معاناة المرأة الصينية من التهميش السياسى وضغوط الحزب الحاكم - قضايا جندرية - بوابة الشروق
الخميس 23 يوليه 2026 8:58 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

معاناة المرأة الصينية من التهميش السياسى وضغوط الحزب الحاكم

نشر فى : الخميس 23 يوليه 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : الخميس 23 يوليه 2026 - 7:10 م

نشرت جريدة «The Economist» مقالًا يوضح فشل النظام الحاكم الصينى فى معالجة الأزمة الديموغرافية (ازدياد الانكماش السكانى، ونقص أعداد الإناث خاصة)، نتيجة تبنيهم لنهج ذكورى يتسامح مع خطابات الكراهية ضد النساء ويقمع حقوقهن، بينما يكمن الحل الحقيقى فى إصلاح عدد من التشريعات لحماية المرأة وتخفيف الأعباء المعيشية والاجتماعية التى تعوق الزواج.. نعرض من المقال ما يلى:


رغم خلو اللغة الصينية من مقابل دقيق لمصطلح «عالم الذكورية» (Manosphere)، فإن الصين تكتوى بناره؛ إذ لا تقل الإساءات الموجهة للنساء عبر منصاتها الرقمية سميةً عنها فى الدول الديمقراطية. الاستثناء الوحيد هنا يكمن فى سلوك السلطات؛ ففى بلدٍ يهرع فيه الرقباء لحظر أى محتوى لا يروق لهم، تتغاضى الحكومة الصينية عن بذاءة خطابات الكراهية الذكورية وتصوب سهامها نحو النساء بدلًا من ذلك. حتى إن الهيئة التنظيمية للفضاء الإلكترونى وضعت «النسوية المتطرفة» -بما فيها الدعوات للحياد عن الزواج والعيش بتفرد- على رأس قائمة المحتوى الضار الواجب قمعُه.


هذه ليست سوى أعراض لأزمة أعمق بكثير يعانى منها حكام الصين العجائز من الرجال فى تعاملهم مع الجنس الآخر. فبخلاف القوتين الكبريين الآسيويتين الأخريين، اليابان والهند، لم تحكم الصين امرأة قط فى العصر الحديث. ومع ترسيخ الزعيم الصينى "شى جين بينج" لسلطته، قام أيضًا بتهميش المرأة. فالمكتب السياسى القوى (البوليتبرو)، الذى يضم عادة 24 عضوًا، أصبح حصرًا على الرجال منذ عام 2022. ولم تصل أى امرأة على الإطلاق إلى اللجنة الدائمة للمكتب السياسى للحزب الشيوعى الصينى الأكثر أهمية. فلا عجب إذن أن تتراجع الصين فى التصنيفات الدولية للمساواة بين الجنسين.


يقبع فى جوهر سياسات الحزب الشيوعى تجاه المرأة خطأ قاتل؛ ففى حين يسود القلق أروقة الحزب بشأن الأزمة الديموغرافية للبلاد (انخفاض عدد السكان)، يتوهم قادته أن الحل يكمن فى ممارسة الضغوط على النساء وإلزامهن بأسلوب أبوى تقليدى ليصبحن زوجات فاضلات وأمهات صالحات. هذه الرؤية القاصرة لن تخفق فقط فى تحقيق غايات الحزب الضيقة، بل ستنتهى أيضًا بإغراق ملايين النساء فى البؤس والتعاسة.


فى هذا الصدد، للزعيم الصينى ماو تسى تونج مقولة شهيرة تشجع على المساواة بين الجنسين، وهى أن "النساء يحملن نصف السماء"، لكن للأسف لا يوجد تطبيق عملى لهذه المقولة على أرض الواقع إذ ظلت المناصب القيادية فى الحزب الحاكم حكرًا على الرجال. أما سياسة «الطفل الواحد» التى فرضها الحزب الشيوعى وظلت سارية حتى عام 2015 فأدت إلى نتائج كارثية منها إجهاض ملايين الأجنة من الإناث، ونتيجة لذلك يعانى الصين اليوم من نقص حاد فى أعداد الإناث، ولهذا النقص بالطبع تباعات سلبية.


للتوضيح، باحتساب أعداد الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 23 و37 عامًا، وأعداد النساء بين 22 و36 عامًا، يتبين أن لدى الصين 22.5 مليون رجل زيادة عن عدد النساء. ولكى يكون الرجل خيارًا مرغوبًا للزواج، فإنه يحتاج إلى تعليم، وظيفة ثابتة، شقة، ووفقا لعادات وتقاليد العديد من المناطق، دفع مهر باهظ لعائلة العروس. ويعتقد نحو ثلث العمال المهاجرين الشباب من الذكور الذين ينوون الزواج أن فرصة زواجهم بحلول سن الثلاثين لا تتعدى 50% أو أقل.


وقد أجج هذا الوضع موجة عارمة من الاستياء؛ حيث يتغذى التعصب الذكورى لدى قطاع واسع من الرجال، ولا سيما فى الأرياف. ومن المرجح أن تزداد هذه المرارة تفاقمًا؛ ففى الوقت الذى تشكل فيه النساء أكثر من نصف طلبة التعليم العالى، يجد الرجال الذين يفتقرون إلى التعليم أو الفرص الاقتصادية أنفسهم معرّضين للتخلف عن الركب بدرجة أكبر.


لا يمكن للحكومة الصينية أن تستحضر فجأة ملايين النساء المفقودات لتدارك الوضع، لكن بإمكانها اعتماد سياسات تعزز معدل الزواج بين الشباب؛ إليكم عدد من السياسات المقترحة فيما يلى:


1-ضمان حقوق المرأة داخل الزواج: يعانى تطبيق التشريعات الخاصة بالتحرش والعنف الأسرى والاغتصاب الزوجى من ضعف وهوان مؤسفين. إن توفير حماية قانونية حقيقية وضمان معاملة عادلة للمرأة عند الانفصال -بما ينطوى عليه من إلزام بنفقة الأطفال- قد يحفّز المزيد من النساء على الإقدام على الزواج. كما أن إتاحة الطلاق السلس من الأزواج المنيعين يفتح الباب أمام تفكيرهن فى خوض تجربة الزواج مجددًا.


2- إنهاء ظاهرة أمهار العرائس: قد تُعجّل تسويات الطلاق الأكثر عدالة بإنهاء ظاهرة «أمهار العرائس»؛ إذ تشير الدراسات إلى أن العامل المهاجر الشاب يحتاج لادخار دخل ست سنوات كاملة لتدبير مهر يصل إلى 127,300 يوان (نحو 18,780 دولار).

ورغم وجود قانون يحظر الأمهار المبالغ فيها، فإنه يظل ضبابيًا وضعيف الإنفاذ. وفى ظل تمسك كثير من الآباء بقيمة المهر المادية، ويأس الرجال فى العثور على شريكة حياتهم، يضطر كل من يملك المال للدفع، بينما تحتفظ بعض المطلقات بجزء من المهر عند فشل الزواج. والنتيجة هى ممارسة تُسلع المرأة وتُرهق كاهل الرجال محدودى الدخل، لا سيما فى أرياف البلاد.


3- تسيير العقبات المعيشية: على صعيد أوسع، يستطيع الجهاز الحكومى تذليل عقبات السكن والعمل التى تعترض طريق حديثى الزواج. ويمكن تحقيق ذلك عبر استحواذ الدولة على الشقق العقارية المعطلة والمكدسة فى السوق، وتحويلها إلى وحدات سكنية للإيجار بأسعار ميسرة تناسب الأسر الشابة. وفى هذا السياق، تُعدّ الإصلاحات الأخيرة فى نظام «الهوكو» (بطاقات التسجيل السكانى) - والتى تُيسر على الوافدين الجدد إلحاق أبنائهم بالمدارس والوصول للخدمات العامة فى المدن- خطوة إيجابية فى الاتجاه الصحيح.


خلاصة القول، قد يرى الرجال المحافظون -وفى مقدمتهم قادة الحزب الشيوعى- هذه المقترحات وكأنها «إملاءات أجنبية». لكنهم لو توقفوا عن توجيه اللوم للنساء الصينيات ولجأوا بدلًا من ذلك إلى الاستماع لآرائهن، لسمعوا حقيقة مختلفة تمامًا.

 

مراجعة وتحرير: وفاء هانى عمر
النص الأصلى:

قضايا جندرية قضايا معاصرة للمجتمع والعالم.
التعليقات