التغيير بالديمقراطية في المملكة المغربية - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الثلاثاء 26 أكتوبر 2021 11:44 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


التغيير بالديمقراطية في المملكة المغربية

نشر فى : الثلاثاء 21 سبتمبر 2021 - 9:15 م | آخر تحديث : الثلاثاء 21 سبتمبر 2021 - 9:15 م

لقد اتبعت المملكة المغربية منهج التغيير عن طريق الديمقراطية بالانتخابات التى تتيح للمواطنين حرية الاختيار لما يرون أنهم أفضل نسبيا من الآخرين المنافسين لهم، وذلك وفقا لأطروحات كل فريق وفى إطار الأوضاع والظروف والملابسات القائمة، والأطر الثقافية والقانونية السائدة. وجرى العمل بهذا المنهج الديمقراطى بوضوح أثناء انتشار ثورات الربيع العربى فى المنطقة انطلاقا من تونس، ومصر، وليبيا، وسوريا، وتأثيرها الواضح على الأمر بالانتخابات الديمقراطية، وترك صندوق الانتخابات ليقرر من الفائز؛ هل هو التيار الإسلامى المدعوم إقليميا ودوليا، أم التيار المدنى الذى كانت له الغلبة لعقود رغم ما قد يتحلى به من لمسات دينية إسلامية فى بعض الدول العربية تماهيا مع الأغلبية الشعبية لا أكثر.

وعندما أجريت الانتخابات فى المغرب عام 2011 حقق حزب العدالة والتنمية، ذو المرجعية الإسلامية والعلاقات مع جماعة الإخوان المسلمين، فوزا كبيرا أتاح له رئاسة وتشكيل الحكومة وفق رؤاه وسياساته، وتصدر المشهد السياسى برلمانيا وتنفيذيا، وحقق وقتئذ تطلع الشعب المغربى إلى التغيير فى إطار الموجات السائدة فى المنطقة، وامتصاص حالة الاحتقان من الشارع المغربى والعودة إلى مسار الحياة العادية بعيدا عن التقلبات العنيفة التى شهدتها الدول العربية الأخرى التى اندلعت فيها ثورات الربيع العربى، وتفويت الفرصة على تدخل قوى إقليمية ودولية لتأجيج هذه الثورات وتحويل مسارها وفق مخططات معينة.

وكانت السنوات الخمس الأولى التى تولى فيها حزب العدالة والتنمية قيادة المشهد السياسى فى المغرب ما بين 2012ــ2016 اختبارا لمدى قدرته على تحقيق أقصى ما يمكن من تطلعات الشعب المغربى فى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والخدمات العامة من تعليم وصحة ومرافق عامة، خاصة أن الشعب كان فى حالة ثورة تطلعات واعتقادا منه بأن حزب العدالة والتنمية بمرجعيته الإسلامية أقدر على تحسين الأوضاع الاجتماعية ومكافحة الفساد، وإنعاش الاقتصاد الاجتماعى من أجل تخفيف البطالة والفقر ورعاية المناطق المهمشة والمناطق النائية على أطراف المملكة المغربية. ولكن الواقع العملى كان أكبر من إمكانيات الحزب وخبراته فى الحكم، وجاءت الإنجازات أقل بكثير من التطلعات الشعبية، ومن ثم عندما أجريت الانتخابات فى عام 2016 تراجع عدد المقاعد البرلمانية التى حصل عليها الحزب وكان لابد من قبول الدخول فى ائتلاف أكبر مع أحزاب أخرى لتشكيل الحكومة وهو ما تطلب قبول مطالب الأحزاب المؤتلفة معه، وهو ما أدى إلى تعطيل تشكيل الحكومة نحو خمسة أشهر بعد إجراء الانتخابات نتيجة الخلافات بين عبدالله بن كيران رئيس حزب العدالة والتنمية وعزيز أخنوش رئيس حزب التجمع الوطنى للأحرار، حول الأحزاب التى تدخل فى الائتلاف وتمسك بن كيران بموقفه باعتبار أنه رئيس الوزراء المكلف وأن من حقه اختيار الأحزاب التى يشكل منها حكومته، ولكن الملك أصدر أمرا بسحب التكليف من بن كيران وتكليف سعد الدين العثمانى بتشكيل الحكومة، وهو الذى تولى رئاسة حزب العدالة والتنمية خلفا لبن كيران.

وكان ذلك بداية الانقسام داخل حزب العدالة والتنمية بين أنصار بن كيران وله شعبية كبيرة فى دوائر الحزب، وبين أنصار العثمانى، حيث اعتبر أن قبوله شروط الأحزاب الأخرى فى تشكيل الحكومة إضعاف لحزبهم وتفريط فى حقه فى اختيار أعضاء الحكومة التى يرأسها. وخلال الفترة من 2016ــ2021 اعترى أداء الحكومة التى يرأسها حزب العدالة والتنمية للمرة الثانية مزيد من التراجع، وبدأت الجماهير تشعر أن قيادة الحزب الجديدة غير فاعلة وليست لديها القدرة على الإقدام لمواجهة حقيقية للمشكلات القائمة، وخاصة مطالب الشباب، واتبعت أسلوب ترحيل القضايا الأساسية أو تركها معلقة.
•••
وقد تعددت المآخذ على أداء الحكومة واتخاذها قرارات ومواقف لا تلقى تأييدا أو ترحيبا من أغلبية الشعب المغربى ومنها الموافقة على استخدام اللغة الفرنسية بدلا من اللغة العربية فى تدريس المواد العلمية، وهو ما أثار هجوما وانتقادات شديدة من جانب أغلبية المثقفين ورجال التربية والتعليم، والسماح بزراعة النباتات التى تنتج منها المخدرات. وكان من أكثر الموضوعات انتقادا للحزب هو التغيير المفاجئ لموقفه من التطبيع مع إسرائيل من الرفض إلى الدفاع عن قرار التطبيع وإعادة فتح مكاتب العلاقات واستئناف خطوط الطيران المباشر مع إسرائيل.

كما يتهم حزب العدالة والتنمية أنه خلال توليه مسئولية قيادة السلطة التنفيذية على مدى عشر سنوات لم يغير موقفه من تهميش دور المرأة، بل يتهم بأن الطبقة الوسطى والفقيرة تعرضت لانخفاض مستوى معيشتها ورعايتها من جراء الخطط الاقتصادية والسياسية للحزب، وزيادة سن الإحالة للمعاش، وإلغاء التعيين فى الوظائف واستبداله بنظام العقود المؤقتة، وإلغاء الدعم عن السلع الأساسية، واتباع نظام ضريبى مجحف بحق هذه الطبقات الاجتماعية. وانكشفت وعودهم بمكافحة الفساد بما يجرى فى الواقع، بل إن مظاهر الفساد ظهرت على بعض قيادات وأعضاء حزب العدالة والتنمية نفسه. هذا إلى جانب انحسار الدور السياسى للتيار الإسلامى فى منطقة الشرق الأوسط.
وبدأ حزب العدالة والتنمية يدرك مكامن ضعفه ويلجأ إلى انتحال الأسباب لتبريرها. فعندما تم تعديل القانون الانتخابى بأن يتم حساب النسبة التى يحصل عليها كل حزب من أصوات الناخبين فإنها تنسب إلى إجمالى عدد الناخبين المقيدين فى السجلات الانتخابية وليس عدد من أدلوا بأصواتهم فقط، وهى طريقة جديدة فى حساب القاسم الانتخابى وتوزيع المقاعد بين الأحزاب المشاركة فى الانتخابات، اعتبر أنه هو الحزب المقصود بهذا التعديل علما بأنه يطبق على كل الأحزاب. كما بدأ يتهم الأحزاب الأخرى، خاصة حزب الأصالة والمعاصرة بأنه يستخدم الأموال لشراء الأصوات، وأنه حزب مدعوم من صناع القرار. ولكن المؤشرات حتى من قبل الانتخابات العامة التى أجريت فى 8 سبتمبر 2021 لم تكن فى صالح حزب العدالة والتنمية حتى فى دوائر قاعدته الشعبية المحافظة بسبب تأييده التطبيع مع إسرائيل، كما تراجع الحزب فى انتخابات النقابات والهيئات المهنية التى أجريت فى منتصف 2021. وكان متوقعا أن يلحق بالحزب فى الانتخابات العامة خسارة كبيرة ولكن ليس إلى درجة أنه بعد أن كان له 125 مقعدا فى مجلس النواب السابق لم يحصل فى هذه الانتخابات إلا على 13 مقعدا فقط بينما حصل حزب التجمع الوطنى للأحرار على 102 مقعد، وحزب الأصالة والمعاصرة على 88 مقعدا، وحزب الاستقلال على 81 مقعدا، وأصبحت الأحزاب الثلاثة مؤهلة لتشكيل الحكومة الجديدة بأغلبية مريحة للغاية فى مجلس النواب المكون من 395 مقعدا.
•••
وقد كلف الملك رئيس حزب التجمع الوطنى للأحرار عزيز أخنوش، باعتبار أن حزبه هو الحاصل على أعلى الأصوات، تشكيل الحكومة الجديدة التى لن يشارك فيها حزب العدالة والتنمية الذى قدمت أمانته العامة ورئيسه سعد الدين العثمانى استقالتهم حيث حملهم الحزب ورئيسه السابق بن كيران مسئولية ما لحق بالحزب من خسارة فادحة فى الانتخابات. وعقب تكليفه بتشكيل الحكومة أعلن عزيز أخنوش انسحابه بشكل كلى من جميع أنشطة أعماله فى القطاع الخاص وتفرغه بشكل كامل للمسئوليات الجديدة، وذلك رغم عدم وجود مانع قانونى من استمراره فى الإشراف على أعماله.

وكما قال الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، إن الانتخابات الأخيرة نقلة نوعية فى ترسيخ المسار الديمقراطى فى المغرب، وتعزيز صورته الديمقراطية. ودعا الأحزاب السياسية إلى التحلى بالمسئولية التاريخية وتغليب المصلحة العامة لبناء مرحلة جديدة ديمقراطية. وأكد أن حزبه تجاوز مرحلة الصراع مع حزب التجمع الوطنى للأحرار، وأنه سيعمل مع جميع الأحزاب بروح وطنية خدمة لقضايا الوطن والمواطن. وأكد أن خسارة حزب العدالة والتنمية فى الانتخابات لن تنقص من وطنيته وجدية أدواره التى جسد فيها غيرته على الثوابت الدستورية ومراجع الأمة المغربية طيلة توليه الحكومة خلال ولايتين متتاليتين. ويلاحظ أن هذا الكلام عن حزب العدالة والتنمية يأتى فى إطار اتجاه حزب الأصالة والمعاصرة إلى التغاضى عن الاتهامات التى وجهها له قادة الحزب باستخدام المال لشراء الأصوات، وأنه مدعوم من جهات عليا.

وقد حرصت الأحزاب الثلاثة المتصدرة قائمة نتائج الانتخابات والتى اتفقت على تشكيل حكومة ائتلافية فى حملاتها الانتخابية وبرامجها على التركيز على القضايا التى تحظى باهتمام شعبى بالغ ومنها العمل على إنقاذ القطاعات المتضررة من جائحة كورونا، وإنقاذ شركات المقاولات الصغيرة المهددة بالإفلاس، وتخفيف حدة أزمة البطالة بين الشباب، وتقوية القدرة الشرائية لدخول المواطنين بالعمل على تحسين الدخل وضبط الأسعار، وتشجيع الاستثمارات خاصة فى المشروعات التى تخلق فرص عمل، وتأهيل الشباب لتمكينهم من دخول سوق العمل، والاهتمام بالمكون الثقافى باعتباره ركيزة العمل السياسى وحتى لا يتغلب المال السياسى على الفكر الذى يعد سدا منيعا أمام استفحال دور المال السياسى، وهو ما يهدد الديمقراطية.

وقد أنتجت الانتخابات حكومة مدنية يرأسها رجل أعمال ذو اتجاه ليبرالى، وتتمتع هذه الحكومة بأغلبية 271 مقعدا من إجمالى 395 مقعدا فى مجلس النواب، أى أن المعارضة إذا اتفقت كل أحزابها فى موقف معين يكون لها 124 مقعدا فقط، وهو ما يضمن الاستقرار ومساحة عريضة أمام الحكومة للحصول على ثقة المجلس وتمرير قراراتها وسياساتها الجديدة.
وتواجه الحكومة الجديدة عدة تحديات فى مقدمتها الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية واستكمال مواجهة تداعيات جائحة كورونا بفعالية أكثر من الحكومة السابقة، خاصة وأن آمال وتطلعات الناخبين عالية. كما تواجه الحكومة الجديدة مشكلات مع دول الجوار خاصة الجزائر وأهمية العمل على تجاوز حالة الاحتقان الشديد فى العلاقات بين البلدين لما يربطهما من مصالح مشتركة ولدورهما فى تحقيق الأمن والاستقرار فى شمال أفريقيا.
ولا شك أن حزب العدالة والتنمية أصبح على هامش المعارضة ويحتاج إلى سنوات طويلة لتضميد جراحه من الهزيمة الانتخابية الساحقة التى لحقت به نتيجة متناقضات سياساته من ناحية وعدم التخلى عن اعتبار أن الوعظ والإرشاد بالقيم والأخلاقيات قادر على تحقيق مطالب الشعب الاقتصادية والاجتماعية والارتقاء بمستوى معيشتهم.

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات