البرهان وحمدوك.. من كسب ومن خسر؟ - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الجمعة 3 ديسمبر 2021 3:23 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

البرهان وحمدوك.. من كسب ومن خسر؟

نشر فى : الأربعاء 24 نوفمبر 2021 - 8:45 م | آخر تحديث : الأربعاء 24 نوفمبر 2021 - 8:45 م

لم يكن الاتفاق السياسى، الذى عاد بمقتضاه «عبدالله حمدوك» إلى منصبه رئيسا لوزراء السودان، مفاجئا تماما، فالشارع الغاضب يدعو إلى عودته والقوى الدولية تضغط من أجل تلك العودة، والجيش نفسه لا يتحفظ على شخصه بل على من حوله.
ولم يكن ذلك الاتفاق إعلانا مصدقا بعودة الأمور إلى سابق عهدها قبل إقدام قائد الجيش «عبدالفتاح البرهان» على فض الشراكة بين المدنيين والعسكريين بالقوة.
نحن أمام تسوية اضطرارية تحت ضغط الداخل والخارج معا، عباراتها عامة والتزاماتها تحوطها تساؤلات قلقة عما قد يحدث تاليا.
أى استنتاج أننا أمام عملية استئناف للمرحلة الانتقالية بشراكة ندية وحقيقية بين المكونين المدنى والعسكرى فهو قفز بالأمانى المفرطة فوق الحقائق الماثلة.
لا المجلس السيادى الذى تشكل وفق آلية تشاركية سيعود، فهناك مجلس آخر جرى إعلانه من طرف المكون العسكرى وحده لا وفق الأسس التى نصت عليه «الوثيقة الدستورية»، ولا نقل رئاسته إلى شخصية مدنية وفق التزاماتها سوف يحدث!
كان منع نقل رئاسة المجلس السيادى إلى شخصية مدنية مكسبا حقيقيا لقائد الجيش «البرهان»، لا يمكن إغفال دلالته ورسائله فى صراعات القوة والنفوذ.
بنص الاتفاق السياسى بين «البرهان» و«حمدوك» فإن عودة رئيس الحكومة إلى منصبه تتعلق به وحده، فالحكومة الانتقالية قد حلت، ولا مجال لعودتها.
بترجمة سياسية فإن ذلك معناه أن «قوى الحرية والتغيير»، رافعة ثورة ديسمبر (2019)، لن يكون لها دور حقيقى أو شبه حقيقى فى تشكيل أية حكومة مقبلة.
بصياغة أخرى، فإن الاتفاق يلغى ما نصت عليه الوثيقة الدستورية من دور جوهرى لـ«قوى الحرية والتغيير» فى تشكيل المجلس التشريعى، المخول بوضع الدستور وقانون الانتخاب.
هكذا ألغى أحدى أهم ركائز الشراكة بين المدنيين والعسكريين وفرغت فكرة الشراكة نفسها من جوهرها.
ما هو مطروح الآن على «حمدوك» أن يشرع فى تشكيل «حكومة كفاءات» دون أن يكون ملزما بأية مشاورات لها صفة الجدية مع «قوى الحرية والتغيير»، التى رشحته ودفعت به إلى رئاسة الحكومة عقب الثورة.
إنه تقليص الحضور السياسى والتنفيذى لـ«قوى الحرية والتغيير»، الطرف الآخر فى إقرار وتوقيع «الوثيقة الدستورية» مع المكون العسكرى.
الصياغة الفضفاضة أوحت ولم تجزم انتظارا للتفاعلات والضغوطات المحتملة.
دعا الاتفاق السياسى إلى تشكيل «حكومة كفاءات» «مع المشاورة ببقية القوى السياسية عدا حزب المؤتمر الوطنى».
تعبير «مع المشاورة» لا يعنى شيئا محددا أو ملزما، الصياغة تعنى كل شىء ولا شىء.
لو استخدم البيان السياسى عبارة «بالتشاور» لكان أكثر إلزاما ووضوحا نسبيا.
كان استبعاد الحزب الحاكم السابق على عهد «عمر البشير» فى أى حوار مفترض عند تشكيل الحكومة رسالة إلى الداخل أنه لا عودة للماضى، ورسالة ثانية إلى الإقليم أنه من غير الوارد عودة «الإخوان المسلمين» بداعى توفير غطاء شعبى تحتاجه القوة العسكرية إذا ما حدث طلاق نهائى مع القوى المدنية.
كان إطلاق سراح جميع الوزراء والسياسيين المعتقلين منذ فض الشراكة بالقوة يوم (25) أكتوبر أفضل ما ينسب إلى ذلك الاتفاق السياسى، الذى نص فى ذات السياق على التحقيق العادل والشفاف فى جميع الأحداث التى جرت أثناء التظاهرات من إصابات (للمدنيين والعسكريين) وتقديم الجناة إلى المحاكمة.
لم يكن ذلك التعهد بصياغته المراوغة قابلا للتصديق بالنظر إلى السوابق التى حجبت حقائقها، ولم تجر أية محاكمات للمتورطين فيها، لكنه بدا ضروريا لتسويغ الاتفاق عند الرأى العام باعتباره وقفا لنزيف الدماء والتزاما بالعدالة.
فى جولة الاتفاق السياسى فاز «البرهان» بالنقاط، لا بالضربة القاضية، فالصراع ما زال على الحلبة.
الكلام على مرجعية «الوثيقة الدستورية» بالألفاظ المراوغة تأكيد على أنها الشرعية الوحيدة فى البلد، وهذا مكسب معنوى يستدعى التمسك به والاحتكام إليه.
والكلام عن استئناف المرحلة الانتقالية بألفاظ مراوغة أخرى تأكيد إضافى على استحالة تجاوز استحقاقاتها، هذا مكسب معنوى ثان صاحبة الفضل الأول فيه مليونيات الشوارع.
فى محاولة لتسويغ الاتفاق وصفه «حمدوك» بأنه «يضع الأسس الصحيحة للمرحلة الانتقالية».
كان ذلك تجاوزا للحقائق ونصوص الاتفاق نفسه وحدود الدور الذى سوف يلعبه فى المستقبل.
إثر إعلان الاتفاق انقسمت صفوف القوى المدنية وخفتت التظاهرات الاحتجاجية، هناك من وصفه بأنه «خيانة تمنح الانقلاب غطاء سياسيا»، وهناك من أيده ودعمه وتفهم ظروفه ودواعيه.
النزاع المحتمل بين «رفاق الماضى القريب» يضعف بوقت واحد الحكومة المقبلة والقوى المدنية الغاضبة.
لا الحكومة بوسعها أن تكون شريكا حقيقيا فى السلطة تتولى وحدها المهام التنفيذية على ما تنص الوثيقة الدستورية التى يقال الآن إنها مرجعية الحكم، إذا لم يكن هناك سند شعبى قوى وحاضر.
ولا القوى المدنية بوسعها أن تحافظ على حضورها وتأثيرها إذا لم تكن مقنعة للشارع الغاضب أن لديها خطة عمل تتجاوز شعار: «لا تفاوض ولا شرعية».
قد يحاول «حمدوك» أن يستثمر فى الدعم الدولى لترسيخ دوره وتوسيع نفوذه، وأن يعمل بالوقت نفسه على تخفيض فاتورة تراجع شعبيته دون أن يدخل فى صدام جديد مع المكون العسكرى.
فى التوازنات الحرجة بين «البرهان» و«حمدوك» يتبدى لاعبان كبيران على مقدمة المسرح السياسى.
الأول ــ الشارع الغاضب الذى يبحث دون كلل عن رفع مستوى معيشته وتحسين أحواله الاقتصادية وفتح صفحة جديدة للسلام الداخلى فى ربوعه الممزقة، وهو مستعد كما أثبت ذلك فى انتفاضاته وثوراته المتعاقبة لأية تضحيات.
والثانى ــ الضغوط الدولية، التى تجلت فى الأزمة الأخيرة كعامل رئيسى فى الاتفاق السياسى.
لم يكن أحد فى العالم مستعد أن يتحمل تكاليف انفجار الوضع فى السودان، إذ إنه قد يفضى إلى انهيارات أوسع تتجاوزه إلى ما حوله فى القرن الإفريقى وعند منابع نهر النيل فى إثيوبيا التى تقف على حافة هاوية التقسيم.
كان الترحيب الأمريكى الحذر بالاتفاق تعبيرا عن خشية انفجار الشارع مجددا، فتنقلب المعادلات الاستراتيجية فى القرن الإفريقى كله.
الأطراف المتداخلة فى الأزمة السودانية تحاول بقدر استطاعتها أن تنظر إلى المستقبل المنظور وما قد يحدث فيه، والسؤال الذى يطاردها جميعها: كيف تتصرف وفق مصالحها بما لديها من أوراق قوة وضغط؟
هذا هو سؤال اللحظة فى السودان المأزوم.