صناعة المواطنة الإسرائيلية.. أداة للسيادة اليهودية والتطهير العرقى - المواقع العربيه - بوابة الشروق
الإثنين 26 أكتوبر 2020 12:32 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

صناعة المواطنة الإسرائيلية.. أداة للسيادة اليهودية والتطهير العرقى

نشر فى : الإثنين 17 أغسطس 2020 - 11:30 م | آخر تحديث : الإثنين 17 أغسطس 2020 - 11:30 م

نشر موقع السفير العربى مقالا للكاتبة «لنا طاطور»... نعرض منه ما يلى.
المواطنة الإسرائيلية هى منتوج الغزو الاستعمارى لفلسطين. تأصلت دونيّة فلسطينيى 48 وترسّخت فى نظام المواطنة الإسرائيلية منذ تشكّله. تاريخ صناعة المواطنة فى إسرائيل يُثبت أنها جزءٌ من المشكلة، وليست الحل، الذى ناضل فلسطينيو 1948 لتأسيسه مطالبين بالانتقال إلى «مواطنة متساوية».
بات من شبه المستحيل أن نفكّر بفلسطينيى الأراضى المحتلّة عام 1948 خارج إطار المواطنة الإسرائيليّة. فى الكتابات الأكاديميّة وفى الخطاب السياسى داخل إسرائيل، يُشار إلى فلسطينيى 48 غالبا بمُسمّى «الفلسطينيّون مواطنى إسرائيل»، أو «عرب إسرائيل»، أو «الإسرائيليين الفلسطينيين». هذه المُسمّيات ليست مجرّد وصفٍ لوضعيّة قانونيّة معيّنة، إنّما هى تُحيل ضمنيا إلى هويّةٍ جماعيّة باتت المواطنة الإسرائيليّة عنصرا أساسيا فيها.
يتمسّك الخطاب السياسى فى الداخل بـ«إصلاح» المواطَنة الإسرائيلية. حتى بعد «قانون القومية» الجديد، والذى ينص على أنّ حق تقرير المصير فى هذه البلاد هو حقّ حصرى للشعب اليهودى، وبعد «صفقة القرن» التى قدّمها ترامب، لم يضعف إيماننا بأن المواطنة الإسرائيلية هى المفتاح للمشاركة السياسية ولتحصيل الحقوق السياسية، المدنية والاجتماعية. إلّا أنّ هذه المواطنة ما فتئت تخذلنا.
يدفعنا هذا الخذلان إلى إعادة تفكيرٍ راديكالى بهذا الوعد الوهمى: وعد المواطنة الإسرائيلية باعتبارها آلية للتحوّل السياسى. إنه الوقت للسؤال عن المواطَنة كمؤسسة. فلم تنشأ المواطنة الإسرائيلية كمؤسسة مستقلّة أو محايدة، ولا كمؤسسة تتعارض مع الاستعمار الاستيطانى الصهيونى. إنما نشأت من قلب الهيمنة الاستعمارية. فى نهاية المطاف، فإن المواطنة الإسرائيلية هى منتوج الغزو الاستعمارى لفلسطين. تأصلت دونيّة فلسطينيى 48 وترسّخت فى نظام المواطنة الإسرائيلية منذ تشكّله. وعلى الرغم من أنّ إسرائيل، بعد إعلان تأسيسها، منحت حقّ الاقتراع ومن ثَمّ المواطنة لجزء من الفلسطينيين الذين ظلّوا فى المناطق التى سيطرت عليها، فإنّ الدولة الإسرائيلية لم تعتبر الفلسطينيين أهلا أصليين فى المنطقة، ولا أصحاب حقٍ طبيعيين.
من أجل فهم ضعف مواطنة الفلسطينيين فى إسرائيل اليوم، علينا أن نعود إلى تاريخ صناعة المواطنة فى إسرائيل... إلى سنوات ما بين 1948 و1952، وهى الفترة التى سُنَّ فيها «قانون العودة» (1950) الذى يُنظّم استحقاق اليهود للمواطنة، وكذلك «قانون المواطنة» (1952) الذى يُنظّم مكانة فلسطينيى 48. هذه الفترة التأسيسيّة، والتى وُضعت فيها حجارة الأساس الدستوريّة للمواطنة الإسرائيلية، تُظهِر لنا كيف تأسست المواطنة كمؤسسة هيمنة، وكيف تعمل كمنظومة تطهير عرقى، من خلال إقصاء الغالبية العُظمى من الفلسطينيين خارج نطاقها، وبالتالى إبقاؤهم لاجئين ومنفيين.

