- الذكاء الاصطناعى لن يجعل الجميع كتّابًا.. لكنه قد يصنع نخبة أكثر إبداعًا
- لا يمكن أن نأخذ رأى السائح أو الزائر العابر باعتباره حكمًا على المكان.. فهذا رأى انطباعى
- الجغرافيا المحرمة المتمثلة فى كمبوندات الساحل ليست مشكلة مكانية فقط.. بل تهدد السلام
- قصة «سن الكداب» نموذج لكيف تحفظ أسماء الأماكن ذاكرتها الاجتماعية
- الواحات تواجه خطر نضوب المياه الجوفية والسحب منه فى الزراعة والاستصلاح الزراعى وغيرهما يمثل خطورة
بين الجغرافيا والترحال والكتابة الأدبية، يقدّم الدكتور عاطف معتمد، أستاذ الجغرافيا، مشروعًا يسعى إلى إعادة تقديم جغرافية مصر بعيدًا عن القوالب المدرسية والأكاديمية الجافة، عبر كتب تجمع بين الدقة العلمية والسرد الثقافى. وفى كتابيه «صوت المكان» و«رحلات فى ثلاث صحراوات»، الصادرين عن دار الشروق يتعرف القارئ على المدن والبيئات والصحارى والأماكن المصرية من زوايا تتقاطع فيها الجغرافيا مع التاريخ والإنسان والذاكرة.
فى هذا الحوار مع «الشروق»، يتحدث د. عاطف معتمد عن مشروعه لكتابة جغرافية مصر، وكيف أسهم الترحال والكتابة الصحفية وتجربة «فيسبوك» فى تشكيل أسلوبه، وتأثير التكنولوجيا فى معنى السفر والاكتشاف، وتحولات نهر النيل، ومستقبل الواحات، ودلالة أسماء الأماكن، إلى جانب رؤيته للتنمية والفضاءات العامة، ومشروعه المقبل عن نهر النيل.
< فى البداية متى قررت البدء فى مشروع كتابة «جغرافية مصر»؟ وما الخطوة المقبلة بعد «رحلات فى ثلاث صحراوات»؟
ـــــ مشروع كتابة جغرافية مصر تم الاتفاق عليه مع دار الشروق ليصدر فى سلسلة من الإصدارات، بحيث تكوّن هذه الأجزاء فى النهاية صورة مفصلة للقارئ عن جغرافية مصر.
لكن هل هى جغرافية مصر بالطريقة المدرسية التى نراها فى الكتب المدرسية أو الجامعية؟ لا، وإنما تأتى ضمن فرع حديث فى الجغرافيا اسمه «الجغرافيا الثقافية».
< وماذا تعنى الجغرافيا الثقافية؟
ــــ تعنى أننا نتناول الموضوعات الجغرافية بطريقة أقرب إلى المقال الثقافى، أو القصة المقالية، أو المقال القصصى، أى إننا نقدم حكاية أو رواية صغيرة عن الأماكن، تجمع بين الدقة العلمية والأسلوب الذى يناسب القارئ العام.
أهمية ذلك أن من يقدم هذه المعلومات متخصص فى الجغرافيا، وله سنوات طويلة من العمل فى المجال، وبالتالى يطمئن القارئ إلى قدر كبير من دقة المعلومات، خصوصًا فى وقت أصبحت فيه المعلومات غير الموثوقة منتشرة على مواقع التواصل الاجتماعى والمواقع المختلفة.
لكن هذه المعلومات لا تقدم بالطريقة المدرسية أو الجافة أو التلقينية، وإنما فى غلاف ثقافى وقصصى، وبأسلوب يمكن أن نطلق عليه أسلوبًا أدبيًا أو بلاغيًا، يلقى قبول المثقف العام.
< هل يمكن وصف هذا الأسلوب بأنه مبسط؟
ـــ نعم، هو مبسط، لكنه يدخل إلى منطقة يحب فيها القراء قراءة القصة والحكاية. والمشروعان يقدمان المعلومات الجغرافية بطريقة مقالية أو قصصية، وبأسلوب يمكن أن يوصف بأنه أدبى أو بلاغى أو سلس أو تشويقى.
وهذه ليست تجربة مستحدثة من العدم، وإنما لها جذور لدى كبار رواد الثقافة المصرية؛ فنجدها عند محمد حسين هيكل، وعند الدكتور زكى نجيب محمود، وفى الجغرافيا عند العالم الكبير الدكتور جمال حمدان، الذى قدم الجغرافيا أيضًا للمثقف العام.
هى تجربة موجودة فى تخصصات علمية أخرى مثل الفلسفة والأدب والسياسة والاقتصاد، لكنها ربما ليست شائعة بالقدر نفسه فى الجغرافيا، باستثناء الحالة الفريدة التى يمثلها كتاب «شخصية مصر». وكثيرون يقولون إنهم قرأوا «شخصية مصر»، لكن الحقيقة أن كثيرين لم يقرأوه كاملًا، لأنه يصل إلى نحو 4000 صفحة فى أربعة أجزاء كبيرة.
< فى كتابك «صوت المكان»، كيف أسهم الترحال فى كسر القالب الأكاديمى ومنح الجغرافيا لغة مختلفة؟
ـــ أنا أعتز بكونى مدرسًا فى الجامعة، بنفس اعتزازى بأن أكون كاتبًا أو أن يقول الناس عنى إننى كاتب. وفكرة أن يصف الإنسان نفسه بأنه كاتب فيها قدر من الجرأة، لأن الحكم فى النهاية للقراء، لكن ما أنا متأكد منه بحكم المهنة أننى مدرس.
هناك اعتقاد خاطئ بأن المدرس يدخل ليلقى المحاضرة ثم ينصرف، لكن الأستاذ فى المحاضرة لديه قصة أو حكاية يريد أن ينقل من خلالها الموضوع إلى الطلاب. وأنا وجدت عند أساتذة موهوبين، أصحاب حضور وكاريزما، ما كنت أتمناه وأنا طالب، بينما كان هناك أساتذة آخرون لا يملكون هذه الصفات.
لذلك حاولت منذ البداية، فى المحاضرات، أن تكون المحاضرة شيقة ومفهومة للطلاب. وهذا لم يحدث مرة واحدة، وإنما استغرق سنوات طويلة، حتى اطمأننت إلى أن الطلاب يفهمون ويستمتعون، وفى أحيان كثيرة تكون هناك دعابة أو معلومة شيقة.
< وكيف انتقل هذا الأسلوب من قاعة المحاضرات إلى الكتابة الصحفية؟
ــــ طبقت الفكرة نفسها فى المقالات. عندما عدت من البعثة فى روسيا عام 2001، بدأت كتابة المقال الصحفى فى الجغرافيا السياسية، وكان مطلوبًا منا أن نحكى القصة كلها فى 1200 كلمة، أو 1000 كلمة، وأحيانًا 1500 كلمة، وبعض المواقع كانت تطلب 800 كلمة فقط.
كانت هذه مهمة صعبة جدًا فى البداية، لأننا فى الجامعة اعتدنا كتابة الفصول والتقارير والمواد المطولة. لكن هذه التجربة علمتنى الكثير.
ومنذ عام 2001، عندما حصلت على الدكتوراه، بدأت أكتب المقالات، وراقبت كيف يستطيع كبار الأساتذة الصحفيين والكتاب الموهوبين أن يحكوا القصة كاملة فى 1200 كلمة، أى فى ثلاث أو أربع صفحات. وبالتالى تدربت على ذلك على مدار نحو 25 عامًا.
