معيقات الواقع العربى للنهج الديمقراطى - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الأحد 20 سبتمبر 2020 1:00 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

معيقات الواقع العربى للنهج الديمقراطى

نشر فى : الأربعاء 29 يوليه 2020 - 6:50 م | آخر تحديث : الأربعاء 29 يوليه 2020 - 6:50 م

موضوع الانتقال إلى الديمقراطية فى بلاد العرب يحتاج إلى مراجعة بين الحين والآخر بسبب التغيرات الكبيرة السياسية التى لها تأثيراتها على هذا الموضوع الحساس.
لقد طرح هذا الموضوع كبار المصلحين العرب منذ أكثر من قرنين، خصوصا بعد الغزوة النابليونية لمصر واحتكاك العرب المباشر مع حضارة ومجتمعات الغرب الأوروبى. وعبر قرنين ظل الموضوع يراوح بين شد وجذب ونقاشات لا نهاية لها. لكن وصل طرح الموضوع إلى زخمه منذ نحو ربع قرن، عندما نوقش فى عشرات المؤتمرات وفى مئات المؤلفات الرصينة، وعندما أنشئت مراكز متخصصة فى الموضوع الديمقراطى من أجل ترسيخ المفاهيم والمنهجيات الديمقراطية فى الحياة الثقافية والسياسية العربية.
فى تلك المناقشات التى عقدت منذ ربع قرن جرى استعراض العوامل المجتمعية والسياسية والظروف الإقليمية التى قد تعيق الانتقال إلى الديمقراطية، ووضعت تصورات عن نوع الديمقراطية المطلوبة فى حدها الأدنى. حتى ذلك الحين تركزت عوامل الإعاقة للانتقال إلى الديمقراطية المماثلة لديمقراطيات الغرب فى حقلين:
السياسة والثقافة. أما العوائق السياسية فاشتملت على الأنظمة العسكرية التى حكمت العديد من بلدان العرب، وأنظمة حزب الحكم الواحد الشمولية المتأثرة بالنظام السياسى الشمولى فى الاتحاد السوفييتى، وضعف مؤسسات المجتمع المدنية الحزبية والنقابية والمهنية، وتركيبات الدولة التقليدية القائمة شرعيتها على الولاءات القبلية والعشائرية والعائلية، وانتشار وقبول شعارات من مثل «لا صوت يعلو على المعركة» ضد الاستعمار أو المعركة ضد الصهيونية، وترسبات تاريخ الاستبداد الطويل فى الحياة العربية، وأخيرا فى صراعات النخب فيما بين التى قادت الحراكات الوطنية من أجل الاستقلال وبين التى خرجت من رحم الثورات والانقلابات.
أما العوائق الثقافية فتمثلت فى مبدأ الطاعة الفقهى الشهير الذى لا يجيز الخروج على ولى الأمر إلا تحت شروط تعجيزية، وفى المماحكات السياسية حول كلمتى الشورى الإسلامية والديموقراطية العلمانية، وفى هيمنة قيم وسلوكيات وفكر المجتمع البدوى والقروى فى فضاءات ومدن وعواصم العرب الرئيسية، وفى وجود قوى إسلام سياسى كبير لا يريد أن يضيف إلى شعاره الشهير القائل «بأن الإسلام هو الحل» أى شعار عصرى آخر تتطلبه الظروف العربية المتجددة.
كانت تلك عوامل ثقيلة ومعقدة، مرهقة لمن يريد مواجهتها. وما كان بالحسبان إلى أنها ستصبح أكثر وأعقد وأثقل بفعل التغيرات الهائلة التى اجتاحت الوطن العربى فى العشرين سنة الأخيرة.
ذلك أن الساحة السياسية العربية ما عادت مقتصرة على حكومات وأحزاب. فالحراكات الجماهيرية قادها الشباب غير المنتظم فى أحزاب مما جعل للتنظيمات الشبابية غير الحزبية حضورا فاعلا. والتنظيمات الجهادية العنيفة الإسلامية المتزمتة المرتبطة بجهات حكومية واستخباراتية خارجية وداخلية أصبحت لها تأثيراتها الهائلة فى الكثير من المجتمعات. ونجاح دول إقليمية من مثل إيران وتركيا فى أن تصبح قوى متواجدة ومؤثرة فى العديد من الأقطار العربية عقد الحياة السياسية العربية برمتها. والصعود المذهل للنفوذ والتواجد الصهيونى فى العديد من الأقطار العربية ينبئ بأن حكومات الكيان الصهيونى والموساد سيلعبون أدوارا مستقبلية مدمرة. وهوس الغالبية الساحقة من الحكومات العربية بالموضوع الأمنى على حساب كل موضوع مجتمعى آخر جعلها فى عداوة وجودية مع أية ممارسة ديمقراطية حقيقية، إلا إذا كانت شكلية مزيفة.
وفى الساحة العالمية برزت عوامل مؤثرة جديدة. فالثقافة العولمية المرتبطة بالنيوليبرالية الرأسمالية أدخلت الملايين من الشباب العربى فى عوالم الاستهلاك النهم والفردانية غير الملتزمة بالخير العام وبالتالى أضعفت وعيهم السياسى وسطحته. ووسائل التواصل الاجتماعى أصبحت أداة طيعة فى يد من يريدون التلاعب بالأفكار والمشاعر وتوجيه الجمهور نحو الوجهة التى تخدم مصالح أصحاب المال والنفوذ والهيمنة. وإذا كانت جهات مشبوهة قد استعملت تلك الوسائل ونجحت فى التأثير على نتائج من مثل الانتخابات الأمريكية الأخيرة وعلى نتائج استفتاء الرأى العام الإنجليزى بشأن الخروج من الاتحاد الأروروبى، وذلك بالرغم من كل وسائل الرقابة الإعلامية والحكومية فى البلدين، فإن الإنسان يمكن أن يتصور الدور الهائل الذى ستلعبه مستقبلا فى الحياة السياسية العربية سلبا وإيجابا، مما سيجعلها أحيانا أداة لتزييف أى انتقال ديمقراطى.
لقد وصفنا فى مقال الأسبوع الماضى القلق الذى يساور مجتمعات الدول الغربية الديمقراطية من جراء وجود نقاط ضعف وترهل وأزمات فى مسيرتهم الديمقراطية. وحاولنا اليوم إبراز التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فى المجتمعات العربية، والتى قد تكون لها تأثيراتها السلبية والإعاقية على محاولات الانتقال إلى الديمقراطية فى أرض العرب. هل هذا يعنى التخلى عن هدف الانتقال إلى ديمقراطية سياسية واقتصادية معقولة وعادلة، حتى ولو كانت تدرجية؟ أبدا، العكس هو الصحيح.
فموضوع الديمقراطية أصبح قضية وجودية فى حياة العرب، وهو ما يحتم أن يدخل الشباب العربى فى مناقشته بتمعن شديد حتى يحيدوا العوامل المجتمعية التى ستظل تحاول أن تجعل من الديمقراطية نهجا سياسيا مظهريا ومزيفا لا يقدم ولا يؤخر. وسنتابع طرح هذا الموضوع للنقاش.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات