حكايات المنسى قنديل الفاتنة - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 26 نوفمبر 2022 5:49 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار المجلس الأعلى للإعلام بشأن فحص تجاوزات قناة الزمالك بعد حلقات رئيس النادي؟

حكايات المنسى قنديل الفاتنة

نشر فى : السبت 24 سبتمبر 2022 - 7:55 م | آخر تحديث : السبت 24 سبتمبر 2022 - 7:55 م
حسنا فعل محمد المنسى قنديل بإصدار هذه السرديات المدهشة تحت عنوان «بيع نفس بشرية» (دار الكرمة)، وكان قد كتبها فى فتراتٍ زمنية مختلفة، ووصفها على الغلاف بأنها «أربع قصص ليست طويلة».
أهمية هذه المجموعة فى أنها تؤكد إضافات قنديل المهمة بعيدا عن الروايات الطويلة المعروفة، فلا شك أن تلك السرديات الفاتنة تجعله بين أفضل كتاب الرواية القصيرة (النوفيلا)، ومن أبرز كتاب القصة القصيرة أيضا.
ربما يكون من الأوفق أن نبدأ بالتصنيف، الذى قد لا يهتم به الكاتب أو القارئ، ولكنه يهم الناقد، ليس من باب وضع قواعد جامدة وحديدية، وإنما من زاوية منح كل سردية قيمتها وأفضليتها بين ما يقاربها من أعمال.
النصوص الأولى الثلاثة باذخة الإتقان والتأثير فى المجموعة، وهى على التوالى: «بيع نفس بشرية»، و«الوداعة والرعب»، و«اتجاه واحد للشمس»، أقرب ما تكون إلى رواياتٍ قصيرة (نوفيلا)، لا أقصد بذلك فى الحجم فحسب، ولكن أيضا فى ذلك الحدث الواحد الذى تستقصيه كل رواية قصيرة، من البداية حتى النهاية، هذا الحدث الواحد هو مناط التوصيف، مهما كان عدد الشخصيات.
فى «بيع نفس بشرية»، الحدث الواحد هو هروب فتاة آسيوية من مخدومها وعشيقها الخليجى، والبناء بأكمله يدور حول هذا الهروب، والذى سيقود الفتاة إلى شقة مدرس مصرى مغترب.
وفى «الوداعة والرعب»، الحدث الواحد الذى يحمل البناء كله هو لقاء أسرة مصرية، بأب إسرائيلى وابنته، وذلك فى شاطئ فارنا ببلغاريا، وكل تداعيات السرد تخرج من هذا الحدث المحورى، وتدور حوله.
وفى «اتجاه واحد للشمس»، لدينا شخصيات كثيرة، ولكنها كلها تدور فى فلك حدث واحد أساسى يؤثر على الجميع، ويفتح على كل النماذج الإنسانية، وهو تعطل ماكينة عملاقة فى محلج قديم للقطن، وتوقف العمل فى المحلج بسبب ذلك.
أما السردية الأخيرة وعنوانها «يوم مصرى جاف»، فهى أقرب لفن القصة القصيرة، رغم أن صفحاتها كثيرة، ولكن مناط التصيف هنا هو ذلك الأثر الواحد الذى تتركه الحكاية: حالة من الشجن والأسى، التى تسبب فيها غياب يوسف عن أسرته، وسنعرف فى النهاية أنه شهيد عثروا أخيرا على جثته، البناء كله يحقق هذا الشعور العام سواء بمعاناة زوجته المهجورة، أو بآلام والديه، أو بحال شقيقه العبيط، الذى سيكمل المأساة بتصرفاته، وسيجعل اللوحة أقرب إلى العبث المؤلم.
لكن الشكل وحده لا يجب أن يشغلنا عن أمرين فائقين فى هذه المجموعة:
الأمر الأول هو قراءة المنسى قنديل العميقة لشخصياته، ورسم معالمها ببراعة، بل ويمكن اعتبار النصوص بمثابة ترجمة للطبيعة الإنسانية المعقدة، تحت ظروف صعبة، وفى مواجهة اختباراتٍ قاسية تتعرض لها.
هناك تفهم عميق للألم والمهانة الوجع الإنسانى، ووصف بديع للحظات القهر والضعف والاستسلام، ولكن هناك أيضا لحظات تمرد وغضب، وكل شخصية تعيش واقعها، وتحاول أن تقوم بترويضه، وتدفع ثمن تلك المحاولة حتى النهاية.
سبب الصراع دائما أن الفرد يواجه طوال الوقت ظرفا استثنائيا غريبا، وعليه أن يخوض الاختبار حتى النهاية، والنتيجة مختلفة، فإما المواجهة، أو السقوط، إنها فى جوهرها «معارك أخلاقية عميقة»، رغم ما توهمنا به من بساطة المواقف، ومن سلاسة الحكايات.
نظن مثلا أن «بيع نفس بشرية» هى حكاية جارية فى العصر الحديث، صارت عشيقة لمخدومها السادى، بينما نكتشف فى النهاية أنها حكاية بيع المدرس الذى اختبأت عنده لنفسه، تحت سطوة القوة القاهرة، للشيخ وكلابه، ونظن أن «الوداعة والرعب» هى حكاية جدار نفسى بين أسرة قتل الجيش الإسرائيلى ابنها، وبين عائلة إسرائيلية تتحدث عن السلام والمستقبل، بينما هى معركة بين مفاهيم وتواريخ، بين ماضٍ ما زال حاضرا، ومستقبل غامض وملتبس، ونظن أن «اتجاه واحد للشمس» هى حكاية محلج وآلة توقفت، بينما هى حكاية شخصيات مأزومة، وهى أيضا حكاية الغلابة الذين يُسحقون مع أول أزمة.
ونعتقد أن «يوم مصرى جاف» ليست إلا حكاية امرأة حرمت من زوجها الغائب، حتى نكتشف أنه يعود إلى قريته فى تابوت، فتأخذ الحكاية بعدها الوطنى العام، ولكن من خلال تفاصيل الأسرة وأفرادها، البدء بلوحة وصول التابوت كان سيغلق السرد على فكرة الشهادة، بينما الحكاية عما يفعله الغياب بالأحياء.
الأمر الثانى الواضح فى النصوص هو استخدام المنسى قنديل لتكنيك السرد السينمائى، لا أقصد فقط هذا الوصف المشهدى الحى الذى يميز أعمال قنديل، ولكنى أتحدث عن ذلك النفس الدرامى الكائن فى النصوص، إنها مجموعة أحداث متتالية، وأفعال متلاحقة، لدرجة أنها لا تحتاج إلى جهد كبير لتحويلها إلى سيناريوهات أفلام، وهذا ما حدث فعلا فى «الوداعة والرعب»، التى تحولت إلى فيلم سينمائى بعنوان «فتاة من إسرائيل».
هناك بناء درامى مشوق ومحكم، واستخدام ممتاز للانتقالات المونتاجية بين أحداث «الوداعة والرعب» تحديدا، بل هناك استخدام لتقنية القطع المتوازى، بين رب الأسرة الإسرائيلى فى رحلته مع رب الأسرة المصرى، وبين الفتاة الإسرائيلية ليزا ورحلتها مع حبيبها المصرى طارق.
لا يفترض السارد نتيجة مسبقة مفروضة، ولكنه يسير مع الشخصية، بعد أن يجيد رسم ملامحها، فتأتى النهايات متسقة مع البدايات، ولذلك يمكن أن تتفهم نهايات عاصفة كما فى «الوداعة والرعب»، وكأنها حرب فردية مصغرة بين الجيل الجديد من المصريين والإسرائيليين، أو كما فى «اتجاه واحد للشمس»، وكأن براكين القلوب، قد وجدت متنفسا لها فى عقاب عبدالتواب.
يمكنك كذلك أن تتفهم نهاية «بيع نفس بشرية» لأنها فى حكاية عن سقوط الفرد فى مواجهة السلطة والثروة، وبتنويعاتٍ مختلفة، مثلما تبدو «يوم مصرى جاف» مرثية لأسرة، لم تكن تنقصها إلا جنازة الابن الغائب.
حكايات المنسى قنديل تشهد على زمنها وشخوصها، مثلما تشهد على موهبة كاتبها، وعلى رؤيته العميقة للإنسان، وللظروف التى يعيشها.
التعليقات