حذّرنا وحذّر الكثيرون «مرارا» إلى أننا نشهد مسارا «متسارعا» للانهيار الاقتصادى الكلى بتداعياته المأساوية المختلفة والشديدة الخطورة على المجتمع وعلى الدولة فيما لو استمرت الأمور على ما هى عليه، وهى مستمرة. طبيعة اللعبة السياسية بقيت هى هى عند الطبقة الحاكمة؛ التطلّع إلى الخارج حيث الرهان على التفاهم مع الآخرين أو الانتصار الذى سيحققه الحليف أو الصديق الخارجى لترجمته فى الداخل ولو بشكل مؤقت، «حفاظا» على مكتسبات خاصة أو زيادة فى مكتسبات خاصة لكل من أطراف اللعبة تقدم على أنها مكتسبات للمكون المذهبى أو الطائفى الذى يمثله هذا الطرف او ذاك فى نظام فدرالية الطائفيات السياسية التى تحكم وتتحكم بلبنان بالفعل مستغلة ومطوعة لنظام الديمقراطية التوافقية؛ التوافقية الطائفية التى يقوم عليها النظام اللبنانى. أضف إلى ذلك أن الطبقة السياسية الحاكمة غير متحمسة لولوج باب الإصلاحات البنيوية الضرورية لأنها تضعف مصادر سلطتها وتسلطها. لقد حذرنا أكثر من مرة أننا لم نعد أمام أزمة تشكيل حكومة كما لو كنا فى ظروف طبيعية بل صرنا فى أزمة حكم كما نشهد كل يوم فى التراشق السياسى المتصاعد وفى الشلل الحاصل على مستوى السلطة التنفيذية والذى يحمل فى بعضه لغة طائفية لم تعد خافية. أوصلنا ذلك إلى مرحلة الدخول فى أزمة نظام فى وقت لا نستطيع فيه تحمل «ترف» فتح هذا الملف حاليا «مع ضرورة البحث لاحقا»، بعد إنقاذ المركب من الغرق، فى النموذج السياسى الذى نريده لتطوير النظام وتحصين وتنمية المجتمع على جميع الأصعدة وتعزيز اللحمة الوطنية فى لبنان. ولا بد من التذكير بأن أهم دروس «لعبة الكراسى الموسيقية» للطائفيات السياسية، لعبة التنافس على الهيمنة وتقاسم منافع السلطة تحت عنوان حماية حقوق الطائفة، إن هذه اللعبة هى منتجة باستمرار لأزمات تشل الدولة وتمنع عملية النهوض الوطنى فى جميع أوجهه.
إن استمرار اللعبة التقليدية حول تقاسم السلطة فى تشكيل الحكومة باسم حقوق الطائفة عند كل طرف، «أيا» كان العنوان الذى يحمله كل طرف، يساهم فى تسريع الانهيار ومن ثم الانفجار، بسبب الشلل السياسى الحاصل. إن تجربة الأشهر الماضية والثمن الذى دفعه ويدفعه المواطن اللبنانى تستدعى إعادة النظر فى المقاربة القائمة والمستمرة لتشكيل «حكومة المهمة Gouvernement de Mission» بعد أن وصلت إلى حائط مسدود مع ازدياد «المواجهة السياسية والإعلامية» بين من يفترض أن يكونا الشريكين الأساسيين فى تشكيل الحكومة وإدارة عملية الإصلاح لاحقا. وهنا، أرى من الضرورى، للخروج من حالة الجمود القاتل الحامل للمزيد من التوترات، أن يدعو الوسيط الفرنسى إلى مقاربة مختلفة من خلال الدعوة لطاولة حوار وطنى للأطراف ممثلى المكونات السياسية التى كان قد جمعها وحاورها الرئيس الفرنسى فى بيروت، لتجتمع برعاية ومواكبة فرنسية فى «حوار عملى»، ونذكّر بهذا الخصوص بحوار «سل سان كلو» (اسم مكان اللقاء) عام ٢٠٠٧ الذى استضافته فرنسا للأطراف اللبنانية فى خضم الأزمة اللبنانية حينذاك. ويمكن أن تشارك الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى جانب فرنسا فى رعاية ومواكبة هذا الاجتماع. يجب أن يكون هدف «الحوار العملى» المطلوب، إذا انعقد فى إطار زمنى محدد، بلورة ما دعونا إليه منذ أكثر من شهرين ــ وقد رد علينا البعض حينذاك أنه يجب البدء بتشكيل الحكومة بغية عدم إضاعة الوقت، وقد ضاع الوقت الكثير منذ ذلك الوقت ــ وهو برنامج الإصلاح الشامل فى خطوطه وعناصره وخريطة طريق للتنفيذ وجدول زمنى واضح. إن اتفاق من هذا النوع يلزم أصحابه، كل أمام جماعته أساسا، بالإصلاح المطلوب لوقف الانهيار ويسهل تشكيل «حكومة المهمة» لوضعه موضع التنفيذ إذ يشكل عنصر ضغط على هذه الأطراف باعتباره، باعتراف الجميع ومشاركتهم، الشرط الضرورى لوقف الانهيار المتسارع. فهل نسلك هذا الطريق وأمامه الكثير من الصعوبات ولكنه الوحيد الممكن أم نبقى أمام الطريق المسدود، أمام ما يبدو كمهمة مستحيلة لتشكيل «حكومة المهمة».

ناصيف حتى وزير خارجية لبنان الأسبق
التعليقات