الاقتراع العربى وسيلةً للسيادة اليهودية
أجريت الانتخابات الإسرائيلية الأولى فى يناير 1949، وكانت أوّل لحظة مفصلية تضطر فيها إسرائيل إلى التعامل مع مكانة الفلسطينيين الذين ظلّوا فى المناطق الخاضعة لسيطرتها. الحق بالاقتراع كان السؤال الأول الذى واجهته إسرائيل. قرّرت القيادة الإسرائيلية أن توسّع حق الاقتراع ليشمل الفلسطينيين تحت حكمها. بحسب الباحثة شيرا روبنسون، اتُخذ هذا القرار من منطلقات تتعلّق بمُحدّدات دولية. بعد أن فشل أّول مشروع قرار عضوية إسرائيل فى الأمم المتّحدة عام 1948، قدّمت إسرائيل مشروع قرار ثانٍ. وتخوفًا من فشل المشروع مجددا، قرّرت القيادة الإسرائيلية منح (جزء من) الفلسطينيين حق الاقتراع.
عندما يُطبّق القانون الإسرائيلى على مناطق محتلّة لم يعترف القانون الدولى بها ضمن الدولة اليهودية (وخاصةً أجزاء من الجليل)، وعندما تُجرى الانتخابات ويُعطى الفلسطينيون هناك حقّ الاقتراع، فإن إسرائيل تُبقى مسألة الأراضى والحدود مفتوحة. إذ إنّها بهذه الطريقة تدفع للاعتراف الدولى بسيادتها على هذه المناطق من خلال فرض الضم كأمر واقع. مشاركة الفلسطينيين فى هذه الانتخابات مهّدت الأرضيّة لشرعيّة الأمر الواقع وفرض السيادة الإسرائيلية على هذه الأراضى. هكذا، فقد كان حقّ الاقتراع العربى وسيلةً للسيادة اليهودية.

المواطنة: أداة للتطهير العرقى
انقسم قادة إسرائيل جديا حول حاجة إسرائيل أن تخلق مواطنة قوميّة خاصة بها. التطلّعات التى حرّكت مناصرى قانون المواطنة كانت ذاتها التى حرّكت معارضيه: تحديد عدد الفلسطينيين فى إسرائيل وتثبيت التطهير العرقى للفلسطينيين. ليست الحساسية الاحتوائيّة ما دفع مناصرى قانون المواطنة، بل الادعاء بأن ترك سؤال المواطنة دون حل يُمكنه أن يُهدد التفوّق الديمغرافى اليهودى. وجزموا بأن قانون المواطنة من شأنه أن يثبّت من هو القانونى ومن هو غير القانونى الذى يُمكن تهجيره.
لطالما توسّعت إسرائيل جغرافيا، ولطالما بقى سؤال الحدود مفتوحا، آثر بن غوريون، رئيس الحكومة فى حينه، الحفاظ على المرونة. وقد عرف أنّ المواطنة يمكنها أن توفّر حمايةً للفلسطينيين تجعل تهجيرهم الجديد أكثر تعقيدا، إن لم تجعله شبه مستحيل. بالنسبة له، تفوّقت اعتبارات الاستحكام الجغرافى على الاعتبارات الديمغرافيّة. بعد أن تؤمّن السيطرة على المنطقة، يُمكن لمكانة الفلسطينيين أن تبقى سؤالا مفتوحا ــ لعقودٍ إن اقتضى الأمر. هذا منطق قراره. رأى بن غوريون الصورة الأكبر. عرف أنّه فى ظل عدم وجود مواطنة رسمية، لا يُصبح السكّان مواطنين أو أصحاب حقّ اقتراعٍ بالضرورة. المبدأ الذى وجّه القرار كان السعى لخلق مكانةٍ ضعيفة للفلسطينيين تحت القانون الإسرائيلى. أراد بن غوريون أن تبقى مكانة الفلسطينيين مسألة اجتهادٍ إدارى ــ وحبّذا لو عسكريا.

المواطنة إحسانا
بعد تصويت الحكومة، أُوعزت لوزارة القضاء مهمّة صياغة مسودّة قانون مواطنة كونى يمكن تطبيقه على الفلسطينيين واليهود. وخلق ذلك، طبعا، صعوبات عدّة. رفض المجلس الوزارى المصغّر جميع المسودّات. واعتبروا فكرة التساوى بين مواطنة اليهودى ومواطنة الفلسطينى فكرةً مروّعة. أو كما رأى بن غوريون:
«هناك حاجة لقانون تجنيسى، إنما ليس لليهود. اليهودى الذى أتى ليستوطن فى هذه البلاد هو مواطن تلقائيا: إنه يُمنح حق المواطنة مسبقا. إنّى مميّز هنا ليس بموجب القوانين، إنّما بحقّى تجاه هذه البلاد. الآخرون يُمنحون الحق بأن يكونوا هنا كإحسان فقط، إنما ليس الأمر كذلك بالنسبة لليهودى. إنّه مستحق. هذه الفرضية الأساسية».
هنا، جاء اقتراح جديد من زيراخ فرهابتيغ، وكان محاميا وصار لاحقا نائبا فى البرلمان عن «الجبهة الدينية المتّحدة»، وعضوا فى المجلس الوزارى المصغّر. اقترح فرهابتيغ سنّ قانونين بدلا من قانون واحد. الأول «قانون العودة» الذى شُرِع عام 1950، والذى يعطى كل يهودى الحق فى الهجرة («عالياه») إلى إسرائيل، ويحصل تلقائيا على الحق بالمواطنة. تحت هذا القانون، اعتُبر اليهود أصحاب المواطنة الشرعيين والأصليين. الشعب اليهودى ــ يدّعى بن غوريون ــ له «حقّ بديهى بالاستيطان فى هذه الأرض». أما القانون الثانى فهو «قانون المواطنة» عام 1952، والذى صُمِّم لإدارة مواطنة الفلسطينيين التى اعتُبرت نتيجة إحسانٍ من الدولة، وليست حقا طبيعيا. المزاوجة بين القانونين حوّلت اليهود المستوطنين إلى أصلانيين، والأصلانيين الفلسطينيين إلى غرباء.
سمح هذا الحل للقيادات الإسرائيلية بالتمييز ضد الفلسطينيين دون أن يفقدوا صورتهم الليبرالية. أو كما علّق بن غوريون: «اقترح أن قانون المواطنة سيُطبّق عمليا على غير اليهود، دون الحاجة إلى ذكر ذلك... سيُطبق على الجميع عدا اليهود». بخلاف اليهود، فإن استحقاق الفلسطينيين للمواطنة لم يكن غير مشروط. مواطنة فلسطينيى 48 نُظِمت فى المادة الثالثة من قانون المواطنة (المواطنة للسكّان). هذه المادّة تُقصى جميع الفلسطينيين اللاجئين تلقائيا وتفرض تقييدات قانونية تصعّب حصول فلسطينيى 1948 على المواطنة.
من حُرموا من الجنسيّة تبعًا للمادة الثالثة (السكّان) كان عليهم أن يتقدّموا بطلبٍ حسب المادة الخامسة من القانون ــ المواطنة بالتجنيس ــ وهى المادة التى صُممت لإدارة تجنيس المهاجرين الأجانب (أى غير اليهود). الفلسطينيون الذين لم يستوفوا شروط المادّة الثالثة أصبحوا مثلهم مثل أى مهاجرٍ أجنبى. كان على أهل البلد الأصليين أن يقدموا إثبات سكنٍ قانونى فى البلاد، وأن يُظهروا «بعض المعرفة باللغة العبرية»، وهى شروط غير مطلوبة من المهاجرين المستوطنين اليهود.
تجنيس الفلسطينيين تقدّم بطيئا. جنّست الدولة الإسرائيليّة 218 فلسطينيا بين يوليو 1952 ويناير 1959. آلاف القضايا وصلت المحاكم. وسُوِّيت مواطنة البعض حتّى نهاية الستينيّات، إثر قرار إسرائيلى بالانضمام إلى «اتفاقية تخفيض حالات انعدام الجنسية». انتظر آخرون حتّى تعديل قانون المواطنة فى الثمانينيات، والذى توسّع ليشمل الفلسطينيين الذين سُجّلوا مواطنين قبل يونيو 1952، أو ممّن دخلوا البلاد بشكلٍ قانونى من بعدها. وحتّى يومنا هذا، فإن مئات البدو فى النقب لا يزالون دون جنسية، ومكانتهم كمواطنين لم تُسوَّى.

الوعد الكاذب
وظّف الفلسطينيون فى إسرائيل مواطنتهم من أجل تحصيل الاعتراف بحقوقهم لأكثر من سبعة عقود، وكان النجاح محدودا. كانت المواطنة أداة مهمة لصمود فلسطينيى 48 فى إسرائيل. إلا أنّ هذه المواطنة التى سمحت للفلسطينيين بالبقاء فى وطنهم قيّدت نضالهم إلى حدٍ بعيد. ليس هذا نداء لفلسطينيى 48 بالتنازل عن جنسيّاتهم. فقد نؤدّى بهذا لتسهيل طردنا. إنما هناك فرق جذرى بين التمسّك بالمواطنة كوسيلة للبقاء، وبين ارتهان حريتنا وكرامتنا لها.
المواطنة مؤسسة خادعة. إنّها تفرض الهيمنة وتُخْفيها فى الوقت ذاته. إنها تعد بالاحتواء، لكنّه وعدٌ وهمى. حتّى فى أكثر تشكيلٍ تقدمى وليبرالى، لا تزال المواطنة جزءا من الاستعمار الاستيطانى، وليست خارجة عنه. لا توجد إمكانيّة للمواطنة المتساوية داخل إطار دولة المستوطنين. إنه الوقت لتوسيع الخيال السياسى والتفكير فيما يتجاوز المواطنة. حريّتنا تعتمد على قدرتنا على تجاوز المواطنة ومنطقها الهدّام.

النص الأصلى:
https://bit.ly/2Cva4yf

 

التعليقات