الحَضارات الشّرقيّة وأثرها في الحَضارة الغربيّة - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأربعاء 28 سبتمبر 2022 1:42 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إلى أي مدى راض عن تعاقد الأهلي مع السويسري مارسيل كولر؟

الحَضارات الشّرقيّة وأثرها في الحَضارة الغربيّة

نشر فى : الخميس 18 أغسطس 2022 - 8:00 م | آخر تحديث : الخميس 18 أغسطس 2022 - 8:00 م
نشرت مؤسسة الفكر العربي مقالا للكاتب نبيل علي صالح بتاريخ 17 أغسطس تناول فيه إسهامات الحضارات الشرقية، وعلي وجه الخصوص الحضارة السورية، في تشكيل أساسيات الحضارة الغربية... نعرض من المقال ما يلي.

شهدتْ سورية منذ الألف الثامنة قبل الميلاد، نشوءَ أقدم الاستيطانات (الحضارات) البشريّة على وجه المعمورة؛ دلّت عليه ووثّقته أعمالُ الحَفْرِ والتنقيب والاكتشافات الأثريّة الواسعة التي جرت في شتّى أنحاء الجغرافيا السوريّة، بحيث لا تكاد تخلو منطقة من مناطق سورية من وجود التلال والمواقع والمباني الأثريّة التي تعود إلى أحقابٍ زمنيّة متعدّدة.

التّأثير الشّرقيّ السوريّ في حَضارة اليونان

من المَعروف أنَّ نقطة أوجِ ازدهار الحَضارة السّوريّة تعودُ تحديداً إلى الألف الثّالث قبل الميلاد، وقد استفادت الحضارةُ اليونانيّة فائدة مزدوجة من عَطاءات هذه الحضارة العظيمة وإنجازاتها وإبداعات أهلها الماديّة منها والفكريّة الرمزيّة من ناحية، وممّا نقله التجّار الفينيقيّون (الكنعانيّون) من متاجر وأفكار وعادات وصناعات بلدان الشرقَيْن الأدنى والأقصى إلى بلاد اليونان من ناحية أخرى.. والواقعُ أنَّ أعظمَ هديّة قدَّمها الفينيقيّون للحضارة الإنسانيّة كانت - بحسب ما ذكرناه - اختراع الحروف الأبجديّة منذ القرن السابع عشر قبل الميلاد، وقد اقتبسَ اليونانيّون هذه الأبجديّة الفينيقيّة منذ أواخر القرن العاشر قبل الميلاد تقريباً.
وأكَّد هذه الحقيقة المؤرّخون اليونان أنفسهم، فهذا هيرودوت يشير إلى أنَّ الفينيقيّين هُم من علّموا اليونانيّين كثيراً من العلوم والمعارف، وفي مقدّمتها الحروف الأبجديّة التي لم يكُن هؤلاء على عِلمٍ بها، أو اطّلاعٍ عليها.. ومن خلال اليونانيّين والفينيقيّين دخلت هذه الحروف إلى إيطاليا، ومن ثمّ إلى الغرب الأوروبي كلّه.
أمّا ما نقلهُ التّجارُ الفينيقيّون العاملون في المُدن والمَمالك السوريّة، إلى العالَم اليوناني من سلع وبضائع ومتاجر، فهي منقولات ماديّة ورمزيّة لا تُعَدّ ولا تحصى.. فقد نقلوا صناعاتٍ سوريّة ومصريّة ورافديّة، هذا فضلاً عن سلع الشرق الأقصى. هذا ويؤكّدُ عالِم الآثار والمؤرّخ الأميركي "جيمس هنري برستد" على أنّ اليونانيّين لم يكتفوا بشراء المصنوعات الشّرقيّة التي كانَ ينقلُها هؤلاء الفينيقيّون فحسب، وإنّما أخذوا يقلّدونها ويتعلّمون على أيدي الصنّاع الفينيقيّين الكثير من فنونها، حتّى شاع بين اليونانيّين أنفسهم فنّ الزخرفة والتزويق الشرقي (المُساهمة الفرنسيّة في دراسة الآثار السوريّة بين عامَي 1969 - 1989، 1989).
إذاً هناك الكثير من التأثيرات الشرقيّة التي ظهرت في الحضارة اليونانيّة. وإذا ما رجعنا إلى اليونانيّين أنفسهم، فإنّنا نجدُ لديهم – في بعض متونهم وشروحاتهم الفكريّة والمفاهيميّة الأساسيّة المهمّة التي وصلتنا - اعترافاتٍ واضحة بأسبقيّة حضارات الشرق القديم وأهميّة إنجازاتهم الحضاريّة الماديّة والمعنويّة في شتّى أشكال الصنائع والاختراعات والآداب والفنون. وعلى هذا فقد تحدّث المؤرِّخ اليوناني "هيرودوت" - في القرن الخامس قبل الميلاد - عن عظمة حضارة المصريّين القدماء، وتفوّقها على حضارة بلاده (اليونان) في كثير من الصّناعات والمجالات والفنون العمليّة، وذكَرَ ما يدينُ به فلاسفة اليونان وعلماؤهم (الشيخ محمّد كامل عويضة، الفلسفة والمدارس الفلسفيّة المحدثة، سلسلة رقم 19، طبعة عام 1995).
والواقعُ أنّ التّأكيدَ على المَنابع الشّرقيّة للحضارة اليونانيّة القديمة لا يُعدُّ بحالٍ من الأحوال تقليلاً من قيمة هذه الحضارة ولا تصغيراً لدَورها الحيوي في بناء هيكل الحضارة الإنسانيّة ككلّ. فنحنُ – مثلاً - لا نُقلّل ولا ننتقص من قيمة حضاراتنا الشرقيّة وبالذات حضارتنا العربيّة الإسلاميّة عندما نعترفُ بتأثّرها وتفاعلها الخصب مع بقيّة حضارات الأُمم الأخرى شرقاً وغرباً على السّواء، وفي مقدّمتها الحضارة اليونانيّة القديمة، والتي غدا علماؤها وفلاسفتها أكثر شهرة في العالَم العربي والإسلامي، ممّا كانوا عليه حتّى في الغرب الأوروبي والعالَم البيزنطي في العصور الوسطى (عادل زيتون، "تراث الشرق في حضارة اليونان"، مجلّة العربي، العدد 595، يونيو 2008). وإذا ما كانَ الوفاءُ واحترام الآخر والاعتراف بالجميل من أهمّ القيَم والآداب السلوكيّة الإنسانيّة الرفيعة في العلاقات الاجتماعيّة، فإنّها تُشكّل شرطاً أساسيّاً لقيام حوارٍ جادّ ورصين بين الحضارات. ولهذا فإنّ نظريّة "المعجزة اليونانيّة" تتناقضُ مع حقائق التاريخ والعِلم والعقل، أي مع حقائق الإنسانيّة المفكِّرة في أصل الاختلاف والتكامُل.
• • •
واليوم، يُمكننا أن نعثر في الغرب على كثير من الباحثين والمفكّرين الرافضين لمقولة المعجزة اليونانيّة، بل يُمكن القول بوجود تيّار فكريّ قويّ يمضي اليوم في اتّجاه إعادة النظر في ما يسمّى بـ(المعجزة اليونانيّة). وهناك محاولات مهمّة لكشف الحقيقة، والتي تتّصف بالطابع العلمي في تفنيد نظريّة المعجزة اليونانيّة وإثبات المصدر المصري بخاصّة والشرقيّ بعامّة، تتمثّل في ما كَتبه المؤرِّخ الفرنسي "ألبار يوفتن" والفيلسوف "ألبار بونان" والطبيب "جون برنارد بولاي" والعلاّمة "ماير" و"دنكر" و"روبرتسون"، وغيرهم من المهتمّين بالموضوع. فقد رأى "ماير" مثلاً أنّ المدنيّة اليونانيّة لم تبدأ في الرقيّ الحقيقيّ إلّا بعد أن احتكّتْ بالشرق في "أيوليا" و"أيونيا" في آسيا الصغرى، بينما ذهب "دنكر" إلى الرأي نفسه حين قرَّر أنّه لم يبقَ من شيء في مدنيّة اليونان لم يلحق به تأثير الشرق في آسيا الصغرى، ولا يُستثنى من ذلك الدّين اليونانيّ الذي اقتبس كثيراً من المُعتقدات والأفكار الشرقيّة (خزعل الماجدي، الدّين المصري، طبعة 1999). أمّا "روبرتسون" فيقول في كتابه "تاريخ حريّة الفكر" إنّنا مهما قلَّبنا وجوه الرأي وأَمعنّا في البحث، فلن نعثرَ على مدنيّة يونانيّة أصيلة بريئة من التأثُّر بالحضارات الشرقيّة"، غير أنَّ الإعجابَ الشّديد باليونانيّين هو الذي جعلَ جمهرة من أصحاب الرأي تصرّ على إنكار تأثُّر حضارة اليونان بحضارات الشرق. وهناك مفكّرون آخرون ينتمون إلى هذا التيّار الذي لم يؤمن بنظريّة المعجزة اليونانيّة، منهم "جلاديش" و"روث" و"ألبير فور" و"جورج سارتون" و"روجيه غارودي وغيرهم" (حسن طلب، أصل الفلسفة، القاهرة، طبعة العام 2003(.
لكنْ ما يحزّ في النَّفس للأسف، أنّه وعلى الرّغم من كلّ نتاجات العقل الإنساني، وتوفُّر إمكانات هائلة للنفاذ إلى حقائق التاريخ والجغرافيا، وعلى الرّغم من كلّ تلك الاعترافات لكبار شخصيّات الغرب بأهميّة الحضارات الشرقيّة ومدى تأثيرها على الحضارات الأخرى بما فيها حضارة اليونان، ما زال العقل الغربي مُرتهناً لأسطورة التّكوين والبدايات بشكلٍ بنيوي خلاصي عميق.. فالغرب في بنيته العقليّة ما زال هو الغرب المجبول والمعجون بفكرة المعجزة، وهو العقل الناتج عن معجزة عقليّة وفلسفيّة عمليّة لليونان القديم، ولفكرة الإنسانيّة الّتي ظهرت في الحضارة الرّومانيّة، ولأخلاقيّات الكتاب المقدّس والتّجديد البابويّ في القرنَين الحادي عشر والثّالث عشر.. وهذا الكلام نلمسه في كثير من الدراسات الفكريّة لبعض أقلام الغرب المهمّة التي ما زالت تُكرِّس في ذهنيّة الناس تلك الأفكار النمطيّة لنقاء الغرب وأصالة حضارته وعدم اقترانها مع أيّة مؤثّرات أجنبيّة... (يُراجع بهذا الخصوص كتاب فيليب نيمو Qu'est ce que l'Occident )
وللأسف فقد نجحتْ تلك الأقلام في تكريس نمطٍ واحد أو قراءة واحدة لحركة التاريخ بأحداثه ووقائعه ومختلف تحوّلاته وفاعليّة الإنسان في مجرياته، وهي القراءة السائدة اليوم، والتي نراها محكومة في أغلب جوانبها بخلفيّاتٍ سياسيّة ودوافع عنصريّة، يمكنُ أن نعتبرها اليوم امتداداً لحركة الاستشراق الغربي لعوالم الشرق بهدف استغلاله ونهْبه والتحكُّم بموارده وعَيشه.

إنّ الحضارات البشريّة التي عاشت في التاريخ، قدَّمت كلّها إنجازاتٍ حضاريّة ماديّة ورمزيّة، أي أنّ الجميع أَسهم في نهر الحضارة الإنسانيّة المستمرّة من دون استثناء لأمّة أو جماعة، بما فيهم الحضارة العربيّة والإسلاميّة، (بكلّ ما تختزنه من مكوّناتٍ ورؤىً ونتاجاتٍ عقليّة وعاطفيّة) التي احتوت وهَضَمَت وأعادت إنتاج الكثير من ذلك التراث اليوناني والروماني، بما يجعلنا نقول إنَّ العرب والمُسلمين لم يكونوا مجرّد وسطاء أو ناقلين لحضارات الآخرين (في الغرب أو في الشرق على السواء) بأفكارها ومعارفها ونتاجاتها؛ بل هُم كانوا فاعلين ومؤثّرين فيها من خلال ما قدّموه من عطاءاتٍ جديدة وأيضاً عبر ما أعادوا قوْلبته وصياغته وهضْمه من أفكارٍ ومَعارف ونِتاجات الشعوب والأُمم الأخرى. وبما يدفعنا للقول إنّنا أمام تاريخ حضاريّ إنسانيّ وكَونيّ شامل يُجسِّد – في وعينا له - إسهاماتِ وتراثاتِ كلّ الشعوب البشريّة، ثقافيّاً وعِلميّاً.
وفي قناعتي هذا الاعتزاز بحضاراتنا الشرقيّة القديمة، وتصدّينا اليوم لمُحاولات الانتقاص من قدرها، وتحويل الأنظار عمّا أعطته للإنسانيّة من مَعارف وخبرات ومجهودات ونتاجات ماديّة ورأسمال نظري ثري وكبير، يحمّلنا نحن الأجيال الحاليّة واللّاحقة مسؤوليّة كبرى على أكثر من صعيدٍ وجِهة، فمِن جهة يجب العمل على استرداد آثارنا المنهوبة لدى متاحف الغرب، والتي يعرضها في متاحفه ومعارضه، وهي آثارٌ ولقىً وتحفٌ أثريّة قيّمة للغاية ماديّاً ومعنويّاً وتاريخيّاً، نُهبت من أراضينا - خلال القرنَين الماضيَين - على يد المُستعمِر وبعثاته الأثريّة التي عَملتْ في معظم مواقعنا وتلالنا الأثريّة في عالمنا العربي والإسلامي، ومن ثمّ يجب العمل بل الانكباب على دراستها وتقييمها وتحليلها واستخراج معانيها ومبانيها المعرفيّة الكثيرة الوافرة؛ ومن جهة أخرى يجب الاهتمام بمواقعنا الأثريّة الكثيرة والهائلة وتوسيع نطاقات الحفريّات الأثريّة في تلك الأمكنة والمَواقع الأثريّة التي لم يتمّ الكشف عنها بعد، مع ضرورة دراسة النتائج الناجمة عن تلك المجهودات التنقيبيّة لحضاراتنا الشرقيّة.
النص الأصلي https://bit.ly/3c1vx3G بنود مترابطة - 4
التعليقات