حصار المحتوى - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الأربعاء 21 أغسطس 2019 6:27 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





حصار المحتوى

نشر فى : السبت 16 مارس 2019 - 10:45 م | آخر تحديث : السبت 16 مارس 2019 - 10:45 م

قبل أكثر من قرن، حصل الشيخ على يوسف رئيس تحرير جريدة المؤيد على وثائق تثبت أن جيش الاحتلال البريطانى يتعرض لهزائم على يد «دراويش المهدية»، فى الحملة العسكرية الإنجليزية التى استهدفت السودان.
كان رائد الصحافة المصرية الذى أسس «المؤيد» عام 1889 قد شن حملة على الاحتلال الإنجليزى، وانتقد إرسال الجيش المصرى لحملة غير محسوبة إلى السودان بقيادة السردار كتشنر ونشر فى جريدته سلسلة تقارير وتحقيقات أثارت اللورد كرومر المعتمد البريطانى فى القاهرة.
ربط يوسف فى حملته الصحفية بين ما يحدث فى جبهة أدغال إفريقيا من هزائم للجيش وما يحدث فى الجبهة الداخلية من سقطات سياسية، فصدر أمر من ناظر الحربية بمنع وصول أنباء الحملة العسكرية إلى «المؤيد» بتعليمات من كرومر، مع ذلك لم تتوقف الجريدة، ونشرت ما يلقاه الجنود المصريون وضباطهم الإنجليز من هزائم.
كان يوسف قد تمكن من تجنيد مصدر سرى حصل منه على أخبار الحملة أولا بأول، ففى 22 يوليو من عام 1896 أرسل السردار كتشنر برقية إلى ناظر الحربية مكونة من 566 كلمة يخبره فيها بتفشى وباء الكوليرا بين رجال الحملة، وأن الوباء وصل شمالا حتى جنوب مصر. فى اليوم التالى نشرت «المؤيد» نص البرقية فى صدر صفحتها الأولى، تحت عنوان «أحوال الجيش المصرى على الحدود»، ما أثار الذعر بين عائلات الجنود المصريين وفى صفوف الضباط الإنجليز الذين كانوا يخدمون فى مصر.
أحرج الخبر اللورد كرومر، فأمر ناظر الحربية بالتحقيق، واتجهت أصابع الاتهام إلى توفيق أفندى كيرلس موظف التلغراف بمكتب الأزبكية، وألقى القبض عليه وهو ينسخ إحدى البرقيات ووجهت إليه تهمة إفشاء أسرار الحاكم الإنجليزى.
أحيل يوسف ومصدره «موظف التلغراف» إلى المحاكمة التى قضت بحبس الموظف 3 شهور فقط، وحصل رئيس تحرير «المؤيد» على البراءة، فـ«الرجل قصد عن طريق نشره للمعلومات الصحيحة التى حصل عليها دق ناقوس الخطر، وإعلام الرأى العام أن القيادة الإنجليزية تعرض أبناء الجيش المصرى للخطر، وأخذتهم إلى مغامرة غير محسوبة».
الشاهد من القصة أن الصحافة المصرية، كانت قبل قرن من الزمان تمارس حقها فى إخبار الرأى العام بمعلومات صحيحة حصلت عليها من مصادر سرية وعلى الرغم من حساسية المعلومات فإنها نشرتها وتحملت تبعات النشر.
كان الصحفيون يمارسون دورهم الطبيعى فى خدمة المحكومين، ينقلون لهم ما يجرى باعتبارهم عين الشعب على مؤسسات الحكم، لذا استحقت الصحافة فى تلك الفترة وما تلاها من عقود استمرت حتى وقت قريب أن تكون «سلطة رابعة»، سلطة فوق كل سلطات الدولة.. سلطة استمدت شرعيتها من إعلام الناس وإخبارهم.
الآن وبعد أن تطورت الأنظمة والمؤسسات وتطورت معها الصحافة فى كل العالم، وصارت حرية الصحافة والإعلام هى الدليل الأول على تطور الدول وحيوية المجتمعات، أصيبت مصر بردة أعادتها إلى عصور ما قبل الصحافة.
تحول محتوى الصحف فى نسخها «الورقية والالكترونية» إلى نشرات حكومية لا يستطيع القارئ تمييزها عن بعضها البعض، حُظر على أهل المهنة الاقتراب من أى قضية تهم المواطن، فعاقبنا المواطن بالهجر وفقدان الثقة وهو معذور، لكنه لا يعلم أننا أيضا معذورون فنحن ما بين فئة اختارت أن توالس، وأخرى آثرت السلامة وابتلعت لسانها من أجل لقمة العيش، وفئة ثالثة قليلة تصرخ عسى أن يصل صوتها إلى أحد.
لو استمر حصار الصحافة ومنعنا من تقديم الإجابات التى يبحث عنها الناس فى كل القضايا «ماذا حدث؟، وكيف حدث؟، وما النتائج المترتبة على ما حدث؟»، ستغلق الصحف ويتشرد الصحفيون.
فك الحصار عن الصحافة، وفتح الباب أمام تداول الأخبار والأفكار والاشتباك مع قضايا الوطن ليس ترفا يا سادة، بل ضمانة أساسية لنهضة المجتمعات واستقرار الدول.
أخيرا، على نقيب الصحفيين المنتخب ضياء رشوان ومجلس النقابة، وضع أزمة حصار المحتوى الصحفى على أولويات أجندة عملهم ودعوة الزملاء رؤساء التحرير إلى اجتماع عاجل يعقبه مؤتمر عام يشارك فيه أعضاء الجمعية العمومية للوصول إلى تصور لفك هذا الحصار وفتح حوار جاد مع مؤسسات الدولة المعنية لإفهامهم أن الصحافة الحرة هى الضمانة الأولى للاستقرار، وأن حجب المعلومات وتغييب الحقائق بات مستحيلا فى ظل وجود بدائل على مواقع وفضائيات أجنبية لها سياسة تحريرية ربما تكون أحد أهدافها ضرب استقرار الدولة.

التعليقات