يوميات مدام فيفيت - داليا شمس - بوابة الشروق
الأربعاء 15 يوليه 2020 1:07 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

يوميات مدام فيفيت

نشر فى : السبت 30 مايو 2020 - 7:20 م | آخر تحديث : السبت 30 مايو 2020 - 7:20 م

نعرف الكثيرين من هواة إبراز تفاصيل حياتهم على الفيسبوك، رغبةً منهم في التمايز ولفت الأنظار واكتساب شعبية أو في الهروب من الوحدة. لكن بعد الحظر وتحديد إقامتنا بسبب الكورونا، ازداد حول العالم عدد الأشخاص الذين حاولوا تسجيل يومياتهم بشكل دوري على صفحات الفيسبوك والمدونات الخاصة، فالكتابة عن الظروف الصعبة التي نعيش تعطيهم فرصة في أخذ بُعد من الأحداث وفهم أنفسهم وإعطاء مساحة للابتكار. وأقيمت في بعض البلدان مهرجانات إلكترونية تحتفي بأدب اليوميات في ظل الوباء، سواء كانت النصوص تتعلق بتفاصيل الحظر أو بإنهائه وعودة الحياة تدريجيا إلى طبيعتها.

من فترة قصيرة اكتشفت صفحة "مدام فيفيت" التي تدون يومياتها على الفيسبوك بشكل ساخر من خلال نصوص تمزج الإنجليزية والفرنسية والعامية المصرية التي تكتبها بأحرف لاتينية. متابعوها الذين تجاوز عددهم ثلاثة آلاف منذ بداية إبريل الماضي يعتبرونها نسمة ربيعية تخفف عنهم ملل الكورونا. سيدة بورجوازية مسيحية تجاوزت الأربعينات من عمرها، وعلى ما يبدو في العقد السادس، متزوجة من محامٍ شهير وميسور الحال يدعى منصور، تعرفت به وارتبطا وهما في مطلع العشرينات، ولديهما ابنان: أحدهما يريد أن يلتحق بمهنة المحاماة كوالده والثاني مولع بالسينما ويحب فتاة متمردة اسمها "نورا" أو "شي خيارة" كما تطلق عليها "فيفيت"، لأنها لا تغفر لها أبداً أنها جذبت ابنها يوسف إلى أفكار اليسار وجعلته يعيش معها في المنيرة ويترك منزل الأسرة بالزمالك، بل ويرفض الذهاب إلى الساحل الشمالي لأنه "مجتمع فلول، لا يطبق مبادىء العدالة الاجتماعية ويرفض نزول الخادمات إلى البحر، جنبا إلى جنب مع علية القوم"، هكذا تشرح فيفيت متهكمةً من خلال نصوصها المختلفة التي تعتليها صورة لها. ونحن على يقين بالطبع أن الصورة غير حقيقية وكذلك اسم فيفيت، حتى لو كانا مناسبين تماما لطبيعة الشخصية التي اختارت أن تظل مجهولة الهوية وتستخدم اسما مستعارا لتقدم صورة هزلية للطبقة التي تمثلها ونقدا اجتماعيا لاذعا ولماحا.
***
جاء في بعض التعليقات على استحياء ما يشير إلى أن الكاتب في الحقيقة هو شاب يدعى موفق شوربجي، ناشط في المجال السينمائي، يهتم ببرمجة وتنظيم المهرجانات، لكن تبقى هذه معلومة غير مؤكدة بالنسبة لي، وإن كانت على الأغلب صحيحة. المهم هنا هو حجم الموهبة وخفة الظل اللذان يميزان النصوص اليومية التي تروي أحداث الكورونا الرتيبة من وجهة نظر طبقة معينة موجودة بالفعل، حتى لو كانت بعيدة كل البعد عن تمثيل أغلبية الشعب المصري الذي "تحتقره"، إذ تعرف فيفيت نفسها منذ البداية كزوجة وأم، تحب مصر وتكره المصريين أو بالأحرى أبناء الشعب العاديين الذين يلبسون "الشبشب" كما تردد دوما، خاصة حين توضح كيف هربت منهم خلال عيد الفطر وذهبت إلى الساحل للاحتماء بفيلتها على البحر، بما أنها لا تستطيع حاليا السفر إلى جزر اليونان.

