أعمالها جريئة ومبتكرة.. آن كارسون من أساطير اليونان إلى نوبل - بوابة الشروق
الجمعة 9 أكتوبر 2026 7:44 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

أعمالها جريئة ومبتكرة.. آن كارسون من أساطير اليونان إلى نوبل

منى غنيم
نشر في: الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 4:23 م | آخر تحديث: الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 4:23 م

كارسون شاعرة ابتكرت أشكالا جديدة للأدب المعاصر

كسرت حدود الأدب وأعادت تعريف الشعر ممزوجا بالنثر والفنون البصرية


لم يكن فوز الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون، بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026 تكريمًا لمسيرة شعرية تقليدية، بقدر ما كان احتفاءً بمشروع أدبي يصعب وضعه داخل تصنيف واحد؛ فعلى امتداد أربعة عقود، تنقلت كارسون بين الشعر والنثر والمقال النقدي والترجمة، واستعادت الأساطير والمأساة الإغريقية لتعيد صياغتها في ضوء أسئلة الإنسان المعاصر عن الحب والرغبة والخيانة والفقد والموت. ولم تتعامل مع التراث الكلاسيكي باعتباره ماضيًا مكتملًا، بل مادة حية يمكن مساءلتها وإعادة تركيبها، بحيث تتجاور الشخصيات الأسطورية مع تجارب عاطفية ونفسية تنتمي إلى عالمنا اليوم.

وفي إعلان منحها الجائزة في 8 أكتوبر 2026، وصفت الأكاديمية السويدية أعمال كارسون بأنها "جريئة ومبتكرة"، مشيرة إلى أنها، عبر حوار مرح مع التراث الكلاسيكي، ابتكرت أشكالًا جديدة للأدب المعاصر، واختصر هذا التوصيف أحد أبرز ملامح تجربتها؛ فهي لم تكتفي بتقديم أفكار جديدة، بل اختبرت أيضًا إمكانات جديدة للشكل الذي تُكتب به الأفكار، فلم تظل القصيدة قصيدة بالمعنى المألوف، ولم يتحول المقال النقدي إلى شرح أكاديمي جاف، ولم تنفصل الحكاية عن الصورة والتصميم والموسيقى.

وانتمت كارسون إلى تقليد أدبي يضع المعرفة في قلب الكتابة الإبداعية، لكنها لم تستخدم معرفتها باليونانية القديمة لتأكيد سلطة النصوص الكلاسيكية أو إعادة إنتاجها، بل لتفتح بينها وبين الحاضر مساحات للتوتر والمفارقة وإعادة التأويل. وبذلك أصبحت واحدة من أبرز الأصوات التي يصعب اختزالها في جنس أدبي بعينه.

من تورونتو إلى الأدب الإغريقي

ووُلدت آن كارسون في 21 يونيو 1950 في مدينة تورونتو الكندية، ولم يكن طريقها إلى الكتابة الأدبية منفصلًا عن دراستها الأكاديمية؛ فقد بدأت علاقتها العميقة باليونانية القديمة خلال سنوات الدراسة الثانوية، حين وافق مدرس للاتينية على تعليمها اليونانية القديمة خلال ساعة الغداء، وكانت تلك التجربة نقطة تحول أساسية، إذ فتحت أمامها عالمًا من النصوص التي ستصبح لاحقًا أحد المصادر الرئيسية لمشروعها الأدبي.

والتحقت كارسون بجامعة تورونتو، لكنها غادرت الدراسة مرتين قبل أن تستكمل مسيرتها الجامعية، وحصلت على البكالوريوس عام 1974، ثم الماجستير عام 1975، والدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، ولم تكن هذه الرحلة الأكاديمية مجرد خلفية لسيرتها؛ إذ ظلت اللغة اليونانية القديمة وشعراؤها ومآسيها حاضرة في أعمالها، سواء في ترجماتها أو في نصوصها التي تستعير من الأساطير شخصياتها وبنيتها، ثم تدفعها إلى مواجهة أسئلة حديثة.

وعملت كارسون أستاذة للأدب الكلاسيكي والدراسات المرتبطة به في عدد من الجامعات في كندا والولايات المتحدة، من بينها جامعة مكجيل وجامعة ميشيجان، وقد جمعت بين التدريس والبحث والترجمة والكتابة الإبداعية، وهو ما أسهم في تشكيل أسلوبها الذي يمزج المعرفة الأكاديمية بالحس الشعري، من دون أن يجعل النص الأدبي تابعًا للبحث العلمي.

ولكن المفارقة أن صاحبة هذه الخلفية الأكاديمية الواسعة لم تنظر إلى نفسها دائمًا باعتبارها كاتبة بالمعنى التقليدي؛ ففي حوار مع مجلة «باريس ريفيو»، تحدثت عن اهتمامها بالرسم منذ طفولتها، مشيرة إلى أنها لم تكن تكتب كثيرًا في سنواتها المبكرة، وأنها كانت ترسم الصور، وأحيانًا تكتب عليها. كما أبدت تحفظًا إزاء تعريف نفسها شاعرة، مؤكدة أن ما يشغلها هو ضرورة صنع الأشياء والتعبير عنها، وأن الكتاب يظل إحدى الوسائل المتاحة لذلك، وليس بالضرورة الشكل الذي يستوعب كل ما تريد قوله.

«إيروس الحلو المر».. الحب بوصفه مسألة فكرية

وصدر كتاب كارسون الأول «إيروس الحلو المر: مقالة» عام 1986، وكان عملًا نقديًا يدرس الحب والرغبة من خلال الشعر اليوناني القديم، مستندًا إلى مفهوم «إيروس» بوصفه قوة تجمع بين اللذة والألم، وبين الانجذاب والافتقاد، ولم يكن الكتاب دراسة تاريخية عن تصورات الإغريق للحب فحسب، بل محاولة لفهم التناقض الكامن في الرغبة الإنسانية: فالحب لا يتحدد بما نملكه، وإنما قد يشتد بفعل المسافة بيننا وبين ما نريد.


وقد مثّل هذا العمل مدخلًا مبكرًا إلى الطريقة التي ستتطور في كتبها اللاحقة؛ إذ لم تفصل كارسون بين البحث والتجربة الشخصية، ولم ترى في المعرفة الأكاديمية نقيضًا للكتابة الأدبية. وبدلًا من تقديم أطروحة نقدية مغلقة، استثمرت النصوص القديمة لاستكشاف أسئلة تظل مفتوحة في الحاضر، ومن هنا جاءت خصوصية مشروعها؛ فالقارئ لا يواجه نصًا أكاديميًا تقليديًا، ولا قصيدة تتخلى عن المعرفة لصالح الانفعال، بل كتابة تتحرك باستمرار بين المجالين.


«السيرة الذاتية للأحمر».. أسطورة إغريقية في هيئة رواية شعرية

إذا كان «إيروس الحلو المر» قد كشف عن الطريقة التي تفكر بها كارسون في الحب، فإن كتابها «السيرة الذاتية للأحمر» الصادر عام 1998 منح هذا التفكير شكلًا سرديًا أكثر جرأة، ويُصنَّف العمل رواية شعرية تستعيد أسطورة جيريون، الكائن ذي الأجنحة الحمراء الذي يرتبط في الميثولوجيا الإغريقية بقصة هرقل وإحدى مهامه الاثنتي عشرة.

ولكن كارسون لم تعيد سرد الأسطورة كما وردت في المصادر القديمة، فقد نقلت شخصياتها إلى عالم حديث، وجعلت جيريون فتى حساسًا ذا أجنحة حمراء، بينما ظهر هرقل في صورة شاب متمرد وجذاب، وتنشأ بينهما علاقة عاطفية تصبح مركزًا لحكاية عن التعلق والهشاشة والخذلان، قبل أن تتطور الأحداث إلى مواجهة مع ذكريات الحب وما يتركه من آثار.

ويكمن التجديد هنا في أن الأسطورة لا تعود حكاية عن بطل خارق ووحش ينبغي القضاء عليه؛ إذ يتغير مركز الاهتمام من بطولة هرقل إلى تجربة جيريون الداخلية، ومن الانتصار الجسدي إلى الألم العاطفي، كما منحت كارسون الشخصية التي ارتبطت في الموروث القديم بصورة الوحش فرصة لأن تتحدث عن نفسها، وأن تصبح ذاتًا لها مشاعرها وذاكرتها ووجهة نظرها.

وقد أسهم هذا العمل في توسيع جمهور كارسون، وأصبح من أشهر كتبها وأكثرها ارتباطًا باسمها. وهو أيضًا مثال واضح على قدرتها على تحويل مادة أسطورية إلى عمل مستقل لا يتطلب من القارئ معرفة مسبقة بالتفاصيل الكلاسيكية كي يتفاعل مع صراعاته الإنسانية.

الخيانة الزوجية في «جمال الزوج»

ونشرت كارسون كتاب «جمال الزوج: مقالة تخييلية في تسع وعشرين تانجو» عام 2001، وهو عمل يمزج الشعر بالسرد والتأمل، ويتناول الحب الزوجي والخيانة وتفكك العلاقة بين شخصين، واستعار الكتاب من رقصة التانجو بنيتها الإيقاعية المتوترة، بما تتضمنه من اقتراب وابتعاد وتبادل للأدوار، ليجعلها إطارًا للتفكير في الرغبة والانجذاب والخيبة.

ولم تقدم كارسون الخيانة باعتبارها واقعة أخلاقية يمكن حسمها بإدانة طرف وتبرئة آخر، بل نظرت إلى العلاقة الزوجية من خلال تناقضاتها الداخلية، وإلى الطريقة التي قد يجتمع بها الحب مع النفور، والتعلق مع الرغبة في الانفصال. وأتاحت بنية الكتاب المجزأة انتقالًا مستمرًا بين السرد والتأمل، بحيث تتشكل صورة العلاقة من شذرات ومراجعات واستعادات، بدلًا من خط حكائي مستقيم.

وحصل الكتاب على جائزة" تي إس إليوت" للشعر، ليعزز مكانة كارسون بوصفها كاتبة قادرة على إعادة تشكيل القصيدة الطويلة وتوسيع حدودها، من دون التخلي عن كثافتها الفكرية أو انشغالها بالمشاعر الإنسانية.

«نوكس».. كتاب عن الأخ الذي لا يعود


ومن الأعمال التي تكشف جانبًا أكثر شخصية في تجربتها كتاب «نوكس» الصادر عام 2010، ويحمل عنوانه الكلمة اللاتينية التي تعني «الليل»، ويتصل بوفاة شقيق كارسون، إذ تحاول الكاتبة استعادة أخيها عبر الذاكرة واللغة والوثائق والصور.


ولم يأتي الكتاب في صورة سيرة تقليدية أو رثاء شعري متصل، بل اتخذ شكل عمل فني مركب، جمع النصوص والصور والتفاصيل المادية في بنية أقرب إلى الأرشيف الشخصي، وعكس هذا الشكل محاولة استعادة شخص غائب من خلال ما تبقى منه، مع الاعتراف في الوقت نفسه بأن الذاكرة لا تستطيع إعادة الغائب كاملًا.


واكتسبت التجربة قوتها من التوتر بين الرغبة في الفهم واستحالة الوصول إلى معرفة نهائية؛ فالكتابة هنا ليست وسيلة لإغلاق الحزن أو تجاوزه، وإنما محاولة لمواجهته، وللتعامل مع الفجوات التي يتركها الموت في اللغة وفي الذاكرة.

من التراجيديا الإغريقية إلى تجديد أشكال الكتابة الشعرية

و كرست كارسون، إلى جانب أعمالها الشعرية، جانبًا مهمًا من مسيرتها لترجمة النصوص الإغريقية، ومن أبرز أعمالها ترجمة «إلكترا» لسوفوكليس، التي صدرت عام 2001، وكتاب «إن لم يكن الآن، فالشتاء: شذرات من سافو» الصادر عام 2002، الذي يعيد تقديم ما تبقى من شعر الشاعرة الإغريقية سافو، وهي نصوص وصل كثير منها إلى العصر الحديث في صورة شذرات ناقصة.

وتتجاوز أهمية هذه الترجمات نقل المعنى من لغة إلى أخرى؛ فهي تتعامل مع النصوص القديمة باعتبارها أعمالًا وصلت إلينا عبر تاريخ طويل من الفقد والتحول. وفي حالة سافو تحديدًا، تصبح الشذرات والفراغات جزءًا من تجربة القراءة، فلا يختفي النقص خلف محاولة مصطنعة لاستكمال النص، بل يظل حاضرًا في شكل الكتاب ومعناه.

وشاركت كارسون عام 2009 في تقديم «أوريستيا»، وهو عمل يعيد معالجة ثلاثية المآسي الإغريقية المرتبطة بأسطورة أوريستيس، وكشفت هذه المشاريع عن تداخل دورها شاعرة ومترجمة وباحثةً في الأدب الكلاسيكي، وعن استمرار اهتمامها بالكيفية التي يمكن بها للنص القديم أن يتحدث إلى قارئ معاصر.

ومن أعمالها الأخرى «نزع الخلق» الصادر عام 2005، الذي جمع القصائد والمقالات والنصوص المسرحية والتأملات الفلسفية، واستعار عنوانه وفكرته من الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل، وتناول الكتاب إمكان تخلي الإنسان عن مركزية ذاته، في مسعى فكري وروحي يتجاوز الحدود المألوفة بين الشعر والفلسفة.

كما نشرت «رجال في غير أوقات العمل» عام 2000، وهي مجموعة تتجاور فيها المراثي وقصائد الحب والتأملات والنصوص التي تحاور أعمالًا فنية، وحصلت على جائزة "جريفين" للشعر، ثم جاء كتاب «ريد دوك» عام 2013، بوصفه امتدادًا لعالم «السيرة الذاتية للأحمر»، ولكن في صيغة جديدة تواصل اختبار إمكانات الحكاية الشعرية.

وفي عام 2016، أصدرت «فلوت»، وهو مشروع يضم مجموعة من النصوص والأعمال التي ظهرت في إصدارات منفصلة، ويعكس اهتمامها باستكشاف العلاقة بين الكتابة والفنون البصرية، أما كتابها «نورما الخطأ»، الصادر عام 2024، فضم نصوصًا نثرية شعرية تتنقل بين التأمل والسخرية والتجريب، ووصل إلى القائمة النهائية لجائزة الكتاب الوطني الأمريكية، كما حصل على جائزة دائرة نقاد الكتب الوطنية الأمريكية لعام 2024.

وأوضحت هذه الأعمال أن التجريب لدى كارسون ليس مجرد كسر لقواعد الكتابة أو رغبة في الغرابة، بل طريقة لمقاربة موضوعات تتطلب أكثر من شكل واحد للتعبير عنها؛ فالفقد قد يحتاج إلى الصورة والوثيقة، والأسطورة قد تحتاج إلى الرواية الشعرية، والحب قد يستدعي المقال الفلسفي والقصيدة معًا.

من أنتيجونا» إلى مارلين مونرو.. إعادة اختراع التراث الأدبي

ومن الأعمال التي تكشف عن اتساع تجربة آن كارسون الشعرية والفكرية، مجموعتها «الزجاج والسخرية والإله» الصادرة عام 1995، التي تمزج الشعر بالتأمل الفلسفي وتطرح أسئلة عن الحب والإيمان والجسد والعلاقات الإنسانية، وكتاب «الماء العذب» الصادر في العام نفسه، الذي يجمع بين المقالات والشعر ويعكس ميلها إلى تجاوز الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية، وفي عام 1992، نشرت «أحاديث قصيرة»، وهو كتاب يضم نصوصًا نثرية شديدة التكثيف، تتخذ من الملاحظات والتأملات القصيرة وسيلة لالتقاط لحظات إنسانية وفكرية عابرة.

وامتد اشتغال كارسون بالتراث الإغريقي إلى أعمال أكثر تجريبًا، من بينها «أنتيجونيك» الصادر عام 2012، وهو إعادة كتابة لمأساة «أنتيجونا» لسوفوكليس، تجمع النص الشعري بالرسوم والتصميم البصري، و«تمرين ألبيرتين» الصادر عام 2014، الذي تنطلق فيه من شخصية ألبيرتين في رواية مارسيل بروست «البحث عن الزمن المفقود» لتقدم تأملات في الذاكرة والرغبة وطبيعة الشخصية الأدبية، وفي عام 2019، قدمت مسرحية «نورما جين بيكر من طروادة»، التي تمزج سيرة مارلين مونرو بأسطورة هيلين الطروادية، لتعيد التفكير في الشهرة والجمال والحرب وصناعة الصورة العامة.

ترجمات عربية

ووصل إلى القارئ العربي كتابان للشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون؛ أولهما الرواية الشعرية «سيرة ذاتية للأحمر»، بترجمة مأمون الزائدي، والصادرة عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع عام 2017، وثانيهما «إيروس: الحلو المر»، بترجمة عبد الرحيم يوسف، والصادر عن دار صفصافة للنشر والتوزيع عام 2024.

الجوائز والاعتراف العالمي

وحصلت كارسون على امتداد مسيرتها على مجموعة من الجوائز والمنح الأدبية والأكاديمية البارزة؛ ففي عام 2000، نالت زمالة مؤسسة ماك آرثر، المعروفة على نطاق واسع باسم «منحة العباقرة»، كما حصلت على زمالة جوجنهايم، إلى جانب تكريمات أخرى في مجال الشعر والأدب.

وجاء فوزها بنوبل عام 2026 ليضع مشروعها في صدارة الاعتراف الأدبي العالمي، بوصفه تجربة تتحدى الفصل التقليدي بين الشعر والنثر، وبين الإبداع والبحث، وبين التراث القديم والكتابة المعاصرة. كما أعاد تسليط الضوء على قدرة الشعر على تجاوز جمهوره المتخصص حين يتحول إلى وسيلة لطرح أسئلة إنسانية مشتركة، والاعتراف بأن الأدب يظل قادرًا على ابتكار لغته وأشكاله كلما واجه تجربة لا تكفيها القوالب الموروثة.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك