طلعت إسماعيل يكتب: حياة محمد للدكتور محمد حسين هيكل.. قراءة بعين العقل والعلم للسيرة النبوية الشريفة (1-3) - بوابة الشروق
الثلاثاء 10 مارس 2026 7:49 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

طلعت إسماعيل يكتب: حياة محمد للدكتور محمد حسين هيكل.. قراءة بعين العقل والعلم للسيرة النبوية الشريفة (1-3)


نشر في: الجمعة 6 مارس 2026 - 7:36 م | آخر تحديث: الجمعة 6 مارس 2026 - 8:20 م

- صراع الفرس والروم يستقبل مولد الرسول في عام الفيل
- اختلاف بين المؤرخين على اليوم والشهر والعام الذي وُلد فيه النبي، وترجيح تاريخ 12 ربيع الأول 570 ميلادية.
- عبد المطلب ينحر جزورًا في اليوم السابع من ميلاد حفيده وليمة لرجال من قريش.
- يُسأل الجد: لماذا أسميته محمدًا؟ فيقول: أردت أن يكون محمودًا في السماء لله وفي الأرض لخلقه.
- جاء النبي إلى الدنيا بعد وفاة والده وهو جنين في بطن أمه، التي رحلت عنه طفلًا ليحمل الصغير همّ اليتم كاملًا.
- عبد المطلب يموت في الثمانين من عمره ومحمد لا يزال في الثامنة، وكفالته تنتقل إلى أبي طالب.
- محمد يخرج في أول رحلة مع عمه أبي طالب إلى بلاد الشام، فيقف على الحدائق الغنّاء التي أنسته حدائق الطائف.
- راهب يرى في محمد أمارات النبوة، وينصح عمه ألا يوغلوا به في بلاد الشام خوفًا عليه من اليهود.
- الصحراء القاحلة تعزل شبه الجزيرة العربية عن تأثير الديانات السماوية لصالح عبادة الأوثان.
- مكة في الجاهلية كانت تشد إليها الرحال، واختارها الله مسقطًا لرأس النبي، فبقيت وجهة نظر العالم على توالي القرون.

حظيت سيرة الرسول الكريم محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، باهتمام بالغ على مدى مئات السنين، ولا تزال تلقى العناية نفسها من المسلمين وغير المسلمين على السواء، ولما لا وقد كانت لدعوته إلى الله الأثر الأعظم في مسيرة البشرية منذ بعثته في نهاية القرن السادس الميلادي وحتى اليوم.

وبالضرورة فإن الكتابات التي تناولت حياة النبي وبعثته، وما مرت به الدعوة إلى الإسلام في مكة والمدينة، وصراع المسلمين مع كفار قريش، شهدت العديد من الروايات الدقيقة، وتلك التي شاب بعضها الدس والتلفيق، ما تطلب التصدي من العلماء والمفكرين لها بالبحث العلمي لمحو ما جاء فيها من أكاذيب، وإجلاء الصحيح من الأحداث بأسانيد لا تقبل التشكيك.

وإلى النوع الأخير من الكتابات ينتمي كتاب «حياة محمد» للدكتور محمد حسين هيكل (1888 ـ 1956)، القانوني والمؤرخ والأديب والسياسي الذي تولى الوزارة أكثر من مرة، الصادرة أحدث طبعاته عن دار الشروق، بتقديم للدكتور محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر (1881 ـ 1945)، الذي وصف الكتاب بأنه «عقد منضد وسلسلة متينة محكمة الحلقات في تنسيق الحوادث وربط بعضها بعضًا».

اختار الدكتور محمد حسين هيكل لكتابه «حياة محمد»، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1935، استخدام ما أسماه «الطريقة العلمية الصحيحة»، وتمحيص السيرة النبوية تمحيصًا علميًا جهد ما يستطيع، ما جعل كتابه بحق عمدة السيرة النبوية الحديثة.

ويقول: «بدأت أراجع تاريخ محمد، وأعيد النظر في سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد ومغازي الواقدي، وعدت إلى كتاب سيد أمير علي “روح الإسلام”، ثم حرصت على أن أقرأ ما كتبه بعض المستشرقين، فقرأت كتاب در منجم وكتاب واشنطن فنج، ثم انتهزت فرصة وجودي بالأقصر في شتاء سنة 1932 وبدأت أكتب.

لقد ترددت يومئذ في أن أجعل البحث الذي أطالع قرائي به من وضعي أنا، خيفة ما قد يقوم به أنصار الجمود والمؤمنون بالخرافات من ضجة تفسد عليَّ ما أريد. لكن ما لقيت من إقبال وتشجيع من طائفة شيوخ المعاهد، وما أبدى لي بعضهم من ملاحظات تدل على العناية بالبحث الذي أقوم به، جعلني أفكر تفكيرًا جديًا في إنفاذ ما اعتزمت من كتابة حياة محمد على الطريقة العلمية الصحيحة كتابة مفصلة، ودعاني إلى التفكير في أمثل الوسائل لتمحيص السيرة تمحيصًا علميًا جهد ما أستطيع.

ولقد تبينت أن أصدق مرجع للسيرة إنما هو القرآن الكريم، فإن فيه إشارة إلى كل حادث من حياة النبي العربي يتخذها الباحث منارًا يهتدي به في بحثه، ويمحص على ضيائه ما ورد في كتب السنة وما جاء في كتب السيرة المختلفة».

بهذا المنهج انطلق الدكتور هيكل في كتابة «حياة محمد»، الذي زين عنوان طبعته الأولى، وهو ما فعلته دار الشروق أيضًا، بالآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (سورة الأحزاب: 56)، ردًا على الذين انتقدوه و«لجئوا إلى العنت» تجاه كتابه قبل أن تظهر طبعته الأولى، كونه جعل عنوانه «حياة محمد» من دون أن يردف العنوان بالصلاة والسلام على رسول الله.

صراع الشرق والغرب

عقب شرح وتفصيل في الطريقة العلمية الحديثة التي اعتمد عليها في كتابه، يدخل مؤلف «حياة محمد» في صلب موضوعه بادئًا بوصف البيئة التي استقبلت مولد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، متحدثًا عن «بلاد العرب قبل الإسلام»؛ حيث كان العالم في القرن السادس الميلادي تتحكم فيه قوتان، واحدة في الغرب تمثل المسيحية وأخرى في الشرق ترفع لواء المجوسية من عبدة النار في بلاد فارس، وبينهما تقع شبه جزيرة العرب آمنة من انتشار الدعوات الدينية الخارجية، مسيحية أو مجوسية، إلا في قليل من قبائلها.

وهذه ظاهرة، كما يذكر المؤلف، قد تبدو في التاريخ عجيبة لولا ما يفسرها من موقع بلاد العرب ومن طبيعتها، وما للموقع والطبيعة من أثر في حياة أهلها وفي أخلاقهم وميولهم ونزعاتهم.

فشبه جزيرة العرب مستطيل غير متوازي الأضلاع، شماله فلسطين وبادية الشام، وشرقه الحيرة ودجلة والفرات وخليج فارس (العربي)، وجنوبه المحيط الهندي وخليج عدن، وغربه بحر القلزم (البحر الأحمر). فهي إذًا حصينة من غربها وجنوبها، حصينة بالصحراء من شمالها، وبالصحراء وخليج فارس من شرقها.

وليست هذه المناعة هي وحدها التي عصمتها من الغزو الاستعماري أو الغزو الديني، بل عصمها كذلك ترامى أطرافها، فطول شبه الجزيرة يبلغ أكثر من ألف كيلومتر، وعرضها يبلغ نحو الألف من الكيلومترات، وعصمها أكثر من هذا جدبها، جدبًا صرف عين كل مستعمر عنها. فليس في هذه الناحية الفسيحة من الأرض نهر واحد، وليست لأمطارها فصول معروفة يمكن الاعتماد عليها وتنظيم الحياة وفقًا لها.

وفيما عدا اليمن الواقع جنوب شبه الجزيرة والمتميز بخصب أرضه وكثرة نزول المطر فيه، فسائر بلاد العرب جبال ونجود وأودية غير ذات زرع، وطبيعة جرداء لا تيسر الاستقرار ولا تجلب الحضارة، وهي لا تشجع على حياة غير حياة البادية، وما تقضي به من الارتحال الدائم واتخاذ الجمل سفينة للصحراء وانتجاع مراعي الإبل، والاستقرار عندها ريثما تأتي الإبل عليها، ثم الارتحال من جديد انتجاعًا لمرعى جديد.

وهذه المراعي التي ينتجعها بدو شبه الجزيرة إنما تدور حول عين من العيون، تتفجر عن ماء المطر الذي يتسلل خلال أرض البلاد الحجرية، فينبت تفجره الخضرة المنتشرة هنا وهناك في واحات تحيط بهذه العيون.

الحصن المجهول

طبيعي في بلاد كهذه حالها أن تكون كصحراء إفريقيا الكبرى، لا يقيم بها مقيم ولا تعرف الحياة الإنسانية إليها سبيلًا، وطبيعي ألا يكون لمن يحل بهذه الصحراء غرض أكثر من ارتيادها والنجاة بنفسه منها، إلا في هذه النواحي القليلة التي تنبت الكلأ والمرعى.

وطبيعي أن تظل هذه النواحي مجهولة من الناس لقلة من يغامر بحياته لارتيادها. وقد كانت بلاد العرب فيما سوى اليمن مجهولة بالفعل من أهل تلك العصور القديمة.

هذه البيئة الطبيعية وما ترتب عليها من هذه الأحوال الخلقية والسياسية والاجتماعية كان لها أثر مشابه في الحال الدينية. ويتساءل المؤلف: هل تأثرت اليمن بطبيعة اتصالها بمسيحية الروم ومجوسية الفرس بهذين الدينين، وأثرت بهما في سائر بلاد الجزيرة؟

يجيب: هذا ما يتبادر إلى الذهن، وهو بنوع خاص في أمر المسيحية؛ فالمبشرون بدين عيسى عليه السلام كان لهم في ذلك العصر ما لهم اليوم من نشاط في الدعوة إلى دينهم والتبشير به، وفي طبيعة حياة البادية من تحريك المعاني الدينية في النفس ما ليس في طبيعة حياة الحضر.

في حياة البادية يتصل الإنسان بالكون، ويحس لا نهاية الوجود في مختلف صورها، ويشعر بضرورة تنظيم ما بينه وبين الوجود في لا نهايته. أما رجل الحضر فمحجوب عن اللانهاية بمشاغله، محجوب عنها بحماية الجماعة إياه لقاء نزوله للجماعة عن جانب من حريته، وإذعانه لسلطان الحاكم كي ينال حمايته، فيقصر به ذلك عن الاتصال بما وراء الحاكم من القوى الطبيعية القوية الأثر في الحياة، ويضعف لذلك عنده روح الاتصال بعناصر الطبيعة المحيطة به.

ولا شيء من ذلك يحول بين رجل البادية والمعاني الدينية التي تحركها حياة البادية في النفس.

ويتساءل مرة أخرى: ترى هل أفادت المسيحية كثيرة النشاط منذ عصورها الأولى من هذه الظروف كلها؟

في سبيل ذيوعها وانتشارها؟.. ويرد: ربما انتهى الأمر إلى ذلك لولا أمور أخرى حالت دونه، وأبقت بلاد العرب كلها واليمن معها على الوثنية دين آبائها وأجدادها، إلا قليلًا كان من القبائل التي لانت للدعوة المسيحية.

عبادة الأوثان

كانت أقوى مظاهر الحضارة العالمية في ذلك العصر تحيط بحوضي البحر الأبيض (بحر الروم) والبحر الأحمر (بحر القلزم). وكانت المسيحية واليهودية تتجاوران في ذلك المحيط تجاورًا إن لم يكن فيه عداء ظاهر فليست فيه مودة ظاهرة. وكان لليهود في بلاد العرب جاليات كبيرة يقيم أكثرها في اليمن وفي يثرب.

ثم كانت مجوسية الفرس تقف في وجه القوات المسيحية حتى لا تعبر الفرات إلى فارس، وتؤيد بقوتها المعنوية أوضاع الوثنية حيثما وجدت الوثنية.

ولقد كان للعرب في عبادة الأوثان أفانين، وكان لكل قبيلة صنم تدين له بالعبادة، على أن كتب الأصنام لا تشير بالدقة إلى شيء من صور هذه الأصنام إلا ما قيل عن هُبل من أنه كان من العقيق على صورة الإنسان، وأن ذراعه كسرت فأبدله القرشيون منها ذراعًا من ذهب.

وهبل كان كبير آلهة العرب وساكن الكعبة بمكة، فكان الناس يحجون إليه من كل فج عميق، ولم يكن العرب ليكتفوا بهذه الأصنام الكبرى يقدمون إليها صلواتهم وقرابينهم، بل كان أكثرهم يتخذ له صنمًا أو نُصُبًا في بيته، يطوف به حين خروجه وساعة أوبته، ويأخذه معه عند سفره إذا أذن له هذا الصنم في السفر.

وهذه الأصنام جميعًا، سواء منها ما كان بالكعبة أو حولها وما كان في مختلف جهات بلاد العرب وبين مختلف قبائلها، كانت تعتبر الوسيط بين عبادها وبين الإله الأكبر، وكان العرب لذلك يعتبرون عبادتهم إياها زلفى يتقربون بها إلى الله، وإن كانوا قد نسوا عبادة الله لعبادتهم هذه الأصنام.

ومع أن اليمن كانت أرقى بلاد شبه الجزيرة كلها حضارة بسبب خصبها وحسن تنظيم انحدار المياه إلى أرضها، لم تكن مع ذلك مطمحًا لأهل هذه البلاد الصحراوية المترامية الأطراف، ولم يكن إلى معابدها حجهم، وإنما كانت مكة وكانت كعبتها بيت إسماعيل مثابة الحاج؛ إليها كانت تُشد الرحال وتشخص الأبصار، وفيها أكثر من كل جهة سواها كانت تُرعى الأشهر الحرم.

لذلك كانت مكة تعتبر عاصمة شبه الجزيرة ومركزها الممتاز في تجارة العرب، ثم أراد القدر من بعد أن تكون مسقط رأس النبي صلى الله عليه وسلم، فتكون بذلك متجه نظر العالم على توالي القرون، ويظل لبيتها العتيق تقديسه، وتبقى لقريش فيها المكانة السامية، وإن ظلت وظلوا جميعًا أدنى إلى خشونة البداوة التي كانوا عليها منذ عشرات القرون.

مولد المصطفى

في تلك الأجواء وُلد النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. ويقول المؤلف إن المؤرخين اختلفوا في العام الذي ولد فيه؛ فأكثرهم على أنه عام الفيل (570 ميلادية) عندما حاول أبرهة الأشرم هدم الكعبة. ويقول ابن عباس إنه ولد يوم الفيل، ويقول آخرون إنه ولد قبل الفيل بخمس عشرة سنة.

ويذهب غير هؤلاء إلى أنه ولد بعد الفيل بأيام أو بأشهر أو بسنين، يقدرها قوم بثلاثين سنة ويقدرها قوم بسبعين.

كما اختلف المؤرخون كذلك في الشهر الذي ولد فيه، وإن كانت كثرتهم على أنه ولد في شهر ربيع الأول. وقيل ولد في المحرم، وقيل ولد في صفر، وبعضهم يرجح رجب، على حين يرجح آخرون شهر رمضان.

كذلك اختلف في تاريخ اليوم من الشهر الذي ولد فيه؛ فقيل ولد لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، وقيل لثمان ليالٍ، وقيل لتسع. والجمهور على أنه ولد في الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وهو قول ابن إسحاق وغيره.

واختلف كذلك في الوقت الذي ولد فيه، أنهارًا كان أم ليلًا. كما اختلف في مكان ولادته بمكة، ويرجح كوسان دبر سفال في كتابه عن العرب أن محمدًا ولد في أغسطس سنة 570 ميلادية، أي عام الفيل، وأنه ولد بمكة بدار جده عبد المطلب.

وفي سابع يوم لمولده أمر عبد المطلب بجزور فنحرت، ودعا رجالًا من قريش فحضروا وطعموا. فلما علموا منه أنه سمى الطفل محمدًا سألوه: لم رغب عن أسماء آبائه؟ فقال: أردت أن يكون محمودًا في السماء لله وفي الأرض لخلقه.

جاء الرسول إلى الدنيا بعد أن فارق والده عبد الله الحياة وهو بعد جنين في بطن أمه آمنة بنت وهب، التي شاء الله أن تموت والنبي لا يزال طفلًا، ليحمل الصغير هم اليتم كاملًا. ورغم كفالة جده عبد المطلب الذي زاد في إعزازه، بقيت ذكرى اليتم أليمة عميقة في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى وردت في القرآن إذ يذكر الله نبيه بالنعمة عليه فيقول: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (الضحى: 6–7).

ولعل شدة الحزن من هذه الذكرى كانت لتخف بعض الشيء لو أن عبد المطلب عُمِّر أكثر مما عُمِّر، لكنه مات في الثمانين من عمره ومحمد ما يزال في الثامنة. وحزن الرسول لموت جده حزنه لموت أمه؛ حزن حتى كان دائم البكاء وهو يتبع نعشه إلى مقره الأخير، وكان دائم الذكر له بعد ذلك، مع ما لقي من بعد في كفالة عمه أبي طالب من عناية ورعاية ومن حماية امتدت إلى ما بعد بعثه ورسالته، ودامت إلى أن مات عمه.

والحق، يقول المؤلف، إن موت عبد المطلب كان على بني هاشم جميعًا ضربة قاسية؛ فإنه لم يكن من أبنائه من كان في مثل مكانته عزمًا وقوة أيد وأصالة رأي وكرمًا وأثرًا في العرب جميعًا. ألم يكن يطعم الحاج ويسقيهم، ويبر أهل مكة جميعًا إذا أصابهم شر أو أذى؟!

وها هم أولاء أبناؤه لم يصل أحد منهم إلى مكانته؛ إن كان فقيرهم عاجزًا عن مثل عمله، وكان غنيهم حريصًا على ما له. لذلك ما لبث بنو أمية (أبناء عمومتهم) أن تهيؤوا ليأخذوا المكانة التي طمعوا فيها من قبل دون أن يخشوا من بني هاشم مزاحمة تخيفهم.

في صحبة أبي طالب

آلت كفالة محمد إلى أبي طالب، وإن لم يكن أكبر أعمامه سنًا؛ فقد كان الحارث أسنهم. وقد أحب أبو طالب ابن أخيه كحب عبد المطلب له، أحبه حتى كان يقدمه على أبنائه، وكان يجد فيه من النجابة والذكاء والبر وطيب النفس ما يزيده به تعلقًا.

أراد أبو طالب أن يخرج يومًا في تجارة له إلى الشام حين كان محمد في الثانية عشرة من عمره، ولم يفكر في اصطحابه خوفًا عليه من وعثاء السفر واجتياز الصحراء. لكن محمدًا أبدى من صادق الرغبة في مصاحبة عمه ما قضى على كل تردد في نفس أبي طالب، فصحب الغلام القافلة حتى بلغ بُصرى في جنوب الشام.

وتروي كتب السيرة أنه التقى في هذه الرحلة بالراهب بَحِيرَى، وأن الراهب رأى فيه أمارات النبوة على ما تدله عليه أنباء كتب النصرانية، وتذهب بعض الروايات إلى أن الراهب نصح أهله ألا يوغلوا به في بلاد الشام خوفًا عليه من اليهود أن يعرفوا منه هذه الأمارات فينالوه بالأذى.

في هذه الرحلة وقعت عينا محمد الجميلتان على فسحة الصحراء، وتعلقتا بالنجوم اللامعة في سمائها الصافية البديعة. وجعل يمر بمدين ووادي القرى وديار ثمود، وتستمع أذناه المرهفتان إلى حديث العرب وأهل البادية عن هذه المنازل وأخبارها وماضيها.

وفي هذه الرحلة أيضًا وقف من بلاد الشام عند الحدائق الغناء اليانعة التي أنسته حدائق الطائف وما يروى عنها، والتي تبدت له جنات إلى جانب جدب الصحراء المقفرة والجبال الجرداء فيما حول مكة.

وفي الشام كذلك عرف محمد أخبار الروم ونصرانيتهم، وسمع عن كتابهم وعن مناوأة الفرس من عباد النار لهم وانتظارهم الوقيعة بهم. ولئن كان بعد في الثانية عشرة من سنه، لكن كان له من عظمة الروح وذكاء القلب ورجحان العقل ودقة الملاحظة وقوة الذاكرة وما إلى ذلك من صفات حباه القدر بها تمهيدًا للرسالة العظيمة التي أعده لها، ما جعله ينظر إلى ما حوله ومن حوله نظرة الفاحص المحقق، فلا يستريح إلى كل ما يسمع ويرى، فيرجع إلى نفسه يسائلها: أين الحق من ذلك كله؟



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك