«فتوى».. حينما تبدع السينما فى مواجهة جماعات الظلام - خالد محمود - بوابة الشروق
الجمعة 14 مايو 2021 9:17 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


«فتوى».. حينما تبدع السينما فى مواجهة جماعات الظلام

نشر فى : الأحد 20 يناير 2019 - 8:50 م | آخر تحديث : الأحد 20 يناير 2019 - 8:50 م

كثرت فى الآونة الأخيرة الافلام التى تتطرق لتجنيد الشباب للانضمام للجماعات المتطرفة، سواء كانت عربية أو أوروبية، لكن قليلا منها ما طرح رؤية سينمائية مدهشة فنيا بديعة فى مفرداتها، دون الوقوع فى فخ المباشرة، مثلما جاء فيلم «فتوى» للمخرج التونسى محمود بن محمود، وفيه يصور وقائع الحياة اليومية للتونسيين من خلال التحولات السياسية والاجتماعية، بل والتراجيدية التى عاشها التونسيون عقب وصول الحركة الإسلامية للحكم بعد انتخابات أكتوبر 2011 وانتهت بحصيلة دموية كان ثمنها غاليا.


الفيلم الذى شاركت تونس وبلجيكا فى انتاجه، يتناول قصة إبراهيم الناظور، تونسى مقيم فى فرنسا، يعود إلى تونس لحضور جنازة ابنه الوحيد مروان الذى لقى مصرعه فى حادث دراجة نارية. فى الطريق الرابطة بين قربص وسليمان، يكتشف الاب أن ابنه كان ينشط فــى خليــة إســلامية متشددة، فيقرر القيام بتحقيقه الخاص لفهــم ماحدث ولمعرفة كيف اتخذ ابنه هذا المنحى إلــى التطــرف وللتعرف على الأشخاص الذين غيروا أفكاره وهو الذى كان يعشق الحياة على اتساعها بل ويهوى الفنون والرسم على وجه التحديد، حتى أنه رسم نفسه وهو بالذقن وشكله الجديد، ربما كان فى لحظة مواجهة لواقعه الجديد الذى غاب به عقله فى واحد من أهم مشاهد العمل وأكثرها عمقا.


فى الفيلم الذى تدور أحداثه عام 2013، يلتقى ابراهيم «أحمد الحفيان» بطليقته لبنى (غالية بن علي) فى إطار الاستعدادات لدفن ابنه وأثناء الجنازة وفى المقبرة تتصادم العائلة مع اصدقاء ابنهما القتيل من السلفيين الذين يرفضون حضور الأم فى وداع ابنها الوحيد باعتبارها «عورة» وعارية الرأس، ومن هنا تبدأ شكوك الوالد فى حقيقة وفاة ابنه، فيقرر البحث عن الحقيقة مهما كان الثمن، ويبدأ من الشقة التى لجأ اليها ابنه فى منطقة المر الشعبية بعد أن تصادم مع أمه عضوة المجلس التأسيسى واليسارية احتجاجا على سلوكها المتحرر ومواقفها ضد الاسلاميين المتشددين، فيتخلى عن عالم الفنون التشكيلية وعشقه للفن ويختار الاقامة فى حى المر الذى حوله السلفيون إلى ما يشبه المقبرة على حد عبارة صاحب المقهى الذى يقع بالقرب من المنطقة.


وفى تلك الشقة يكتشف ابراهيم الناظور أن ابنه كان متورطا فى الانتماء للجماعات السلفية من خلال ما وجده من كتب واسطوانات، ويتعرف على لطيفة (سارة الحناشي) الزوجة الشابة التى تعانى من عنف زوجها موسى أبوصوف الذى لا يكف عن تعنيفها، وتلجأ له ذات ليلة هربا من تعنيف زوجها لتعترف له فى لحظة ضعف وصدق بأن ابنه مات مقتولا بعد ان قرر بالاتفاق على الفرار من جحيم الجماعة السلفية، كما تعترف له بأن طليقته لبنى على قائمة الاغتيال.
وبعد أن أنهى إبراهيم رحلة البحث عن حقيقة وفاة ابنه وإعلام طليقته بها، يعود إلى فرنسا ولم يكن يعلم ان الاغتيال له هو الذبح من احد المتطرفين ينتظره أمام المطار، وهو المشهد الذى انتهى به الفيلم، وكأن المرارة مستمرة.
قدم الفيلم صورة سينمائية واقعية أكثر من رائعة عبر سيناريو ذكى ومتناغم، حيث طرح قضية تجنيد الشباب التونسى بالتيارات الدينية وتسفيرهم للانضمام إلى الجماعات الدعوية، والتشجيع على ممارسة العنف، دون شعارات أو صورة زاعقة، فنحن لم نر سوى «تطشات» بسيطة عن هذا العالم المتشدد، حتى مروان نفسه لم نشاهده، فى سرد القصة، اختار محمود بن محمود أن تكون أحداثه واقعة عام 2013، وهو العام الذى شهد مآسى عدة، فالفيلم بمثابة شهادة ورؤية فنية ثاقبة، تطرح العديد من التساؤلات، فلم يكن سفر الاب، وانفصاله عن زوجته مبررا حتميا لانخراط الابن فى تلك الجماعات والتنازل عن أحلامه وتبديلها بكوابيس اودت بحياته لمجرد انه اكتشف اوهام عالمه الجديد، وهو ما لمسناه فى لحظة عتاب بين الابوين ليهمس كل منهما بمسئوليته عن وفاة الابن، لكن المخرج وسياق الأحداث كان هدفهما اكبر من ذلك، فالقصة اهم من الاعتراف بالذنب، فى مشاهدها يكمن تغلل هذا التيار واستغلاله الفرصة ليلعب بعقول وأفكار ضعفاء جيل.


الفيلم بحق جرىء فى طرحه الموضوعى، ونبشه فى جوانب مظلمة. لينير للمجتمع الطريق، سيذكره العديد من التونسيين طويلا؛ لأنه انتصر لإرادة وحب الحياة وتصدى بمصداقية لثقافة العنف والظلامية.

خالد محمود كاتب صحفي وناقد سينمائي
التعليقات