إعلام ما بعد الحقيقة فى مصر - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 يوليه 2020 7:27 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

إعلام ما بعد الحقيقة فى مصر

نشر فى : الأحد 17 سبتمبر 2017 - 10:20 م | آخر تحديث : الأحد 17 سبتمبر 2017 - 10:20 م
أتردد كثيرا فى إطلاق تعبير أدوات الإعلام عندما أقرأ صفحات الكثير من جرائدنا أو أشاهد بعض البرامج الحوارية على قنواتنا التليفزيونية. الإعلام سواء فى اللغة العربية أو فى اللغات الأجنبية التى أخذنا هذا التعبير منها هو الإخبار بمعلومة تنير من يعرف بها سواء من خلال القراءة أو المشاهدة أو السمع، ومن ثم يصبح أكثر علما بما يدور فى دولته أو الدول الأخرى أو حتى فى الطبيعة والكون. ليس هذا هو ما يجرى فى مصر. بل يمكن القول إن كثيرا مما ينشر أو يذاع وخصوصا ما يحتل اهتمام المشرفين على هذه الأجهزة لا ينقل للمواطنات والمواطنين علما متمثلا فى حقائق، وإنما ينتمى إلى ما أصبح يسمى عالم ما بعد الحقيقة، بالتجاهل التام للحقائق المقبولة والمعروفة والمشهود بصحتها لدى أغلبية العارفين بهذه الأمور، وبرواية قصص أخرى من وحى الخيال لا تمت للواقع بصلة، والبناء عليها وتضخيمها، والترويج لها، وتكرار سردها حتى تصبح هى تصورا بديلا للعالم لا يمت للعالم الحقيقى بصلة. لا يكتفى المرددون لهذه الحكايات وليدة الخيال بما يفعلونه مع القارئ أو المشاهد أو المستمع المصرى المسكين الذى قد لا تتوافر له وسائل أخرى لمعرفة ما يجرى فى العالم، بل يجرؤ بعض منهم على اقتراح الانتقال إلى عواصم العالم الكبرى، وخصوصا بالطبع الولايات المتحدة الأمريكية، والالتقاء بصحفيين وإعلاميين لإقناعهم بروايتنا نحن، وكأن ما بعد الحقيقة يمكن أن يحل محل الحقيقة، ويصبح أساسا لتشكيل الرأى العام فى الدول الأخرى. وعندما لا تجد صحفنا وقنواتنا التليفزيونية مجالا لابتداع الجديد فى مجال ما بعد الحقيقة، فإنها تلجأ إلى صرف اهتمام القارئ أو المشاهد عن واقعه المعاش بتلهيته بقصص ومسلسلات ترسم له عالما ورديا، أو تطرح قضايا لا علاقة لها بما يشغله فى حياته اليومية.

***

الذى يدعو إلى إثارة هذه المسألة اعتباران، الاعتبار الأول هو الدور الخطير الذى مازالت الصحف والقنوات التلفزيونية تلعبه فى تشكيل الرأى العام، فعلى الرغم من شيوع أدوات التواصل الاجتماعى من خلال الشبكة العنكوبتية مثل فيس بوك وتويتر ويوتيوب، إلا أن الصحف وقنوات التليفزيون ما زالت هى الأكثر فعالية فى تشكيل الرأى العام، فهى تعتبر الأدوات الموثوقة للإعلام بمعناه الحقيقى، ولذلك وعلى الرغم من لجوء العديد من قادة العالم لأدوات التواصل الاجتماعى هذه، إلا أنهم يحرصون أيضا على مخاطبة المواطنين من خلال الصحف وقنوات التليفزيون بل حتى وموجات الإذاعة. ولا يمثل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بهجومه على الصحافة وقنوات التليفزيون الرئيسية فى الولايات المتحدة سوى استثناء محدود فى هذا السياق. فهذه الأدوات تسهم فى تحديد قائمة اهتمامات الرأى العام، وتصوغ القضايا المختلفة على نحو خاص، وتعطى أولوية لموضوعات قبل موضوعات أخرى، بل ربما تتجاهل هذه الموضوعات الأخرى. فى الدول التى تحترم حقوق الإنسان الأساسية خصوصا الحق فى التعبير تتنوع توجهات الصحف والقنوات التليفزيونية والإذاعات، فلا تحتكر أى منها أداء هذه الوظائف، ومن ثم فإن توجهات الرأى العام هى محصلة لما تقوم به كل هذه الأدوات مع الاختلافات القائمة فيما بينها، فلا يصبح الرأى العام الأمريكى مثلا أسيرا لمن يتفقون مع الرئيس فى أن المهاجرين الأجانب هم خطر على الولايات المتحدة الأمريكية، أو يصبح الرأى العام البريطانى منعدم الحيلة أمام من يرون أن خلاص بريطانيا من مشاكلها هو بسهولة من خلال الانسحاب من الاتحاد الأوروبى. طبعا عرف العالم وما زال يعرف نظما لا تحترم جملة من حقوق الإنسان، ومنها حريات التعبير والنشر، تتحول الصحف والإذاعة والتليفزيون فيها إلى أدوات للتعبئة الجماهيرية، وحشد المواطنين وراء أهداف الحزب الحاكم، سواء كان هذا الهدف هو بناء الاشتراكية أو مقاومة الاستعمار، أو بناء القوة العسكرية أو تحقيق الوحدة العربية. عندما نتأمل موقف بنية هذه الأدوات فى مصر ونتساءل ما هى رسالتها على أرض الواقع، نكتشف أنها لا تسعى لتكوين الرأى العام المستنير، على الرغم من النوايا الطيبة للأجهزة الإعلامية الجديدة، وليس هناك من هدف تسعى لتعبئة الرأى العام وراءه، فمع خطورة الإرهاب، وأهمية السياسات الاقتصادية للحكومة، فالأولى تبدو للأسف تهديدا لرجال الأمن أنفسهم أو للمواطنين المسيحيين أحيانا، والثانية تعجز كل هذه الأدوات عن إقناع المواطنين بأنها تعود عليهم بالنفع وهم لا يرون منها سوى آثارها السلبية على مستويات الدخل والفقر، مهما كانت وعود الحكومة بما يمكن أن يحدث على المدى البعيد. فهل تصبح وظيفة إعلامنا فى عالم ما بعد الحقيقة هى التضليل وصرف أنظار المواطنين عن القضايا الأكثر أهمية للوطن.
***

الاعتبار الثانى هو انغماس الكثير من صحفنا المسماة بالقومية وقنواتنا التليفزيونية بل وأجهزة الدولة فيما أسميه بعالم ما بعد الحقيقة، بالحملة التى تشنها على منظمة مراقبة حقوق الإنسان بسبب تقرير نشرته عن انتهاكات حقوق الإنسان فى مصر، وبسبب ترديدها لما يقوله كبار المسئولين الحكوميين عن بداية ظهور مؤشرات نجاح الإصلاح الاقتصادى. يعجب المرء من هذه الحملة على تلك المنظمة وكأن القول بوجود انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان فى مصر هو باطل الأباطيل على حين أن التجربة المباشرة بل وما تنشره نفس الصحف يشير إلى كثرة هذه الانتهاكات. ففى نفس الوقت الذى كانت الصحف وقنوات التليفزيون تسهب فيه فى التعليق على اجتماع لجنة حقوق الإنسان فى مجلس النواب وبيان وزارة الخارجية واللذين نددا بالتقرير، فقد جاء فى صفحة داخلية بصحيفة الأهرام الأسبوع الماضى أن مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة والذى يرأسه أمير أردنى قد انتقد ممارسات مصر فى هذا المجال، وإذا كان المشاركون فى هذه الحملة قد فسروا موقف المنظمة العاملة فى الولايات المتحدة بأنها ممولة من قطر والإخوان المسلمين، فإنهم لم يجدوا حجة يطرحونها فى مواجهة مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، والذى لا يشكك أحد فى مصداقيته. بل وبينما كانت تحتفل هذه الصحف والقنوات بتبادل السفراء بين مصر وإيطاليا وتؤكد على أن ذلك دليل على عدم صحة الاتهامات الموجهة للحكومة المصرية بالنسبة للمسئولية عن مصرع الباحث الإيطالى الشاب جوليو ريجينى، قامت سلطات الأمن المصرية فى مطار القاهرة باعتقال محامى جوليو ريجينى المصرى، والذى كان يرأس مجموعة من الناشطين الذين يتابعون ملف الاختفاء القسرى، وهو فى طريقه لمغادرة القاهرة لحضور اجتماع لمجلس حقوق الإنسان يناقش هذا الملف. كنت أود أن أسرد على القارئات والقراء بعض ما يعرفون عن سجل حقوق الإنسان فى مصر بالاعتماد على مصادر مصرية، وكنت أفعل ذلك فى سابق الأعوام بالاستعانة بتقرير المجلس القومى لحقوق الإنسان، الذى شكلته الحكومة المصرية. كانت تقارير المجلس متاحة لى وللمهتمين أيام الرئيس الأسبق حسنى مبارك، ولكن لم أستطع الحصول عليه فى السنوات الأخيرة، لأنه حسبما علمت من عضو بالمجلس، فهو تقرير محظور النشر والتداول. إذا كان ليس لدينا ما نخشى أن يعرف به العالم عن أوضاع حقوق الإنسان فى مصر، فلماذا يحظر هذا التقرير شبه الحكومى؟ ولماذا لا تخبرنا وزارة الداخلية بعدد من تحتجزه فى سجونها؟

أظن أن الدلائل متوافرة على انتهاكات لطائفة واسعة من الحقوق المدنية والسياسية فى مصر، ومن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. والذين هاجموا تقرير منظمة مراقبة حقوق الإنسان من الصحفيين يعرفون عن المواقع الإخبارية المحجوبة وعن الإعلاميين زملائهم الممنوعين من الظهور على قنوات التليفزيون وهم كانوا يحسبون من أصدقاء النظام. وأعضاء لجنة حقوق الإنسان فى مجلس النواب يعرفون أنهم خالفوا حكم القضاء بعدم السماح للعضو المنتخب عن دائرة الدقى وهو الدكتور عمرو الشوبكى بممارسة عضويته رغم صحة انتخابه. وأظن أن حالتى الأستاذ هشام جعفر والدكتور عبدالله خطاب الأستاذ بكلية الاقتصاد والمحتجزين بدون محاكمة معروفة للكافة. سجل الانتهاكات طويل ولكنى أعتقد أنه معروف لكل مصرى ذى عقل وضمير.

***

والقضية الثانية التى تنتمى لعالم ما بعد الحقيقة هى حكاية مؤشرات نجاح الإصلاح الاقتصادى فى مصر التى بدأت فى الظهور. لا يحزن مصرية أو مصريا أن يكون ذلك صحيحا. ولكن مديونيتنا الخارجية تصاعدت إلى حدود غير مسبوقة فى ظل الإصلاح ووصلت إلى أربع وسبعين مليار من الدولارات، والرصيد الاحتياطى الذى ارتفع فى البنك المركزى لم يكن نتيجة لزيادة صادراتنا أو دخل قناة السويس بصفة أساسية، ولكنه بسبب ودائع لدول أخرى فى البنك المركزى وقروض طويلة الأجل فى أسواق الأوراق المالية العالمية ببيع شهادات المصارف المصرية، وهى بمثابة ديون واجبة السداد. لا أنكر براعة المسئولين المصرفيين فى مصر، فهذا بالفعل مدعاة للمفخرة. ولكن نجاح الإصلاح الاقتصادى مرهون بارتفاع مستويات التنمية خصوصا فى قطاعى الصناعة التحويلية والزراعة وزيادة كبيرة فى صادراتنا من السلع ذات القيمة المضافة العالية وبتحسن قدرتنا التنافسية فى الأسواق العالمية، طبعا مع انحسار الفقر وتحسن مستويات المعيشة لأغلبية المصريين، وهذا ما لا تقوله بيانات وزارة التخطيط.

أليس من الأفضل لنا أن نعيش فى عالم الحقيقة؟. لا أظن أن الرأى العام فى مصر وقد توافرت مؤشرات على فقدانه الثقة فى صحفه وقنواته التليفزيونية يعتد كثيرا بقصص ما بعد الحقيقة التى تروج لها هذه الأدوات، ولكن ما أخشاه أن ينساق صانع القرار وراءها. القرارات التى تستند إلى سرديات ما بعد الحقيقة سوف تتطاير فى الهواء عندما تصدمها رياح الحقيقة.

 

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات