المعجبون يدمرون «صراع العروش» وكل شىء آخر.. كيف سيطر منطق السوق على الفن والثقافة؟ - مواقع عالمية - بوابة الشروق
الإثنين 14 أكتوبر 2019 11:17 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بالتزامن مع عرض بيانها على البرلمان.. ما تقييمك لأداء حكومة مصطفى مدبولي؟

المعجبون يدمرون «صراع العروش» وكل شىء آخر.. كيف سيطر منطق السوق على الفن والثقافة؟

نشر فى : الأحد 26 مايو 2019 - 9:45 م | آخر تحديث : الأحد 26 مايو 2019 - 9:45 م

نشرت مجلة «The Republic» مقالا للكاتب «جون جرينواى» يتناول فيه تفسير غضب متابعى مسلسل «لعبة العروش» من جزئه الثامن والأخير.

لقد كان من المتوقع أن تثير نهاية مسلسل «صراع العروش» جدلا كبيرا، نظرا للنجاح الهائل الذى حظى به والتوقعات الضخمة حوله. وصف المشاهدين النهاية على أنها أسوأ نهاية على الإطلاق، وخيبة الأمل من الموسم الثامن اتخذت أشكالا مختلفة من ضمنها الانتشار السريع لعريضة المعجبين التى تطالب بإعادة كتابة الموسم الثامن.

على الرغم من أن الدعوة لكتابة العريضة بدأت قبل عدة أيام فقط، إلا إنها حصلت على أكثر من مليون توقيع. فلقد حولت وسائل التواصل الاجتماعى الكل إلى نقاد، ولكن هذه الظاهرة ليست جديدة لأن التكنولوجيا محت المسافة بين المشاهدين والفنانين، وأصبح المشاهدون قادرين على جعل استيائهم محسوسا ومؤثرا فى توجيه عمل معين.

وتلفت هذه العريضة الموقعة من المعجبين الذين يسعون إلى الحصول على عمل مبدع بالطريقة التى يريدونها نظرنا إلى شىء مهم. تلفت النظر إلى أن الشعور المشترك بخيبة الأمل فى كل ما تم استثماره فى المسلسل. فالمشاهدون استثمروا وقتهم (ثمانى سنوات) وطاقتهم (ليلة كل أحد) وأموالهم (شبكة قنوات إتش بى أو «هوم بوكس أوفيس» شبكات ليست مجانية) فى دعم المسلسل، والآن هم يدركون أن هذا الاستثمار لم يؤت ثماره والعائد كان أقل مما هو متوقع.

وهنا يصبح الأمر أكثر وضوحا حول ما تمثله هذه العريضة. بالعودة إلى أوائل التسعينيات، تحدث الناقد الأمريكى فريدريك جيمسون عن التمييز بين ما هو اقتصادى وما هو ثقافى. يقول جيمسون إنه فى أواخر الستينيات من القرن العشرين كان من الممكن القول أن الثقافة لها مساحتها الخاصة البعيدة عن الرأسمالية. ولكن فى العصر الذى أصبح الحكم على نجاح فيلم أو كتاب قائما على الأموال التى يجلبها، بدأت تتقلص هذه المساحة.

وبالتالى ليس من المفاجئ أن العلاقات الاقتصادية والثقافية أصبحت مترابطة بشكل متزايد، وأصبحت حالات الاحتجاج الجماعى أكثر كثافة وأطول أمدا. وهذا يعكس فكرة أنه أصبح من المستحيل التفكير فى أى ثقافة خارج إطار الرأسمالية. ففى المنتصف يقف المشاهد الذى استثمر فى خلق هذا العمل.

أصبحت الثقافة سلعة يُدعى الجمهور إلى شرائها، ولإغراء الجمهور على الشراء، يصبح هناك حاجة إلى سلعة مستقرة وموثوقة تعد بجلب عائد معين. لذلك استوديوهات وشركات الإنتاج تقوم بإجراء الاختبارات وتطلب التعديلات والمراجعات إذا كان هناك احتمالية أن السلعة التى يتم إنتاجها من المرجح ألا تجلب العائد المناسب.

استثمار الجمهور ليس ماليا فقط، بالطبع. ما يعد مهما أيضا هو (أو أكثر أهمية) هو الاستثمار العاطفى للجماهير. هنا الثقافة السائدة لا تخلق فقط عائدا استثماريا اقتصاديا، ولكن أيضا تخلق حديثا حول هذا المنتج يحوله إلى ضرورة اجتماعية. وجود مجموعة كبيرة من المعجبين الذين يستهلكون منتج معين يخلق المزيد من الطلب على هذا المنتج، فتصبح ظاهرة ثقافية يتعين فيها على الفرد اتباعها حتى تسمح له بالمشاركة فى الخطاب الثقافى السائد فى المجتمع. مسلسل «صراع العروش» يعطى مثالا ممتازا على هذه الحركات التى تخلق إحساسا بالخوف من فوات الشىء حتى للذين لا يهتمون بمشاهدة حلقات خيالية حول القرون الوسطى وتجبر الجميع على استخدام عبارات مثل «الشتاء قادم».

من أجل الحصول على عدد كبير من الأشخاص للاستثمار فى ثقافة دارجة معينة، يجب على هذه الثقافة أن تصبح سلعة مستقرة لا تجذب فقط المشترى ولكن تجعله دائما سعيدا بها. وبالتالى إذا لم يحصل المشترون على ما يريدونه أو ما تم إقناعهم بأن يتوقعوه، كل ما يمكن القيام به هو المطالبة بإعادة المال أو استبدال المنتج. ففى الأخير، لم يحصلوا على ما دفعوا مقابله، وجعلت أيديولوجية الرأسمالية المعاصرة حقيقة بديهية عن كون العميل دائما على صواب.

بفضل هذا المنطق، يميل المعجب نحو ترتيبات غريبة حرفيا. فهذا هو المنتج ويمكن فقط أن يكون على هذا النحو، وبالتالى فإن الشكاوى التى ظهرت فى العريضة على أن الموسم الثامن لم يبدُ كمسلسل «صراع العروش» يوضح إلى أى مدى يعتمد الجمهور على الثقافة السائدة فى وصف المنتج. وهذا بالطبع يتعارض كليا مع مفهوم الفن ويلقى الضوء على كيف أصبحت الرأسمالية فى جوهر حكمنا على ما هو فن. فيشير استياء الجمهور الذين يوقعون على هذه العريضة إلى حدود المنطق الرأسمالى الذى يسعى إلى أن يكون الإطار الذى تحدث فيه الأعمال الثقافية.

ما نحتاج إليه هو الابتعاد عن شخصية المعجبين الذين يشعرون بخيبة الأمل. فبدلا من رؤية نص ثقافى معين (أو الثقافة بشكل عام) كوسيلة لتعزيز وإرضاء العلاقة بين المستهلك ومقدم الخدمة، يجب أن يحكم الجمهور على الفن ويتفاعل معه خارج منطق أن هذا العمل مدين لهم. فتظهر الحاجة إلى معجبين قادرين على المشاركة فى العمل الفنى من خلال استكشافه وإعادة تشكيله وإعادة كتابته، وألا يرى المعجب نص العمل الفنى على أنه ثابت، بل على أنه قابل للتغير ويقبل تفسيرات متعددة، ويصبح ما نحتاج إليه هو معجبين ذوى خيال واسع. دعونا لا ننظر إلى الثقافة كمنتج يجب امتلاكه، ولكن كمساحة إبداعية يمكن من خلالها مشاركة شىء يتجاوز السعر والربح والتبادل والخسارة.

إعداد: ابتهال أحمد عبدالغنى
النص الأصلى

التعليقات