«ق يعنى قاوم» - داليا شمس - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 8:41 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


«ق يعنى قاوم»

نشر فى : السبت 30 يونيو 2012 - 8:50 ص | آخر تحديث : السبت 30 يونيو 2012 - 8:50 ص

بخطوات متلاحقة تحملك قدماك الى أحد المسارح المفتوحة، فى الهواء الطلق بحديقة الأزهر، هربا من الأحداث والتحليلات والتكهنات السياسية... فتقابل أشخاصا من الذين كنت تقابلهم فى وقت سابق بميدان التحرير، توجهوا أيضا الى المكان نفسه طلبا للجوء أو بحثا عن نوع مختلف من الترفيه (يغذى روحهم ويستفز أفكارهم). التقوا جميعا على غير موعد، فنان يدرس الاخراج، كاتب سيناريو شاب، صحفية تغطى أحداث السودان الملتهب، صديق يعمل فى البرمجيات، تشكيلية سعودية تعيش بين القاهرة ومدن أخرى، أشقاء من سوريا يهتفون بسقوط بشار، أستاذ للاقتصاد السياسى، مدونون كثر... الأجواء تفرض حالها، وطبيعة الجمهور فرضتها نوعية مختلفة من الموسيقى والغناء، فالفنانون هم أيضا من الباحثين عن بدائل. على أنغام الريجى لفرقة أتت من الجولان المحتل يرقص الشباب بملابس صيفية خفيفة بشكل يعكس تآلفا مع موسيقى فرقة «توت أرض» رغم أنها عزفت لأول مرة فى مصر، وهذا دارج فى مثل هذه الأماكن التى تشجع الثقافة البديلة أو المضادة، كما يسمونها، فالمتلقى هنا هو جمهور الفيس بوك والتويتر واليوتيوب الذى يعرف فعليا هؤلاء الفنانين من خلال الانترنت، وينتمى بعضه لنمط «الهيب جيك» (أى من ينتمون لثقافة تتمرد على الأوضاع ويحبون كل ما يتعلق بتكنولوجيا المعلومات والخيال)، والبعض الآخر جاء ليكتشف... يكتشف مثلا على طلباب، أحد نجوم الراب ذى الأصول النوبية، محبوه يحفظون عن ظهر قلب كلماته عن النظام الطفيلى ومن يبنون «الكومباوندات» ويعلون الأسوار أمام سكان القبور ومن يطالبون بحد أدنى للأجور، قائلا: «الصبر مش ح يطول... ق يعنى قاوم... العقول بارود والنظام طفيلى». مجرد استراحة قصيرة، استراحة المحارب.

 

شارك أيضا هذا الجمهور «المختلف» تجربة هدى عصفور وتأملاتها من خلال رحلتها الفلسطينية التى لخصتها فى أغنية «جاى ورايحة، ورايحة وجاى»، وقد اختزنت ذاكرتها ذهابا وإيابا بعضا من تراث العراق وتونس ومصر وبلاد الشام، بحثا عن موسيقى تحمل هويتها العربية وقد امتزجت بثقافات وألوان أخرى. مثلها مثل العديد من المبدعين «الرحل» الذين يحمل ابداعهم شيئا من العالم وآخر أهم ينبع من عالمهم الخاص.

 

 ●●●

 

هؤلاء جميعا، سواء الفنانون أو الجمهور، هم نماذج قد تسمح لنا بفهم شريحة من المجتمع وتطوره، فلم يعد الخبراء والمتخصصون فى التسويق وحدهم هم الذين يؤثرون على الذوق العام، بل تعدد الأشخاص الذين يحددون الأجندة الثقافية والموضات، كما فرض بعض الفنانين تواجدهم على الساحة من خلال انتشارهم على الانترنت دون الحاجة للموزع والمنتج التقليديين، فخرجوا من الظل الى الشهرة، مع الاحتفاظ بالسمات الانتاجية لمن يعيشون على الهامش أو يتمردون على السائد، فتلك هى خصوصيتهم. وليس من المستغرب إذن أن يكون من بين هؤلاء العديد ممن تواجدوا مرارا وتكرارا فى الميادين للاعتراض على ذلك الأمر أو ذاك، فما شهده الحقل الثقافى خلال الخمس سنوات الماضية من تحولات وبحث عن بدائل كان بمثابة الارهاصات الأولى للثورة، والثقافة المغايرة ربما شكلت النواة الصلبة للتحرير، بضعة ملايين انضم لهم آخرون فأصبحوا قادرين على التغيير، وسيظلون يتصارعون مع باقى المجتمع حتى تنجح أو تفشل تجربة دولة جديدة أكثر عقلانية. ولم يكن كل ذلك واردا قبل قيام دولة الانترنت أولا وأخيرا، والعكس صحيح، فالصحفى والكاتب الأمريكى جون ماركوف نظرية تؤكد أنه لم يكن من الممكن التفكير فى الانترنت خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى لولا ظهور تيارات الثقافة المضادة فى فترة الستينيات والسبعينيات، فلولا هذه الأخيرة ما خرجت للنور المحاولات التى سعت لنشر المعرفة والمعلومات دون مقابل فى مواجهة أصوات أخرى كانت تفضل أن يظل هذا التطور العلمى أو المعلوماتى فى اطار الدوائر العسكرية، فمثل العديد من الاكتشافات والاختراعات التى تتعلق بمجال الاتصالات يبدأ العمل عادة لأغراض حربية، ثم يأتى دور الثقافة المضادة لنشر التكنولوجيا بصورة مغايرة.

 

وعلى هذا النحو أيضا يمكننا تفسير ما حظى به من شعبية ستيف جوبز، مؤسس شركة «آبل»، الذى توفى العام الماضى واعتبره البعض من أيقونات الثقافة المضادة، بل وشبهوه بإديسون وأينشتاين، فقد نجح منذ طرحه لكمبيوتر «ماك» فى عام 1984 فى أن يجعله بمثابة علامة تجارية للاختلاف والتمرد على السائد، واحدى أشهر دعاياته حملت صورة لمغنى البيتلز البريطانى الشهير جون لينون وزوجته يوكو أونو، اللذين قاوما بجرأة الحرب على فيتنام، وأضاف لها الاعلان شعار «فكر بشكل مختلف»، ثم اختتم بكلمات تصف ستيف جوبز وجون لينون وكل من هم على شاكلتهما: «يمكن أن تعجب أو ترفض المجانين والهامشيين والمتمردين وكل من يرون الأشياء بشكل مختلف، كل من يكسرون القواعد، يمكنك أن تمجدهم أو تذمهم، ولكن لا يمكن تحاشيهم، لأنهم هم من يقومون بالتغيير».

التعليقات