الطائشة - محمود قاسم - بوابة الشروق
الجمعة 30 أكتوبر 2020 9:50 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

الطائشة

نشر فى : الجمعة 25 سبتمبر 2020 - 9:55 م | آخر تحديث : الجمعة 25 سبتمبر 2020 - 9:55 م

قبل أسبوعين كتبت مقالا عن فيلم «غرام الشيوخ» إخراج محمد عبدالجواد 1946، وبطولة فاطمة رشدى، زوجته فى تلك الآونة، وأشرنا إلى أن شخصية الممثلة المتسلطة وأداءها المسرحى على الشاشة كانا السمة البارزة فى أعمالها السينمائية، وأن الأمر عجل بابتعادها، وكانت البطولة فى الفيلم أمام منسى فهمى، ويحيى شاهين، والفيلم يدور حول رجلين فى حياة امرأة، الأول شيخ عاقل مفكر، والثانى شاب أقرب إلى سنها، فخانت أحدهما مع الآخر، والغريب أن نفس فريق الفيلم عمل معا فى فيلم مشابه كتبه يوسف جوهر، إخراج إبراهيم عمارة، عرض فى العام نفسه، وكل الذى زاد أن حسين رياض صار هو الزوج المخدوع أكثر من مرة، أما الحكاية فلم تتغير بالمرة، وأقول إن الممثلة التى اعتلت خشبة المسرح لتؤدى الدور نفسه فى ليالى العروض المتوالية يبدو أنها رأت أن الفيلمين هما نص سينمائى متقارب تكرر دون أى انتباه إلى الفارق الكبير بين المسرح والسينما، والمخرج هنا من المدرسة نفسها، بدليل الموضوع، هو البحث عن المأساة القاسية، والعقاب الحاسم، وإذا كانت العاشقة قد فازت بحبيبها الشاب فى «غرام الشيوخ»، وتركت زوجها الضرير فى حياته المظلمة، فإن إبراهيم عمارة يؤمن بعدالة السماء أكثر؛ حيث ماتت الطائشة الخائنة غير مأسوف عليها، وهى على الفراش بعد إقدامها على الانتحار.
الكتابة عن الفيلم الشبيه جدا بسابقه لن يكون مجديا، أو مبتكرا، وتلك مأساة النقد، حين يجد الكاتب نفسه يكرر كلاما مجوفا بشكل سخيف، فالمصائر معروفة، وكل من يحيى شاهين وفاطمة رشدى بلا جديد، كل ما فى الحكاية أن الشاب سامى رمى غوايته على زوجة أستاذه، وأخذها منه جهرة، وفاز بها، وفى «الطائشة» هو شقيق رجل الأعمال الميسور كامل الذى تزوج من امرأة شديدة الحسية، تربت فى الفقر حيث الحاجة الشديدة إلى المال مع طموح قاتل لصاحبته، صارت تنتقل بين الرجال، وإذا كان المفكر الشيخ لم يستطع أن يصفع غريمه، أو يعاقبه، فإن الأخ الأكبر يستدعى أخاه ويلطمه على خده جزاء ما اقترف من خيانة، ثم حين يعلم أنها تحتضر يذهبان معا إلى المستشفى لتوديعها.
المرأة لواحظ هى فى كلتا المرتين باحثة عن الشهوة، فمن الواضح أنها تجاوزت الأربعين، سن الخصوبة، ولا تطمع أن يكون لها ولد من الرجل الآخر، هى بنت فقيرة من حى شعبى تعانى من أمها المتسلطة، وأبيها البخيل، تحب سامى ابن الجيران، لكنها تتزوج من أخيه الذى لا يعرف اتجاه عواطفها، بعد أن جاءته ثروة مفاجئة، وتحاول لواحظ أن تكون زوجة وفية، لكن أطماعها المادية تجعلها تعمل فى إحدى الصالات، وتخون زوجها مع شريكه، وأقرب أصدقائه، لكن على الزوج الذى قام تطليق امرأته، بعد أن كشفها أمام كل من يعرفهم فى حفل عام، وتخلص من الصديق، ولا يلبث أن يصدم مجددا فى أن أخاه كان على علاقة عاطفية بزوجته، فيصفعه، وفيما بعد يتصالحان على فراش الموت بعد أن عادت لواحظ إلى الفقر والعوز.
فى هذا الفيلم، ارتضى منسى فهمى أن يقوم بدور سيد مدير أعمال الزوج، رجل قليل الكلام، يعرف كل شىء، خاصة حين يذهب إلى الأوبرج بتذكرة دعوة منحها له كامل الزوج، ورأى المرأة تخون زوجها مع شريكه الصديق الحميم الذى يأخذ من أموال الشركة لشراء مصاغ لعشيقته من أموال كامل، أى أن السينما كانت تتعامل مع الممثلين دوما كأنهم قطع شطرنج، والبطولة المطلقة هنا لحسين رياض الذى يقوم بدور الأخ الأكبر كامل، وهو رجل محترم، ومتسامح إلى أقصى حد، خاصة مع زوجته، أما محمود المليجى هو فريد مدير المصنع، شريك كامل التى تخونه لواحظ معه.
إبراهيم عمارة بالغ الإخلاص لأسلوبه، إذا كان هذا هو أسلوبه، فلأنه يريد العمل بأى شكل، سواء كممثل أو مخرج، يضع الأغنيات المحشورة، لملء الوقت، وعندما تقدم فى السن قام بدور الواعظ الذى ينصح الآخرين، ويدفعهم إلى التوبة، ويبدو أن المخرج سامح الزوجة الخائنة أكثر من مرة مع رجال كثيرين، أم أنه سامح النجمة الكبيرة فاطمة رشدى التى فى منظور الفيلم طائشة، وليست مجرمة فى حق المجتمع، وجعل من موتها نوعا من موت القديسات، فلواحظ تمادت بأنوثتها فيما فعلته مع الرجال، وتحولت إلى عاهرة بشكر رسمى، ترتاد العوامة، وتستقبل الزبائن صارت مثل الكثير من ضحايا السينما من العاهرات الطاهرات، ومنهن «غادة الكاميليا»، رغم أن كل أفعالها كانت مع سبق الإصرار والترصد، فهى تعتذر لحبيبها سامى أنها وافقت على الزواج من أخيه حتى تكون إلى جواره، ويا له من تبرير إنسانى للغاية.
فى الحوار الطويل الذى تعترف فيه لواحظ إلى سامى بك مشاعرها وما فعلته من أجله، نرى جميع أنماط الحوار المناسب لممثلة تجيد الحفظ والأداء، تريد أن تنطق دون أن يقاطعها أحد، أو كما يقال فإنها تنطقه فى نفس واحد، وبكل ثقة، وعلى الممثل أن ينتظر حتى تنتهى، تردده مرة واحدة متناغمة، لا يقال عادة فى استوديوهات السينما، لكنه يصلح للدراما الإذاعية، وهو أمر لم تفعله فى السينما المصرية سوى ممثلة واحدة بكل جبروتها هى فاطمة رشدى، وأغلب الممثلين فى الفيلم كانوا من العاملين على خشبة المسرح يعرفون متى يتكلمون، ومتى ينتظرون حتى ينتهى الطرف الآخر من نطق فقرات الحوار الطويلة.

التعليقات