تحكي كيف تمر بها أيام الكورونا، "هذا العدو الغير مرئي، كما وصفه ترامب، والذي لا يمكنها التخلص منه بمسحة من عطرها المفضل شانيل 5، حرمها من الذهاب إلى النادي والحانة الإنجليزية الطابع، كما اعتادت". "تذوب مثل جبنة الحلوم تحت وطأة حرارة الجو" وتحاول أن تلم شمل عائلتها كي تبقى في الأزمات "مثل العسل الأسود والطحينة" لا غنى عن بعضهما البعض. صار هناك شيء آخر تصب عليه غضبها غير إنشاء مترو الأنفاق في الزمالك وناس إمبابة الذين سيصلون إلى حيها العريق بسهولة وغير الثورة التي قلبت الأوضاع. مرة تصف العالم بأنه "دولة إقطاعية"، ومرة تشبهه بالمطعم: "هناك من يذهب إلى كريمسون (بالزمالك) لكي يتحدث عن أموره المالية، وهناك من يفضل تمضية وقته في النادي اليوناني (بوسط البلد) متحدثا عن جماعة كريمسون، وهناك من يذهب إلى البرنس (في إمبابة) ويتكلم وفمه مليء بالطعام، وهناك بعض الأجانب من الفرنسيين مثلا الذين يملكون المال اللازم للذهاب إلى كريمسون لكنهم يفضلون النادي اليوناني من أجل ترشيد النفقات والاحتفاظ بمدخراتهم لحين عودتهم إلى بلادهم".

وفي مواضع أخرى تصوب سهامها نحو أبناء الطبقة الراقية الذين يعلنون التمرد على مكانتهم الاجتماعية ويرددون شعارات يسارية ويغيروا من طريقة ملبسهم فيرتدوا "شبشب عالم الأنثروبولوجيا" مثل ابنها ورفيقته نورا، لكنهم يعتمدون على أهاليهم في تمويل دراساتهم العليا في الخارج وفي تلبية احتياجاتهم الأساسية وحتى في عمل فيلم قصير عن الشاورمة!
***
نماذج نقابلها كل يوم، تعيش زمن الكورونا بشكل يختلف تماما عن العمالة غير المنتظمة التي تتحدث عنها برامج التليفزيون، "هذه هي مصر: سلسلة من التناقضات، أليس كذلك؟"، فهناك أوجه عديدة لمصر وأصوات تخرج من كل حي لتروي المرحلة ذاتها بأعين مغايرة، "فيفيت" واحدة ضمن هؤلاء. تتهكم بخليط من اللغات، وتطلق النكات حول "الأغنياء الذين لا يقلون تطرفا عن طالبان، مع الفارق أنهم يلبسون ماركة جوتشي العالمية (...) مجموعة مختارة من الناس يرغبون في عالم أكثر عدالة، دون تقديم تنازلات من جانبهم". ترجعنا ربما إلى القرن الثامن عشر حين ظهرت كتابة اليوميات بشكلها الحالي وانتشرت بين أبناء الطبقة البورجوازية في مرحلة ما بعد الثورة الفرنسية، فهي كتابة تركز على الجانب الفردي للسرد بمعزل عن السلطات السياسية والدينية، في حين أن أصل كتابة اليوميات- حتى لو لم تتخذ الشكل نفسه- كان في القرون الوسطى على يد بعض الأعيان الذين أرادوا تسجيل أمجاد عائلاتهم وتفاصيل معيشتهم وثرواتهم لكي يتركوها للأجيال التالية، من باب التفاخر.
وفي العديد من البلدان الأوروبية ارتبطت عادة كتابة اليوميات برجال الدين المسيحي، خاصة في القرن التاسع عشر الميلادي، فكانت اليوميات بمثابة سجل أعمال يسمح لهم بمحاسبة النفس قبل الغير، ثم سرعان ما انتشرت هذه العادة بين النخبة، رجالاً ونساءً. تطور الأمر حتى وصل إلى القرن العشرين، وظهرت في منتصف التسعينات مواقع إلكترونية في أمريكا وكندا مخصصة لكتابة اليوميات بالإنجليزية، الكثير منها تحت أسماء مستعارة سعياً وراء المزيد من التحرر والجرأة والخوض في المسكوت عنه، دون أن يتعرض ذويهم للتجريح بما أن النصوص شخصية، سواء كانت تمتد إلى الأبد أو تغطي فترة زمنية محددة ارتبطت بظرف معين كموت أو حرب أو وباء. هي نصوص تضفي طابعا أدبيا على حياتنا اليومية، تجعلنا نتطلع إليها عن بعد فنضحك أو نبكي أو فقط نستمتع، وهذا ينطبق على "بوستات" فيفيت التي تعترف بأدق أسرارها بما في ذلك تفاصيل علاقتها بزوجها وبطبيبها النفسي. ربما نحن أمام مشروع رواية تأخذ شكل اليوميات أو عمل أدبي خارج التصنيف، كما هو حال بعض الإصدارات في الفترة الأخيرة.

التعليقات