هل يكفى إجراء الانتخابات لتحقيق الديمقراطية؟ - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 يوليه 2020 6:57 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

هل يكفى إجراء الانتخابات لتحقيق الديمقراطية؟

نشر فى : الإثنين 17 فبراير 2014 - 6:25 ص | آخر تحديث : الإثنين 17 فبراير 2014 - 6:25 ص

سوف تقدم مصر على إجراء انتخابات رئاسية خلال الشهرين القادمين، وقد بدأ بعض المرشحين المحتملين بالفعل فى إعلان نيتهم للترشح، ومن المنتظر وفقا لخارطة المستقبل أن تجرى انتخابات نيابية بعد الانتخابات الرئاسية بثلاثة شهور، بذلك تكتمل المؤسسات القومية التى نص دستور 2014 على إقامتها. وقد جرت خلال الفترة التى أعقبت سقوط حكم الرئيس الأسبق حسنى مبارك خمس مشاورات انتخابية، فهل يعنى النجاح فى إجراء كل هذه المشاورات التى عبر فيها المواطنون عن آرائهم أن نظامنا السياسى قد انتقل أو أنه على وشك الانتقال إلى الديمقراطية، أم أن هناك شروطا أخرى للانتقال إلى الديمقراطية لابد كذلك من توافرها، وإلا فإن مثل هذا الانتقال يكون منقوصا.

طبعا كما هو الحال فى مثل هذه القضايا هناك إجابات متعددة، الحكومات تميل فى العادة إلى اعتبار أن إجراء الانتخابات التى تتسم بالتنافسية هو فى حد ذاته مؤشر مهم على التحول إلى أوضاع ديمقراطية، بينما تولى منظمات حقوق الإنسان اهتماما أكبر بمدى وفاء النظم التى تدعى السعى إلى الديمقراطية، بضرورة احترام حقوق الإنسان المدنية والسياسية على الأقل، مثل الحق فى الحرية الشخصية وحريات الإعتقاد والتعبير والتنظيم والمحاكمة العادلة، كمعيار أساسى للديمقراطية وذلك إلى جانب إمكانية تغيير سلطة الحكم من خلال صناديق الاقتراع.

•••

ولهذه القضية شقان أساسيان، أولهما هل يكفى إجراء الإنتخابات، أى إنتخابات، للادعاء بأن نظاما ما هو فى طريقه للانتقال إلى الديمقراطية، أم أن هناك شروطا لابد من توافرها فى الانتخابات حتى يمكن القول بأنها بالفعل انتخابات ديمقراطية؟ والشق الثانى هو ما إذا كان إجراء الإنتخابات الموصوفة بالديمقراطية هو فى حد ذاته دليل على تحقق الديمقراطية؟

الانتخابات الديمقراطية وغير الديمقراطية

لاشك أنه من السذاجة الاعتقاد بأن مجرد إجراء الانتخابات فى أى دولة هو دليل على تحولها إلى الديمقراطية. من المعروف أنه فى ظل الإتحاد السوفييتى السابق كانت الانتخابات تتم بما عرف بمجلس السوفييت الأعلى الذى كان يقوم إلى حد ما بما يشبه دور البرلمان فى النظم الديمقراطية، وكانت معدلات المشاركة فى هذه الانتخابات تقترب من المائة فى المائة ممن لهم حق التصويت، ولكن لم يكن هناك تنافس حقيقى بين المرشحين، كان هناك مرشح وحيد فى كل دائرة، وكان من النادر أن يرفض الناخبون هذا المرشح الذى وافق عليه مقدما تنظيم الحزب الشيوعى فى تلك الدائرة. من الواضح أن مثل هذه الانتخابات لم ترق فى نظر المواطنين السوفييت أنفسهم إلى مستوى الانتخابات الديمقراطية، ولذلك كانت أولى خطوات الإصلاح التى أقدم عليها جورباتشوف سكرتير الحزب الشيوعى السوفييتى فى النصف الثانى من ثمانينيات القرن الماضى فى برنامجه المعروف باسم بيريسترويكا أو إعادة البناء هو تحقيق التنافسية فى هذه الانتخابات، وعندما جرت هذه الانتخابات التنافسية سقط فى اختبارها كثيرون من مرشحى الحزب الشيوعى ذاته. ومع ذلك لا يكفى لتكون هناك انتخابات ديمقراطية أن تتسم بالتنافس الجدى من خلال تعدد المرشحين الذين يملك كل منهم رصيدا معقولا من تأييد المواطنين، وأن تتاح لهم فرص متكافئة فى القيام بحملاتهم الانتخابية، وأن تقف كل الأجهزة الحكومية موقف الحياد التام من كل المرشحين، وأن تقوم على الإشراف على الانتخابات هيئة مستقلة، وأن تجرى عمليتا الاقتراع وفرز الأصوات بالشفافية والمصداقية. هذه شروط أساسية لا يمكن بدونها أن توصف أى انتخابات بالديمقراطية. ولهذا السبب فإن كل الانتخابات التى تمت فى مصر منذ ثورة يوليو 1952 وحتى ثورة يناير 2011 كانت أبعد ما تكون عن الديمقراطية.

الانتخابات ليست شرطا وحيدا للديمقراطية

ولكن حتى عندما تتوافر هذه الشروط، فإنها ليست كافية للاقتناع بأن التحول إلى أوضاع ديمقراطية قد تم. ذلك أن هناك شروطا أخرى لقيام نظام ديمقراطى تتجاوز بكثير النجاح فى تنظيم انتخابات حرة ذات مصداقية. وهذه فى الحقيقة هى مشكلة النظم الجديدة التى خلفت نظما سلطوية منذ سبعينيات القرن الماضى سواء فى جنوب أوروبا أو شرقها أو فى أمريكا اللاتينية أو آسيا أو إفريقيا. وهى مشكلة عويصة فى دول الثورات العربية. وتكشف الدراسات الخاصة بعملية التحول هذه أن الإنتخابات جاءت فى دول أوروبا الغربية بعد أن توافرت مقومات الديمقراطية الأخرى ومن ثم كانت الانتخابات تتويجا لعملية التحول الديمقراطى، ولكنها تقفز لتكون أول خطوات التحول إلى الديمقراطية فى تلك الدول التى لحقت متأخرة بمسيرة الديمقراطية، وهو ما يجعل التحول فى هذه البلدان محفوفا بالمخاطر وباحتمالات العودة إلى ممارسات النظم السلطوية. فما هى هذه الشروط الأخرى التى بدونها، حتى مع تنظيم إنتخابات حرة وذات مصداقية لا يمكن أن يكون هناك مجرد أساس لنظام ديمقراطى. وخصوصا ما هى الشروط الأكثر التصاقا بتجربة دول الثورات العربية.

•••

لاشك أن أول هذه الشروط هو حياد الأجهزة الحكومية فى مواجهة القوى السياسية المتنافسة. يجب أن تتخلى هذه الأجهزة عن ميراثها التاريخى من مساندة من يتواجد على قمة السلطة أو من تواجد بالقرب من هذه القمة قبيل الانتخابات ومازال له أنصاره داخل هذه الأجهزة، ولابد من أن ينطبق هذا الشرط على كل هذه الأجهزة من إدارة مركزية وإدارات محلية، ومن شرطة وقضاء وقوات مسلحة. وتتضح خطورة هذا الشرط عندما لا تتمتع الهيئة التى تقوم بالإشراف على الانتخابات باستقلال حقيقى فى مواجهة القيادات الحكومية. بالطبع غياب هذا الشرط يحول العملية الانتخابية إلى سباق يفتقد التكافؤ بين المشاركين فيه، ويحول الإنتخابات إلى مسرحية فصلها الختامى معروف مقدما للمشاهدين.

وثانى هذه الشروط ألا يكون هناك تحالف ضمنى بين جهاز الدولة وأصحاب الثروة فى المجتمع، وخصوصا فى المجتمعات التى تتسم بتركز هائل للثروات وباحتكار قلة قليلة للجانب الأكبر من الثروة وبامتداد احتكار الثروة إلى احتكار مؤسسات الإعلام أيضا. قد يلتزم جهاز الدولة بالحياد ظاهريا فى مواجهة المرشحين المتنافسين، ولكنه مطمئن أن المرشح الخارج من صفوفه أو الذى تميل إليه قياداته دون أن تصرح بذلك هو الذى يحظى أيضا بمساندة من يملكون الثروة ويملكون معها قنوات التليفزيون والصحف الرئيسية، ومن ثم فلا حاجة للظهور الفج لأجهزة الدولة إلى جانب مرشح معين، إذ يغنيها عن ذلك ما يقدمه له أصحاب الثروة من دعم مالى وإعلام موال. وفى هذه الحالة ما لم ينجح المرشحون المنافسون له فى تعبئة جماهيرية واسعة وابتكار أساليب فى التواصل مع المواطنين تعوض جزئيا انحياز كبريات القنوات التليفزيونية والصحف الكبرى له، تكون حظوظهم فى المنافسة الجادة قليلة جدا.

كما أن الشرط الثالث للديمقراطية يتعلق بالثقافة السائدة فى المجتمع، ومدى تقبل هذه الثقافة للحق فى الإختلاف، واستعداد المواطنين لقبول وجهات نظر متباينة، بل وتمحيص ما يطرح عليهم من أفكار وبرامج وإدراك أن الحقيقة فى قضايا السياسة والاقتصاد والمجتمع لا يمكن أن يحتكرها طرف واحد، بل وأن الخروج من مشاكل الوطن قد يقتضى صياغة توليفة من برامج مرشحين مختلفين وقوى سياسية متعددة. وفيما يتعلق بالمرشحين وأنصارهم يجب أن يكونوا مستعدين لقبول الإحتكام إلى صناديق الإقتراع، والتسليم بنتيجة الفرز طالما تمت وفقا للقواعد القانونية المنصفة، وأن تتحلى نظرتهم للمنافسة الإنتخابية بالروح الرياضية، وأن هذه المنافسة هى جولات متعاقبة، وأن للجميع فرصة لكسبها طالما استعدوا بالمران وبالتعلم من الخبرة لخوضها من جديد فى ظل حكم عادل.

•••

هذه هى بعض الشروط التى لا يمكن بدونها أن تكون هناك ديمقراطية سياسية. ومن الإنصاف أن نسلم بأنها لا تتوافر فى مجتمعاتنا العربية التى تعرف تجربة التحول عن النظم السلطوية فى الوقت الحاضر، ولكن الأمل معقود على أن تسهم التجربة والنضال الجماعى فى تحققها فى مستقبل ليس ببعيد.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات