عودة إلى جدل صراع الحضارات - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
السبت 25 مايو 2024 11:09 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

عودة إلى جدل صراع الحضارات

نشر فى : الجمعة 30 يناير 2015 - 7:40 ص | آخر تحديث : الجمعة 30 يناير 2015 - 7:40 ص

عندما خرج علينا المفكر الأمريكى صامويل هنتجتون عام 1993 بنظريته «صراع الحضارات»، صب الكثيرون جم غضبهم عليه لترجمته العلاقات الدولية من منطلق صراع بين الحضارات الرئيسية. توفى الرجل عام 2008 عن 81 عاما دون أن ينتهى الجدل حول أطروحاته التى أثارت جدلا كونيا لأنه لمس وترا حساسا لدى كل شعوب العالم. وطبقا لهنتجتون فالصدام هو جوهر ما يحكم العلاقة بين تلك الحضارات، وهذا الصدام أساسه الثقافة والهوية التى تحكم كل حضارة.

أولى هنتجتون اهتماما خاصا بالعالم الإسلامى كمجال حضارى له موقع استراتيجى فى العالم. إلا أنه لم يفهم كيف انتشر الإسلام خارج مكان ميلاده فى شبه الجزيرة العربية ليصل لداخل أوروبا ولداخل الصين من ناحية، وكيف أثر الاستعمار الأوروبى على الدول الإسلامية لاحقا، وما تركه ذلك من تأثير مباشر على نمط الاحتكاك بين الطرفين. وعقد القرن العشرين من طبيعة هذه العلاقات، فمن ناحية كان لخلق دولة إسرائيل، كسرطان فى قلب العالم العربى، من قبل دول أوروبية فى البداية قبل أن تتبناها الولايات المتحدة وتجعل من أمنها هدفا لها، أثره المستمر فى تسميم علاقات الشعوب الإسلامية بالغرب. ومن ناحية أخرى انتقل للعيش فى الغرب ملايين العرب والمسلمين، يقدر البعض أعدادهم بأكثر من أربعين مليون نسمة. وبين هذا وذاك عرف العالم ظاهرة العولمة والثورة التكنولوجية التى أثرت على كل بقاع الأرض.

•••

رتب هنتجتون الثقافات على أساس دينى فى هيراركية رأسية، وجاءت الثقافة البروتستانتية على القمة كونها «تدعم التنمية والتقدم» كما ذكر. وجاءت اليهودية بعد ذلك، ثم الكونفوشيوسية، ثم الكاثوليكية، وبعدها الأرثوذكسية. وقبل ذيل المنظومة التى تقبع فيها الثقافة الأفريقية تجىء الثقافة الإسلامية.

ودعم هذه الرؤى تخلف المجتمعات الإسلامية عن تحقيق تنمية سياسية واقتصادية طبقا للمعايير البديهية. ورأى البعض أن ذلك يستدعى العمل على تغيير ثقافات هذه المجتمعات لتتبنى ثقافات تساعد على تحقيق التنمية والتقدم.

ويعتقد هؤلاء المفكرون أن الثقافة الاسلامية تعارض الممارسات التى تتبنى الشفافية والديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان. أعتقد هنتجتون أن التعاليم الإسلامية هى المسئولة عن عدم وجود الديمقراطية فى العالم الإسلامى، وتجاهل حقيقية أن هناك عددا من الدول الإسلامية توجد بها أنظمة ديمقراطية مثل تركيا والسنغال وإندونيسيا وتونس. وتجاهل هنتجتون كذلك استكثار الدول الغربية على شعوبنا أن يتمتعوا بنفس الديمقراطية التى يتمتع بها الغرب ومواطنو الدول الديمقراطية حول العالم. فليس سرا أن واشنطن ولندن وباريس تفضل التعامل مع الديكتاتوريات العربية على التعامل مع حكومات منتخبة بحرية ومسئولة أمام شعوبها. من هنا لم يكن غريبا تحالف الغرب المستمر مع نظم حاكمة يعرف عنها عدم الإيمان بالديمقراطية فكرا ومضمونا وممارسة.

•••

لم يكن استدعاء الهويات الدينية شيئا مقتصرا على المسلمين، فلا يستطيع أحد أن ينكر أن هناك مجتمعات تراثها وروافدها مسيحية مثل القارة الأوروبية والأمريكيتين. ولا يستطيع أحد أن ينكر وجود تأثير كبير للدين فى السياسات الأمريكية والأوروبية. إلا أن ما يثير الصدمة هو استدعاء بعض النظم العربية لصورة نمطية شديدة السوء لكل ما هو ذو مرجعية إسلامية، وكأنهم يترجمون كلام هنتجتون. ولم تقف هذه الجهود على التنكيل فقط بممثلى التيارات الإسلامية، بل تعد ذلك إلى التشكيك فى هوية وثقافة الشعوب ذاتها. ولم تكن دعوة الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى «لثورة دينية» إلا اقرارا بأن المسلمين فقط مسئولين عما وصل إليه عالم اليوم من انتشار للعنصرية والظلم والعنف واستغلال الضعف. يريد الغرب للمسلمين إلا أن يمارسوا الطقوس الدينية الأساسية من صلاة وصوم وربما ارتداء حجاب حديث.

ويبدو أن الرئيس السيسى يؤمن بذلك أيضا، وذلك على العكس مما يراه أغلبية المسلمين، وهذا حق لهم، فى أن الإسلام أكبر من مجرد ممارسة شعائر دينية، وأنه يتخطى ذلك ليلعب دورا مهما فى تنظم المجتمع والدولة بصورة قد تختلف عما يألفه الغرب. التوجه إلى الإسلام كمصدر للهوية ليس خطيئة فى حد ذاته. الخطيئة تحدث عندما يتم التمييز باسم الإسلام، أو التمييز ضد غير المسلمين، وحين لا يتساوى الجميع فى كل الحقوق وكل الواجبات بغض النظر عن دياناتهم. باسم الإسلام يمكن أن تقيم مجتمعا عادلا متعددا ديمقراطيا حديث، وباسم الإسلام أيضا يمكن التأسيس لمجتمع الظلم والضلال والاستبداد.

•••

ليس من الانصاف أن يركز دعاه الثورة الدينية الإسلامية على خطايا المسلمين ويتجاهلون خطايا غيرهم. يشعر المسلمون فى السويد اليوم بأن المجتمع ينقلب ضدهم فى وقت تتزايد فيه موجة الاعتداءات ضد المساجد فى هذا البلد الذى ظن الكثيرون أنه مكان آمن ولا يوجد فيه تمييز عنصرى. ليس من الأنصاف تجاهل إصرار حاكم ولاية لويزيانا، بوبى جيندل، القيادى الجمهورى الذى يدرس احتمال ترشحه للانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، على وجود ما وصفها بـ«مناطق محظورة» فى أوروبا سلمت الحكومة فيها سلطاتها إلى المهاجرين المسلمين، وما ذكره بأن المسلمين لديهم حالة من الممانعة الثقافية التى تحول دون ذوبانهم فى المجتمعات الغربية. أما ألمانيا فتتصاعد فيها شعبية حركة بيجيدا المناهضة للإسلام ولتواجد المسلمين فى أوروبا، فلم نجد حاكم عربى يندد بها أو يدعوها لمراجعة افكارها المسيحية.

حركة بيجيدا، ومن على شاكلتها لديهم نفس العقلية المتطرفة التى ينطلق منها تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» والذى لا تربطه أى علاقة بالإسلام بنفس الدرجة التى لا ترتبط فيها بيجيدا بأى علاقة مع المسيحية.

التركيز على الانحرافات الإسلامية فقط يؤكد أن هنتجتون كان على حق، أما المساواة فى التعامل مع الانحرافات باسم الأديان السماوية وغير السماوية يثبت خطأ نظرية هنتجتون، وإلى أن يحدث ذلك سيبدو أن هنتجتون كان على حق.

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات