فى العاشرة والربع من مساء السبت الماضى خرجت من مطار القاهرة قادما من أسوان بعد زيارة استمرت ٣٦ ساعة، متجهًا إلى حيث ميدان السيدة زينب بوسط القاهرة.
خلال هذا اليوم فإن الخبر الرئيسى الذى سيطر على وسائل الإعلام المصرية ومواقع التواصل الاجتماعى، هو ترشيد الإنفاق، إضافة بالطبع إلى تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران.
مجلس الوزراء كان قد اجتمع صباح ذلك اليوم وقرر اعتماد حزمة من الإجراءات لترشيد الإنفاق خاصة الوقود بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والتى قفزت بأسعار البترول إلى نحو ١١٠ دولارات للبرميل والغاز بنحو ٥٠٪، مما جعل مصر تواجه صعوبات جمة، واضطرها لزيادة أسعار الوقود بسبب زيادة فاتورة استيراد البترول والغاز.
التأكيدات الحكومية المعلنة كانت تتحدث عن ضرورة ترشيد استخدام الوقود، ومنها مثلا تخفيض استهلاك الوقود بنسبة ٣٥٪ لسيارات الحكومة.
حينما خرجت من المطار سلكت طريق صلاح سالم من أول الكلية الحربية القديمة وصولا إلى ميدان لاظوغلى بوسط البلد.
لا أشك مطلقا فى رغبة الحكومة ورئيسها الدكتور مصطفى مدبولى وسائر الوزراء فى ترشيد الإنفاق لكن صار عندى شكوك كثيرة فى مدى كفاءة بعض ممن يفترض أن ينفذوا هذه الإجراءات على أرض الواقع. وكل ما أتمناه من الدكتور مدبولى والقائمين على تنفيذ هذه الإجراءات أن يرسلوا ممن يرضونهم للاطلاع على مدى تطبيق هذه الإجراءات، وسوف يتفاجأون كثيرًا من الفوارق الضخمة بين القرارات الحكومية، ومدى تطبيقها على أرض الواقع.
ما رأيته فى شارع صلاح سالم صادم ويقول إن ما قررته الحكومة لم يصل إلى العديد من الأماكن فى هذا الشارع شديد الأهمية والذى يمثل واجهة مصر لكل قادم أجنبى.
المؤسف والمحزن والصادم أن غالبية المخالفين هى هيئات رسمية حكومية أو عامة.
لا أتحدث عن شقق أو فيلات سكنية فهى حق مطلق لأصحابها ما داموا يسددون الفواتير الكهربائية وإن كان الأصح والأفضل أن يلتزم الجميع بترشيد الإنفاق حتى لو كان داخل بيته باعتباره يدفع أسعارًا مدعمة للكهرباء والوقود.
ما رأيته بعينى مساء السبت الماضى هو أن هناك مبانى رسمية وبعضها صار مهجورًا لأنه انتقل إلى مكان جديد فى العاصمة الإدارية ما تزال الإضاءة فيها ساطعة بشكل يدعو للتساؤل.
طوال الطريق كانت كل المساجد الواقعة فى شارع صلاح سالم مضاءة بصورة تتصادم مع صحيح الدين والشرع والمقاصد العامة للشريعة التى تدعو بالأساس إلى عدم الإسراف، والسؤال الطبيعى: لماذا نترك إضاءة المساجد والكنائس من الخارج، فى حين أنها مغلقة وحتى لو كانت هناك صلوات، فلماذا نضىء دُور العبادة من الخارج بهذه الطريقة المبهرجة؟!
من الصادم أيضا وجود لوحات إعلانية فارغة من دون وجود إعلانات. لكنها مضاءة بما يساوى أكثر من مائة لمبة فى اللوحة الواحدة. وهو ما يضرب فكرة الترشيد فى مقتل، علما بأن المحافظة هى التى تقوم بتأجير هذه اللوحات.
قبل مدخل نفق الأزهر فإن كل اللمبات الكثيرة الموجودة على سور قطاع الدرَّاسة للأمن المركزى مضاءة، والأمر نفسه لواجهات مشيخة الأزهر ودار الإفتاء.
كما أن غالبية قاعات الإفراح الموجودة بنفس الشارع مضاءة بلمبات ضخمة.
من المنطقى أن يكون نفق الأزهر مضاءً بصورة كبيرة حفاظا على أمن وسلامة العابرين.
لكن وخلافًا لما سبق فمن الملاحظات الإيجابية أن ميدان الأوبرا تم تطبيق قواعد الترشيد فيه بصورة واضحة، وكذلك شارع الجمهورية وميدان وقصر عابدين ومبنى محافظة القاهرة وشوارع محمد فريد ومحمد محمود ومنصور والفلكى وميدان لاظوغلى، لكن المفارقة أن سور البرلمان؛ حيث ما يزال مجلس الشيوخ هناك مضاء بصورة مستفزة فى الجزء الواقع على شارع الفلكى.
أما غالبية الشوارع الواقعة بين شارعى الفلكى وقصر العينى فلم تكن مضاءة حتى المسافة إلى شارع المبتديان.
المفارقة فى كل ما سبق أن الإضاءة كانت موجودة ومبالغًا فيها فى مبانٍ حكومية مغلقة، فى حين أنها مطفأة فى شوارع أساسية، ولو حتى بصورة بسيطة.
الكلام السابق بأكمله هو مجرد عينة عشوائية رأيتها بعينى، وأخشى أن تكون هناك فجوة كبيرة بين رغبة الحكومة فى التقشف وفشل الإداريين فى تطبيق ذلك.
أتمنى أن تبادر الحكومة للبحث عن وسيلة لتطبيق ذلك حتى تضمن ثقة المواطنين فى إجراءاتها. والأهم أن يكون هناك توازن بين ضرورة ترشيد الإنارة لتوفير الوقود، وبين توفير الحد الأدنى من الإضاءة فى شارع وأماكن كثيرة حفاظًا على أمن وأمان الناس والمجتمع.