الشيماء أحمد فاروق ورنا عادل وسلمى محمد مراد ومحمد حسين
تعد دراسة تأثيرات الألوان على الأفراد جزء لا يتجزء من دراسات الاستجابة للجمهور، سواء في الدعاية والإعلانات، واختيار ملابس الفنانات والعارضات وديكور المنازل، بعد أن أُعدت كثير من الأبحاث عن أهمية الألوان في الاستجابة النفسية، وأصبحت هناك ألوان ترتبط بمناسبات بعينها، بعد أن حُملت بدلالات ثقافية واجتماعية جعلتها ترمز لحالة معينة، ومن أكبر الأمثلة على ذلك: اللون الأحمر وعلاقته بالعاطفة وبالتبعية عيد الحب.
تنتشر في واجهات المحلات الهدايا والملابس بأنواعها والورود باللون الأحمر في شهر فبراير، وأصبح هناك اتفاقا ضمنيا بين الأفراد حَمل اللون دلالة ترتبط بعيد الحب، وأنه جزء من رمزية اليوم، الذي يُحتفل به عالميا في 14 فبراير من كل عام.
في دراسة Romantic red: Red enhances men’s attraction to women "رومانسية اللون الأحمر:اللون الأحمر يعزز انجذاب الرجال للنساء" التي أجراها باحثان من جامعة روشستر عام 2013، عن علاقة اللون الأحمر بجاذبية الرجال تجاه النساء، حاول باحثان التأكد من تأثير هذا اللون على تكوين العاطفة عامة، والعاطفة الجنسية تحديدا، من الرجال تجاه النساء.
وحاول الباحثان في علم النفس أندرو إليوت دانييلا نييستا دراسة تأثير اللون الأحمر، من خلال 5 تجارب مختلفة، وعُرضت على الرجال صور لنساء مع خلفيات أو ملابس ذات ألوان مختلفة "من بينها الأحمر" مقابل ألوان أخرى "مثل الأبيض، الأزرق، الأخضر، الرمادي"، وكانت النتائج الأساسية:
-اللون الأحمر يجعل الرجال يقيمون النساء على أنهن أكثر جاذبية عامة وجاذبية جنسية على وجه التحديد، مقارنة بغيره من الألوان.
-أثر اللون الأحمر واضح حتى لو كانت الصورة نفسها أو الملابس نفسها، والاختلاف فقط في اللون الأحمر.
-الرجال المشاركون في الدراسة غير مدركين أن اللون الأحمر يؤثر في تقييمهم، أي أن التأثير غالبًا غير واعي.
وقال الباحثون، إن هذا التأثير قد يستند إلى أسس بيولوجية وجذرية تشبه ما يظهر في سلوك بعض الرئيسيات غير البشرية "مثل البابون والشمبانزي"، التي يكون فيها اللون الأحمر يعمل كإشارة جاذبية في سياق التزاوج، كما أن هناك ارتباط ثقافي تكون عبر سنوات بين اللون الأحمر و: الجنس/ العاطفة.
وتابع أندرو إليوت: "لم يبدأ علماء النفس والباحثون في التخصصات الأخرى بدراسة العلاقة بين اللون والسلوك دراسةً دقيقةً ومنهجيةً إلا مؤخرًا، نعرف الكثير عن فيزياء اللون ولكن القليل جدًا عن سيكولوجية اللون، ومن المثير للاهتمام أن نكتشف أن شيئًا شائعًا كاللون يمكن أن يؤثر على سلوكنا دون أن نعي ذلك."
وبالعودة إلى الجذور القديمة للون الأحمر نجد أنه متجذر في التاريخ، حيث يعد ارتباط الإنسان باللون الأحمر قديم جدا، حيث كانت المغرة الحمراء جزء من الألوان المستخدمة بكثرة للرسومات الدالة على الخصوبة، والحياة، والقوة.
وتُظهر بعض الأدلة الأثرية والأنثروبولوجية أن المغرة الحمراء كانت تُستخدم في طقوس ورموز مرتبطة بالخصوبة والإنجاب منذ عصور ما قبل التاريخ، وفي مواقع العصر الحجري، يُعتقد أن المغرة الحمراء كانت تُستخدم لتقليد الحيض أو الإباضة كإشارة رمزية للخصوبة، ونفس الأمر في مجتمعات حية مثل الهيمبا في جنوب غرب أفريقيا التي تستخدم المغرة للدلالة على الحيوية والخصوبة والشباب في المناسبات الاجتماعية، ومن الأمثلة على ذلك تمثال فينوس ويلندورف، رمز الخصوبة والولادة من العصر الحجري، والذي يُقدّر عمره بين 24000 و22000 عام، مغطىً بالمغرة الحمراء.
وفي بحث "The Emergence of Habitual Ochre Use in Africa" المنشور في Journal of World Prehistory يناقش دور الأحمر في سلوك الإنسان القديم، وليس فقط ارتباطه بالخصوبة بشكل مباشر، لكنه يبيّن كيف أصبح استخدام المغرة الحمراء جزءًا من طقوس رمزية وثقافية هامة في تاريخ الإنسانية، البحث يحلل بيانات أثرية من أكثر من 100 موقع في إفريقيا بين 500.000 و40.000 سنة قبل الميلاد، بهدف تحديد متى وأين بدأ استخدام المغرة الحمراء بصفة عادة ثقافية.
ووصل البحث في جزء من نتائجه أن المغرة الحمراء أصبحت جزءًا متزايد الأهمية في الطقوس الجماعية والمعاني الرمزية لدى البشر الأوائل في إفريقيا.
أي أن الأمر تطور تاريخيا من كونه ارتباط ثقافي بالخصوبة، والتي هي جزء من العاطفة الجنسية، إلى ارتباط ثقافي بالعاطفة عامة، والجنس كجزء منها.