< تطرقت إلى فكرة «موت المسافة» أو «موت الجغرافيا» بسبب التطور التكنولوجى. هل سهولة السفر واختصار المسافات أفقدانا مغامرة الاكتشاف؟ أم أن السير على الأقدام يعيد هذه الروح؟
ــــ التكنولوجيا فى كل وقت لها عيوب ومزايا. من عيوبها أننا إذا أردنا مثلًا زيارة أسوان، يمكننا قبل السفر أن نشاهد عشرات الفيديوهات والصور عنها، وعندما نصل قد نشعر بأننا رأينا هذا المكان من قبل، فيفقد جزءًا من شغف الاكتشاف. وقد يحدث العكس أيضًا، حين تكون الصورة التى شاهدناها على الإنترنت مبالغًا فيها فنصطدم بالواقع.
لكن هناك أمرًا أهم؛ فالإنسان كان يسافر لكى يعود ويفتخر أمام الناس ويقول: سافرت ورأيت. وكان الآخرون يسألونه: ماذا رأيت؟ فيمتلك نوعًا من السلطة بوصفه من رأى وشاهد وسمع وتذوق الطعام وعاصر التجربة.
أما اليوم، فالمستمع يستطيع أن يقول: أنا أستطيع أن أرى بنفسى، أو شاهدت هذا فى الأفلام الوثائقية أو على المنصات وبالتالى لم تعد سلطة من يسافر ويعود كما كانت.
< هل ترى أن هذا التطور أنهى دور الرحالة؟
ـــــ لا، بل ربما أعطانا نوعًا آخر من الرحالة. فكما أن الذكاء الاصطناعى والكتب الإلكترونية والموسوعات الرقمية توفر المعلومات، فإنها فى الوقت نفسه تقول للمفكر والمتدبر: بما أن المعلومات أصبحت موجودة، فقدم أنت الأفكار التى تتجاوز الوصف.
فى الماضى كان المسافر يعود ليقول إن هناك مكانًا كذا، وإن الناس يأكلون طعامًا اسمه كذا، وتنتهى الحكاية عند هذه النقطة. أما الآن، وبما أن الناس يعرفون هذه المعلومات، فبإمكان المسافر أن يصبح محللًا ومتدبرًا ومفكرًا ومخططًا ومقترحًا للحلول، يرى ما وراء المشاهد التى يراها الجميع.
وهكذا يمكن أن يظهر نوع أكثر تقدمًا من المسافرين والرحالة الذين يرون خلف المشاهد المعلنة. والأمر نفسه ينطبق على الذكاء الاصطناعى؛ فهو لن يجعل الجميع كتّابًا أو مترجمين بالضرورة، وإنما قد يخرج بعد فترة نخبة من الكتاب والمفكرين الذين يستخدمون هذه الأدوات من دون أن تضرهم، بل تساعدهم على إنتاج أعمال أكثر رقيًا.
< وصفت فى «صوت المكان» نهر النيل بأنه كان مغامرًا وعنيدًا قبل السد العالى، ثم تحول إلى السكون والاستاتيكية. كيف انعكس هذا التحول على المجتمع المصرى والطاقة والحراك الاجتماعى؟
ـــــ عندما نسافر إلى دول أخرى، نرى أممًا وشعوبًا أخرى، نجد لديهم طاقة. وهذه الطاقة فسرها العلماء بأسباب كثيرة، مثل الديمقراطية، والنظام السياسى، وتعدد الأحزاب، والتعليم، والثقافة، والاقتصاد والثروة، وكل عالم قد يطرح تفسيره الخاص لمصدر الطاقة التى تحرك الشعب.
وفى الجغرافيا نحاول أيضًا تفسير التفوق أو الخمول والركود من خلال البيئة.
لدينا، مثلًا، صورة نمطية قديمة تقارن بين أهل السواحل وأهل الصعيد؛ هذه الصورة النمطية تقوم على افتراض أن البيئة الساحلية المتحركة، بما فيها البحر والسفر والصيد والمراكب والأجانب والوافدون، تخلق ديناميكية، بينما تبدو بيئة الصعيد أكثر ثباتًا.
لكن هذا يظل صورة نمطية غير صحيحة على إطلاقها؛ ففى الصعيد أشخاص أذكياء جدًا ولديهم طاقة، وفى المناطق الساحلية أيضًا أشخاص قد يكونون منغلقين. فالبيئة لها تأثير، لكن لها استثناءاتها.
ومع ذلك، يمكن القول فى المجمل إن البيئات المتحركة والديناميكية قد تمنح أهلها قدرة أكبر على الحراك واكتساب الطاقة والعمل مقارنة بالبيئات المنغلقة.
< وكيف كان نهر النيل جزءًا من هذه البيئة الديناميكية؟
ــــ أهل الصعيد كانوا يطلقون على نهر النيل اسم «البحر»، لأنه كان كبيرًا ومتحركًا وديناميكيًا، ويأتى بالخيرات والمياه والطمى والأسماك.
قبل السد العالى، كان النهر يفيض وينحسر، وتتغير مساحته، وتظهر على جانبيه بحيرات وبرك وأخوار. وكانت هناك دورة من الحركة ترتبط بالمواسم؛ الخريف والشتاء ثم الزراعة والحصاد.
لذلك كانت البيئة متحركة وديناميكية، ولم يكن نهر النيل ثابتًا كما هو اليوم. وكان هذا التغير يؤثر فى الإنسان وفى قدرته على الحركة، بل وفى صحته أيضًا، لأن الإنسان كان يعيش فى بيئة متجددة.
ومن أكثر المناطق التى ظهرت فيها هذه الحركة والطاقة إقليم أسوان، حيث كان يوجد ما يسمى «الشلال» أو «الجندل»، وهو مجموعة من الصخور الجرانيتية التى كان النهر عندما يدخل إليها يصدر أصواتًا صاخبة تشبه الشلال نتيجة شدة حركة المياه.
< ما الفارق بين تسجيل الجغرافيا بعين الإنسان العادى الذى يصور بهاتفه اليوم، وبين رؤية الجغرافى المحترف الذى يعتمد على الخرائط والرصد الميدانى؟
ــــ الفرق الأساسى هو الفرق بين الانطباع ووجهة النظر من ناحية، والعلم من ناحية أخرى.
لو قلنا مثلًا إن مدينة المحلة فى الدلتا، وذهب شخص ورأى أنها مدينة متدهورة أو مزدحمة جدًا، فهذا رأى يخص اللحظة التى عاشها. وقد ينطبق الأمر نفسه على المنيا أو مغاغة أو أى مكان آخر.
أما الباحث، فيعود إلى المعلومات ويسأل: هل هذا الرأى صحيح؟ هل هو مؤقت أم دائم؟ هل كانت المدينة أفضل
وأصبحت أقل؟ أم كانت أقل وأصبحت أفضل؟ فالزائر العادى يقدم رأيًا انطباعيًا، وليس رأيًا علميًا.
أذكر أننى سافرت إلى إحدى الدول العربية عام 2008 فى الوقت نفسه تقريبًا الذى سافر فيه أستاذ أكبر منى فى قسم الجغرافيا. عدت بملاحظات سلبية، بينما عاد هو بانطباعات شديدة الإيجابية.
< وما سبب اختلاف الانطباعين؟
ـــــ كنت قد قارنت بين المناطق الداخلية والساحلية، وجلست مع الناس وتحدثت معهم وسمعت منهم آراء نقدية عن الحياة، بينما كان زميلى يقيم فى فندق بالعاصمة، ومدعوًا من جهة نظمت المؤتمر، وقدموا له كل التسهيلات.
إذن التجربة الشخصية والمدة الزمنية التى يقضيها الإنسان فى المكان عاملان مهمان. لذلك لا يمكن أن نأخذ رأى السائح أو الزائر العابر باعتباره حكمًا على المكان؛ فهذا رأى انطباعى.
< تحدثت أيضًا عن «الجغرافيا المحرمة» فى الساحل، مع انتشار الكومباوندات والأسوار التى تفصل بين المناطق. كيف ترى تأثير حرمان الإنسان من الأفق والطبيعة والفضاءات المفتوحة؟
ــــ هذا موضوع خطير جدًا، وليس مجرد ملاحظة جغرافية، لأنه يتعلق بالبناء الاجتماعى والسلام الاجتماعى، وما قد ينتج عن ذلك من شعور بالاستفزاز الاجتماعى.
عندما يتحدث الناس عن أماكن تصل قيمتها إلى 30 أو 40 مليونًا، فى الوقت الذى لا يكفى فيه راتب بعض الناس للحد الأدنى من الحياة، فإن الموضوع لا يصبح اقتصاديًا فقط، وإنما يرتبط أيضًا بالأمن الاجتماعى.
فى بعض المجتمعات توجد طبقات غنية، ومن حقها، بحكم مصادر دخلها، أن تعيش فى مستويات مختلفة، فالحياة قائمة على الطبقات شئنا أم أبينا. لكن يجب فى المقابل الحفاظ على حقوق الذين لا يستطيعون الشراء أو التملك.
ومن واجب الدولة، كما قلت فى الكتاب وفى المقالات، أن تخصص جزءًا من هذه الشواطئ للناس الذين لا يستطيعون الشراء أو التملك، لأن حق المواطن فى البحر مثل حقه فى الهواء وحقه فى الوجود.
إغلاق البحر أو النهر على الأغنياء فقط ضد سلامة المجتمع، لأنه قد يخلق أحقادًا ويؤثر فى الانتماء.
وعلى المستوى الإبداعى، عندما يشعر شخص بالاكتئاب نقول له: اخرج، تنفس الهواء، غيّر الجو، سافر، اجلس فى مكان مختلف يومين. لكن عندما يعيش الإنسان فى مكعبات أسمنتية وأحياء مغلقة، من دون بحر أو نهر أو غابة أو بستان أو حدائق، فكيف نتوقع منه الجمال أو الموسيقى أو الفن؟
< فى قصة «سن الكداب» فتحت مسألة العلاقة بين الاسم والمكان والخريطة. هل الخريطة تصنع الواقع أم أن الواقع يفرض نفسه على الخريطة؟ وكيف تسهم تسمية الأماكن فى إعادة صياغة ذاكرة الشعوب فى العصر الرقمى؟
ــــ الأسماء مهمة جدًا، وفى كل العالم تحمل دلالات تاريخية وجغرافية وأدبية وسياسية.
الناس تطلق أسماء على الشوارع تحمل أسماء شخصيات مثل جمال عبد الناصر، أو أسماء دينية، أو أسماء الصحابة، أو أبطال التاريخ العربى والإسلامى وغير ذلك. وكل ذلك يحاول تخليد العلاقة بين الناس وتاريخهم.
أسماء الأماكن مهمة جدًا، ويمكن من خلالها أن نعرف معلومات عن المكان حتى قبل أن نذهب إليه. فإذا كان اسم «سن الكداب» مكتوبًا بشكل صحيح، وهناك تفسير له، فيمكن أن نعرف جزءًا من المعرفة الجغرافية قبل زيارة المكان.
< فى «رحلات فى ثلاث صحراوات» أوضحت أن مصر فى حقيقتها صحراء واحدة كبيرة قطعها نهر النيل. هل التقسيم التقليدى للصحارى المصرية يسهل فهم جغرافية البلاد أم يعمّق التجزئة؟
ــــ التقسيم طريقة مدرسية، أى إنه يستخدم لتسهيل الدراسة والتفكيك؛ نقول هذه منطقة وهذه منطقة أخرى.
لكن فى الأصل هى صحراء واحدة. ولأغراض الدراسة نقول: سيناء، والصحراء الشرقية، والصحراء الغربية، وهكذا.
التقسيم له فائدة مدرسية، لكنه قد يؤثر فى الوعى الكلى، بحيث يظن الإنسان أن هناك تجزئة أو فصلًا بين الأرض، بينما أرض مصر فى الأصل كل متكامل.
< خلال الفترة من 2007 إلى 2012 عشت فى سيناء، ثم أجريت زيارة تحديثية فى 2025، ما التغيرات التى رصدتها؟
ــــ أحيانًا نذهب إلى المكان ليس من أجل معرفة ما الذى تغير فقط، وإنما للتأكد من أن ما كتبناه لا يزال صالحًا.
كنت أعمل فى سيناء خلال الفترة من 2007 إلى 2012، وأتنقل فيها وأرصد التفاصيل، وبالتالى كانت لدى معلومات دقيقة ومكثفة. لكن بقى السؤال: هل تغيرت هذه الأماكن؟
لذلك كانت الزيارة الجديدة للتأكد من أنه لم تحدث تغيرات جوهرية فى المكان.
وبالنسبة إلى سيناء، لا نتوقع، فى ظل الظروف الإقليمية التى تمر بها المنطقة والحدود، تغيرات كبيرة جدًا فى بعض جوانبها الجغرافية، وإن كانت هناك تغيرات أسهل فى الملاحظة، خصوصًا فى السياحة والبنية الأساسية.
عندما عدت، وجدت إضافات إلى بعض القرى السياحية، وطرقًا جديدة، كما أصبحت هناك فى شرم الشيخ شبكة طرق أكبر من السابق، وظهرت منافذ جديدة.
ومن الأمور المهمة بالنسبة لى أننى كنت أذهب فى السابق عبر نفق واحد فى الجنوب، وهو نفق الشهيد أحمد حمدى، بينما أصبح هناك نفق عند الإسماعيلية هو نفق «تحيا مصر»، وهو تحديث مهم فى شبكة البنية الأساسية، ويسهم فى ربط شرق الدلتا بسيناء.
< وماذا عن مستقبل الواحات المصرية فى ظل التحديات البيئية والجغرافية؟
ــــ الواحات تواجه خطرًا معروفًا، وهو نضوب المياه الجوفية. لدينا مخزون جوفى يعد، وفق رأى أغلب العلماء، غير متجدد، وبالتالى فإن السحب منه فى الزراعة والاستصلاح الزراعى وغيرهما يمثل خطورة على هذا المخزون.
هناك تنمية عمرانية وتعليمية وثقافية، لكن يظل الاهتمام بالمخزون الجوفى أهم عنصر يمكن أن يؤثر فى مستقبل الواحات.
< ذكرت أن بعض الدول الأوروبية كانت تتوقع أن تصبح مصر رائدة فى علم الجغرافيا بسبب طبيعتها الخاصة. ما العقبات التى عطلت تقدمنا فى هذا المجال؟
ــــ الجغرافيا، إذا وضعناها فى مكانها الصحيح، هى علم من العلوم، إلى جانب الفيزياء والكيمياء والفلك، ولذلك فهى تحتاج إلى موارد وإمكانات كبيرة.
والخطأ الذى حدث فى علم الجغرافيا هو وضعه فى كليات الآداب، مع انتظار أن يخرج منه مدرسون ومعلمون للمدارس.
وهذا كان صحيحًا وجميلًا فى فترة من الفترات، لكن فرص العمل تشبعت بعد ذلك بالمدرسين من خريجى الجغرافيا، وأصبح هناك احتياج إلى إنعاش العلم نفسه.
الجغرافيا تحتاج إلى تكلفة مالية مرتفعة لتمويل الرحلات والبحث العلمى، وهذا غير متوفر بالقدر المطلوب فى مصر.
فلا بد أن تكون لدى الجمعية الجغرافية موارد تمول الرحلات، وأن تكون أقسام الجغرافيا قادرة على تمويل العمل الميدانى، وأن تخدم الدولة بالأبحاث التى تنتجها، لكن هذا الأمر غير متحقق بالشكل المطلوب.
< فى «رحلات فى ثلاث صحراوات» جمعت بين الجغرافيا والتاريخ والآثار والجيولوجيا وحكايات الناس. كيف جمعت كل هذه الطبقات من المعلومات وربطت بينها؟
ــــ الاختلاف بين كتابى «صوت المكان» و«رحلات فى ثلاث صحروات» أن لدينا منتجين مختلفين: كتابًا يُقرأ بسلاسة ونحصل منه على المتعة مع بعض الأفكار الفلسفية، وكتابًا آخر ليس سلسًا بالقدر نفسه، ويحتاج إلى تركيز فى القراءة للحصول على المعلومات.
وهنا كنت أريد التجربة؛ هل من مصلحتى أن أقدم كتابة أقرب إلى الطابع الأدبى، ويصبح هذا هو الخط الذى ألتزم به، بحيث لا أستطيع أن أقدم للقارئ جرعة معلومات أكبر لأنه قد لا يحتملها؟ أم يمكن أن تكون هناك كتب فيها معلومات أكثر، وأخرى يغلب عليها الطابع القصصى؟
وأحب أن أوضح أننى لا أقدم «كتابة أدبية للجغرافيا» بمعنى الابتعاد عن تخصصى. أنا أتمنى أن تكون كل كتاباتى جغرافية بأسلوب أدبى، لأننى مخلص لمهنتى، وأتمنى أن تقترب الجغرافيا من الناس أكثر.
وأنا أرى أن الفرق بين الكتابين له وظيفة. على المدى القصير، قد يحقق «صوت المكان» متعة وانتشارًا أوسع، لكن على المدى البعيد قد يصبح «رحلات فى ثلاث صحراوات» كتابًا يعود إليه القارئ عندما يريد التأكد من معلومة أو البحث عن تفصيل.
قد يتذكر القارئ بعد سنوات أن خليج العقبة كانت فيه رءوس وخلجان، أو حدثت فيه واقعة عسكرية أو بحرية، فيعود إلى الكتاب ويبحث عن الفصل الذى تحدث عن ذلك.
وهذا، فى تصورى، إحدى فوائد الكتب التى تبقى فى المكتبة.
< ما المشروع المقبل الذى تعمل عليه؟ وهل سيكون مع دار الشروق؟
ــــ بالطبع سيكون مع دار الشروق. أنا أتشرف بنشر كتبى فى الشروق، ومشروع جغرافية مصر أصلًا قائم بالاتفاق مع الدار، رغم أن لدىّ أعمالًا أخرى مع دور نشر مختلفة.
أما الكتاب الجديد فهو أحد أجزاء مشروع «جغرافية مصر»، وإن شاء الله سيكون عن نهر النيل، ليكمل الصورة إلى جانب الكتابين السابقين.
وإذا لاحظتِ فى «صوت المكان»، ستجدين أنه يأخذ فصلًا من كل منطقة؛ فصلًا عن أسوان، وفصلًا عن القاهرة، وفصلًا عن الصحراء الشرقية وغيرها، لكنه يفتح الشهية للمعرفة.
فى «صوت المكان» كان هناك فصل عن الصحراء الشرقية، بينما جاءت فى «رحلات فى ثلاث صحراوات» ثلاثة فصول عنها. وكان هناك فصل عن سيناء، ثم أصبحت سيناء محورًا لثلاثة فصول فى الكتاب التالى.
وكذلك كان هناك فصل عن نهر النيل، والكتاب المقبل، إن شاء الله، سيكون عن نهر النيل، ليكمل الأجزاء السابقة.
أتمنى أن أؤدى دورى فى هذه المساحة، وأن تكتمل هذه السلسلة إن شاء الله.