- حفرية من جبل المقطم عُثر عليها عام 1927 تكشف تنوعًا أكبر للجافياليات في مصر والبحر المتوسط
أعلن الدكتور شريف خاطر، رئيس جامعة المنصورة، في بيان له اليوم الأربعاء، مشاركة مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية في دراسة دولية كشفت عن جنس جديد من التماسيح الجافيالية، من خلال إعادة دراسة حفرية مصرية تاريخية عُثر عليها في جبل المقطم عام 1927، وتعود إلى نحو 45 مليون سنة. ونُشرت الدراسة في دورية «الجمعية الملكية للعلوم المفتوحة».
وهنأ الدكتور شريف خاطر فريق مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، بقيادة الدكتور هشام سلام، على هذا الإنجاز العلمي، مؤكدًا أن إسهامات المركز في مجال الحفريات تعكس اهتمام الجامعة بالبحث العلمي المتخصص، وحرصها على دعم الباحثين والمراكز العلمية المتخصصة، بما يسهم في إنتاج معرفة جديدة وتعزيز حضور الجامعة في الأوساط العلمية الدولية.
وأكد الدكتور طارق مصطفى غلوش، نائب رئيس الجامعة لشؤون الدراسات العليا والبحوث، أن هذا الإنجاز يعكس أهمية البحث العلمي المتخصص ودور المراكز البحثية في إنتاج المعرفة وتطويرها، مشيرًا إلى حرص قطاع الدراسات العليا والبحوث على دعم الباحثين، وتعزيز التعاون مع المؤسسات العلمية الدولية، بما يتيح فرصًا أوسع للمشاركة في الدراسات والمشروعات البحثية ذات القيمة العلمية.
وقال الدكتور هشام سلام، مؤسس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية ورئيس الفريق المصري المشارك في الدراسة، إن إعادة دراسة الحفرية المصرية التاريخية كشفت أنها تمثل جنسًا جديدًا من التماسيح الجافيالية، أُطلق عليه «هيروجافيالس»، وأُعيد إسناد النوع المعروف منذ عام 1927 «كايرينسيس» إلى الجنس الجديد، ليصبح اسمه العلمي «هيروجافيالس كايرينسيس»، وذلك بعد إخضاع الحفرية لفحوص ودراسات تشريحية وتطورية باستخدام أدوات علمية حديثة.
وأوضح أن الدراسة أُجريت ضمن فريق دولي، بمشاركة باحثي مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، على العينات المحفوظة حاليًا في متحف شتوتجارت الحكومي للتاريخ الطبيعي بألمانيا، وشملت فحص البنية الداخلية للجمجمة وإعادة بنائها رقميًا، إلى جانب المقارنات التشريحية ودراسة العلاقات التطورية.
وأشار الدكتور هشام سلام إلى أن الحفرية عُثر عليها في جبل المقطم عام 1927، وظلت لعقود معروفة علميًا باسم «تومستومة كايرينسي»، بسبب شكل الجمجمة والخطم الطويل، قبل أن تشير دراسات تطورية لاحقة إلى أن هذا النوع لا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالجافيال الكاذب، وهو ما دفع إلى إعادة فحصه وتقييم موقعه التطوري.
وأضاف أن أهمية الدراسة لا تقتصر على تحديد جنس جديد، وإنما تسهم أيضًا في إعادة بناء التاريخ التطوري للجافياليات في مصر وشمال أفريقيا، وفهم صلاتها بالأشكال التي عاشت حول البحر المتوسط.
وتعود الحفرية إلى العصر الإيوسيني الأوسط، قبل نحو 45 مليون سنة، عندما كانت مصر تتميز ببيئات بحرية ضحلة ودافئة، عاشت فيها أنواع متعددة من الكائنات، من بينها الحيتان وعرائس البحر والتماسيح طويلة الخطم من مجموعة الجافياليات.
وكشفت الدراسة أن طول الخطم يمثل نحو 64% من طول الجمجمة، إلى جانب خصائص تشريحية مميزة في منطقة محجر العين وأجزاء أخرى من الجمجمة. وأظهر تحليل العلاقات التطورية أن «هيروجافيالس» يمثل فرعًا مبكرًا من الجافياليات، ولم يتجمع مباشرة مع الأنواع الأفريقية أو المتوسطية التي شملتها الدراسة.
ويحمل اسم «هيروجافيالس» قصة تربط هذا التمساح بأحد أشهر معالم مصر؛ إذ عُثر على الحفرية في تكوين المقطم الجيولوجي، وهو التكوين الصخري نفسه المرتبط بصخور تمثال أبي الهول. كما تفتقد الجمجمة الجزء الأمامي من خطمها، في تشابه لافت مع الأنف المفقود لتمثال أبي الهول.
ومن هنا جاء اسم «هيروجافيالس»؛ إذ استُلهم الجزء الأول «هيرو» من «حِرو» أو حورس، الإله المصري القديم الذي ارتبط بأبي الهول خلال الدولة الحديثة، حين عُرف التمثال باسم «حور إم أخت»، أي «حورس في الأفق». أما الجزء الثاني «جافيالس» فيشير إلى القرابة التطورية للحيوان مع «جافيالس»، جنس الغاريال الهندي الحديث، بينما يشير اسم النوع «كايرينسيس» إلى القاهرة. ومن هذا الارتباط جاء وصفه بـ«تمساح أبو الهول».
وأشار الدكتور هشام سلام إلى أن نتائج الدراسة تأتي في إطار مشروع أوسع لدراسة تنوع التماسيح الحفرية في مصر وشمال أفريقيا، يجمع بين إعادة دراسة العينات التاريخية المحفوظة في المتاحف والعمل الميداني الجديد، لافتًا إلى أن عددًا من المجموعات الحفرية المصرية المهمة الموجودة في المتاحف الأوروبية والأمريكية لا يزال يحمل إمكانات علمية كبيرة لم تُستثمر بالكامل.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور هشام سلام أن مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية لديه مبادرة بعنوان «دراسة الحفريات المصرية في الخارج»، تهتم بالوصول إلى الحفريات المصرية التي سبق اكتشافها وأصبحت محفوظة في المتاحف والمؤسسات العلمية خارج مصر، وإعادة دراستها أو المشاركة في دراستها، بما يسهم في الاستفادة من هذه المجموعات وإتاحة معلومات جديدة عن تاريخ الحياة القديمة في مصر.
ومن جانبها، أوضحت الدكتورة سارة صابر أن وجود الحفرية داخل المتحف لا يمثل نهاية رحلتها العلمية، إذ يمكن للمجموعات التاريخية أن تكشف معلومات جديدة مع تطور تقنيات التصوير والتحليل واتساع نطاق المقارنات التشريحية.
وقال الباحث بلال سالم إن الحفرية نفسها ليست جديدة، وإنما الجديد هو السؤال الذي طُرح عليها، موضحًا أن إعادة تقييم العينات التاريخية في ضوء بيانات ومقارنات جديدة قد تغير فهمنا لهويتها وعلاقاتها التطورية حتى بعد مرور عقود على اكتشافها.
وقال بول بيرك، الباحث بالمتحف السويدي للتاريخ الطبيعي والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن منطقة البحر المتوسط شهدت تنوعًا كبيرًا في التماسيح، بما في ذلك الجافياليات، خلال جزء كبير من الخمسين مليون سنة الماضية، وإن الحفرية المصرية الجديدة تصنيفيًا تضيف قطعة مهمة إلى فهم هذا التاريخ.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن تنوع الجافياليات في منطقة البحر المتوسط شهد تراجعًا خلال أواخر العصر الإيوسيني والعصر الأوليجوسيني، وربما ارتبط ذلك بانخفاض درجات الحرارة عالميًا وانحسار مستوى سطح البحر، قبل أن يعود إلى الارتفاع خلال العصر الميوسيني مع ارتفاع درجات الحرارة ومستوى سطح البحر.
ونُشرت الدراسة بعنوان «تشريح جمجمة التمساح المصري من العصر الإيوسيني الأوسط هيروجافيالس كايرينسيس يكشف رؤى جديدة حول تنوع الجافياليات في منطقة البحر المتوسط»، بمشاركة بول بيرك، وسباستيان سبيكمان، وبلال سالم، وسارة صابر، وهشام سلام، وفيليب مانيون، في دورية «الجمعية الملكية للعلوم المفتوحة» عام 2026.