يشهد العالم تحولًا جوهريًا فى طبيعة الحروب مع تسارع إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعى فى المجالات العسكرية؛ الأمر الذى أدى إلى إعادة صياغة التوجهات العسكرية للعديد من الدول؛ حيث إن الأدوات العسكرية المدعومة بالذكاء الاصطناعى تُعيد رسم ملامح الحروب الحديثة، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات على العمليات الميدانية، والاستخدام الأخلاقى للقوة العسكرية. وفى هذا السياق، تتسابق الدول لإدماج الذكاء الاصطناعى فى العمليات العسكرية. ولعل النموذج الأبرز على ذلك أوكرانيا وروسيا فى ظل مساعى الدولتَين إلى تطوير الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعى وتوظيفها فى الصراع القائم بينهما.
• • •
يمكن رصد أبرز نماذج استخدامات الذكاء الاصطناعى فى المجال العسكرى وفقًا لما يلى:
1- تطوير أنظمة تحديد الأهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعى: شهد المجال العسكرى تحولًا نوعيًا مع بروز أنظمة تحديد الأهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعى، التى تعتمد على تحليل البيانات الضخمة لإدماج مصادر متعددة من المعلومات الاستخباراتية، مثل الاتصالات المعترضة وصور الأقمار الصناعية وبيانات الاستشعار وأنماط الحركة. وقد مكَّنت هذه الأنظمة من الانتقال من عمليات الاستهداف التقليدية البطيئة إلى نماذج أكثر سرعةً وكفاءةً؛ حيث أصبحت قادرة على تحديد الأهداف المحتملة فى زمن قياسى؛ ما يعزز القدرة العملياتية، ويزيد من فاعلية التخطيط والتنفيذ العسكرى.
وفى هذا السياق، يبزغ برنامج Maven التابع لوزارة الدفاع الأمريكية؛ حيث أُطلق عام 2017 كتجربة محدودة لمساعدة المحللين العسكريين على فهم الكمِّ الهائل من تسجيلات الطائرات المسيِّرة الواردة من مناطق النزاع. واستمرت عملية التطوير فى البرنامج على مدار السنوات الماضية ليصبح نظامًا واسع النطاق للمساعدة فى تحديد الأهداف وإدارة ساحة المعركة باستخدام الذكاء الاصطناعى؛ ما أسهم فى تسريع ما يُعرف فى العمليات العسكرية بـ«سلسلة القتل»؛ أى العملية الممتدة من اكتشاف الهدف إلى تدميره. وبمعنى آخر، أدى ذلك إلى تسريع وتيرة العمليات العسكرية بشكل غير مسبوق، ومن ثم تقليص الوقت اللازم لاتخاذ القرار من أيام أو ساعات إلى دقائق.
2- إشارة تقارير إلى تحوُّل حرب إيران إلى مختبر لتطوير حروب الذكاء الاصطناعى: أشار عدد من التقارير الغربية إلى توظيف الصين الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى كمختبر تجريبى فعلى لتطوير حروب الذكاء الاصطناعى المستقبلية، فى سياق تنافسها الاستراتيجى مع الولايات المتحدة. وبحسب التقارير، فإن الدعم الصينى القائم على الذكاء الاصطناعى فى مجال الاستخبارات والمعلومات، يجعل الصراع يأخذ طابعًا جديدًا؛ حيث تعمل شركات تكنولوجيا صينية يرتبط بعضها بشكل غير مباشر بالمؤسسة العسكرية، على تطوير وتسويق أدوات استخبارات تعتمد على الذكاء الاصطناعى، قادرة على تتبُّع تحركات القوات الأمريكية، وتحليل صور الأقمار الصناعية ورصد حركة الطائرات والسفن العسكرية، وإنتاج تحليلات دقيقة حول انتشار القوات.
3- بروز النموذج الأوكرانى فى الحروب المعززة بالذكاء الاصطناعى: يُعد الصراع الروسى ــ الأوكرانى من أبرز النماذج التى تجسِّد التحول نحو الحروب المعتمدة على الذكاء الاصطناعى؛ فقد استخدمت أوكرانيا تقنيات متقدمة لتحليل أكثر من (50.000) مقطع فيديو شهريًا من خطوط المواجهة؛ ما مكَّنها من تحديد مواقع القوات الروسية، وتحديث الخرائط العملياتية بشكل مستمر، كما استُخدمت الطائرات المسيَّرة المنخفضة التكلفة لتنفيذ عمليات استطلاع وهجمات دقيقة؛ الأمر الذى أتاح تحقيق تأثير عسكرى كبير بتكلفة محدودة. وقد أدى التنافس بين قدرات الحرب الإلكترونية ومشغلى الطائرات المسيَّرة إلى ابتكارات جديدة، مثل استخدام كابلات الألياف الضوئية لتجاوز عمليات التشويش. وفى هذا السياق، أصبحت المعركة تدور حول الهيمنة فى مجال الطائرات المسيَّرة؛ حيث تسعى كلٌّ من أوكرانيا وروسيا إلى تحقيق اختراقات تكنولوجية؛ ما قد يُحوِّل الحروب مستقبلًا إلى صراع بين الخوارزميات.
4- توجه روسى لتطوير الذكاء الاصطناعى فى المنظومة العسكرية: أكد الرئيس الروسى «فلاديمير بوتين»، يوم 10 أبريل 2026، ضرورة التحول نحو رقمنة المنظومة العسكرية وأنظمة القيادة والسيطرة فى روسيا، كما شدَّد على أن سيادة روسيا وأمنها القومى يعتمدان بشكل مباشر على قدرتها على مواكبة هذا التحول التكنولوجى، وهو ما يعكس إدراكًا روسيًا لطبيعة المنافسة الدولية فى مجال «حروب الخوارزميات». وفى السياق ذاته، أشار «بوتين» إلى أن القوى العسكرية الكبرى تستثمر بكثافة فى الذكاء الاصطناعى وتُحقِّق «نتائج ملموسة».
• • •
يفضى هذا الاهتمام الدولى بتعزيز توظيف الذكاء الاصطناعى فى المجال العسكرى إلى عدد من التداعيات المحتملة المتمثلة فيما يلى:
1- بروز سباق تسلح تكنولوجى عالمى: يشير التوسع فى استخدام الذكاء الاصطناعى العسكرى إلى نشوء سباق تسلح تكنولوجى بين القوى الكبرى؛ فقد شهد عام 2025 أقوى عام تمويلى فى تاريخ شركات التكنولوجيا الدفاعية الناشئة؛ حيث ارتفع الاستثمار بشكل غير مسبوق، مدفوعًا بتزايد الطلب العسكرى على تقنيات الذكاء الاصطناعى والطائرات المسيَّرة والأنظمة المستقلة. وارتفعت قيمة صفقات رأس المال الاستثمارى فى قطاع تكنولوجيا الدفاع إلى مستوى قياسى بلغ (49.1) مليار دولار عام 2025، مقارنةً بـ(27.2) مليار دولار فى عام 2024. وتشمل هذه البيانات الشركات الناشئة التى تُقدِّم تقنيات ذات استخدام مزدوج، بما فى ذلك الشركات التى تركز أساسًا على الأسواق المدنية، لكنها تمتلك تطبيقات دفاعية.
2- المخاوف من مخاطر التصعيد النووى فى الحروب: حاول عدد من الأدبيات دراسة تأثير دور الذكاء الاصطناعى فى عملية اتخاذ القرار على احتمالات التصعيد النووي؛ حيث افترض البعض أن الاعتماد على الأنظمة الذكية قد يؤدى إلى تقليص الزمن المتاح لصناع القرار، وهو ما يحد من فرص التقييم المتأنى خلال الأزمات، كما أن الطبيعة المعقدة لبعض خوارزميات الذكاء الاصطناعى قد تُضعف قدرة الدول على فهم سلوك الخصوم أو تفسير إشاراتهم بدقة. ومن ثم، قد تتراجع فاعلية آليات الردع القائمة على وضوح الإشارات والتقدير المتبادل، بما يزيد من احتمالات سوء الفهم والتصعيد النووى غير المقصود.
3- تزايُد الاهتمام الدولى بضبط استخدامات الذكاء الاصطناعى: يُعد القرار الصادر عن الأمم المتحدة فى ديسمبر 2025 بشأن «الذكاء الاصطناعى فى المجال العسكرى وآثاره على السلم والأمن الدوليَّين» خطوة إيجابية؛ إذ يشجع القرار على إجراء مناقشات متعددة الأطراف. ومن المقرر عقد اجتماع متعدد الأطراف لمدة ثلاثة أيام فى يونيو 2026؛ ما يوفر فرصة لتبادل الآراء والتشاور حول استخدام الذكاء الاصطناعى فى النزاعات المسلحة. وتمثل هذه المناقشات سبيلًا لتعزيز بناء الثقة، وقد تُمهِّد الطريق لاعتماد أفضل الممارسات المشتركة. وفى غياب مثل هذه الجهود، فإن المخاطر المحتملة لاستخدام الذكاء الاصطناعى فى النزاعات تظل جسيمة.
4- احتمالية وصول التكنولوجيا إلى الفاعلين من غير الدول: أدى انخفاض تكلفة تقنيات الذكاء الاصطناعى والطائرات المسيَّرة إلى تمكين الجهات غير الحكومية من امتلاك قدرات عسكرية متقدمة؛ حيث لم يَعُد التفوق العسكرى التقليدى مقتصرًا على الدول الكبرى، بل أصبح فى متناول الفاعلين من غير الدول والجماعات المسلحة ذات الموارد المحدودة؛ فقد أسهمت تقنيات الذكاء الاصطناعى فى خفض تكلفة تطوير واستخدام القدرات العسكرية المتقدمة، مثل الطائرات المسيَّرة، والأنظمة الذاتية التشغيل، وأدوات الحرب السيبرانية والمعلوماتية، وهو ما يمكن أن يمنح الجماعات المسلحة قدرة على إحداث تأثيرات استراتيجية بتكاليف محدودة، كما أن استخدام الذكاء الاصطناعى التوليدى فى إنتاج مواد دعائية ومضللة أسهم فى تعزيز قدرات هذه الجماعات فى مجال الحرب المعلوماتية، من خلال التأثير على الرأى العام وزعزعة الاستقرار السياسى والاجتماعى للدول المستهدفة.
وختامًا، لم يَعُد الذكاء الاصطناعى احتمالًا مستقبليًا بعيدًا فى ساحة المعركة، بل أصبح واقعًا يتطور فى الوقت الحقيقى. فمن الاستهداف الدقيق إلى اتخاذ القرارات الاستراتيجية، يعيد الذكاء الاصطناعى تشكيل وتيرة وأدوات الحرب. وقد أسهمت الحرب فى أوكرانيا فى تسريع هذا التحول، بينما قد يؤدى أى صراع مستقبلى، مثل نزاع محتمل حول تايوان، إلى تسارُع أكبر فى وتيرة التغيير. وفى ظل غياب إطار قانونى دولى شامل ينظم استخدام الذكاء الاصطناعى فى النزاعات المسلحة، تبرز الحاجة الملحة إلى تطوير قواعد ومعايير دولية تضمن الاستخدام المسئول لهذه التكنولوجيا، بما يسهم فى تعزيز السلم والأمن الدوليَّين، والحد من المخاطر الإنسانية المرتبطة بها.
وصال ورفلى
موقع إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية