- المقال منشور في موقع "مواطنون من أجل حلول عالمية" بتاريخ 6 أكتوبر 2026، بقلم الدكتور "لورانس ويتنر" أستاذ التاريخ الفخري بجامعة نيويورك والناشط في مجالات السلام والعدالة الاجتماعية، وله العديد من المؤلفات في حركات السلام العالمية، ونزع السلاح النووي، والسياسة الخارجية، والمساواة الاقتصادية
- ترجَمَهُ للعربية: رائد سلامة – باحث إقتصادي وزميل معهد المحاسبين القانونيين الأمريكي
في عام 2025، عندما تولت جنوب أفريقيا رئاسة مجموعة العشرين، قامت بتكليف لجنة برئاسة الإقتصادي الأمريكي جوزيف ستيجليتز الحائز على جائزة نوبل للإقتصاد والمستشار الإقتصادي للرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، بإجراء دراسة حول عدم المساواة العالمية. إنتهت اللجنة من أعمالها في نوفمبر الماضي، حيث أكدت الدراسة على أن عدم المساواة هو أحد أكثر القضايا إلحاحًا في عالم اليوم، وأن مكافحتها باتت أمرًا حتميًا تتوافر له إمكانات التنفيذ. إنتهت الدراسة بإقتراح تأسيس "اللجنة الدولية لعدم المساواة" التي تعنى بجمع المعلومات المتعلقة بعدم المساواة الإقتصادية وإقتراح حلول لها، بالإضافة إلى حالات عدم المساواة على مستوى الطوارئ المناخية.
على الرغم من أن تأسيس مثل هذه اللجنة بات أمرًا شديد الصعوبة خصوصًا وأن إجتماع مجموعة العشرين القادم في ديسمبر من العام الحالي، سيكون برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي لن يدعم على أي نحو، مسألة إعادة توزيع الثروة بما يكفل تكافؤا ولو محدودًا.
على الرغم من ذلك، وعلى الرغم من هيمنة خطابات ترامب ونتانياهو على تغطية وسائل الإعلام في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، إلا أن جهودًا حثيثة بذلتها كل من جنوب أفريقيا والبرازيل والنرويج وإسبانيا، آلت إلى الإعلان عن حملة للتعاطي مع مشكلة عدم المساواة العالمية، ودعوة الجمعية إلى دعم تأسيس "اللجنة الدولية لعدم المساواة" على غرار "الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ"، على أن تبحث اللجنة المقتَرَحة في عدم المساواة بين الدول وتقوم بتطوير بعض السياسات لسد الفجوة التي تزداد إتساعًا بين الأغنياء والفقراء. تلك الفجوة التي وصفها وصف جوزيف ستيجليتز بأنها "فجوة هائلة"، مُدَلِلًا على ذلك بقوله: "إن أغني 10% من البالغين حول العالم يحصلون على أكثر من نصف الدخل العالمي (53%) بينما يحصل النصف الأفقر من سكان العالم على 8% فقط من هذا الدخل. أما في مسألة تركز الثروة، فالأمر يبقى أكثر فداحة، حيث يمتلك 10% من البالغين حول العالم ما يقرب من ثلاثة أرباع الثروة العالمية بينما يمتلك النصف الأفقر 2% فقط. يعيش ما يقرب من ثلثي سكان العالم في دول يتزايد فيها التفاوت الإقتصادي الذي يفضي إلى عدم المساواة في الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والإسكان والتمويل، وكلها عوامل تُشَكِل فرص توجيه حياة الإنسان".
وقد ألقت ميا مولتي رئيسة وزراء بربادوس، خطابا حماسيا في إحدى جلسات الجمعية العامة جاء فيه: " إن الجشع من صنع الإنسان، وبالتالي فمن الممكن أن يقوم الإنسان بتغييره"، حيث انضم إليها في ذلك اليوم وفود من دول أخرى أظهرت دعمها لإنشاء "اللجنة الدولية لعدم المساواة"، بما في ذلك ألمانيا واليابان وبنغلاديش وأوروجواي والمكسيك.
على هامش جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قام أكثر من 1500 إقتصادي وأكاديمي من أكثر من 100 دولة كان من بينهم وزيرة الخزانة الأمريكية السابقة جانيت يلين والاقتصادي الفرنسي البارز توما بيكيتي والإقتصادي الأمريكي من أصل تركي-أرمني الحائز على نوبل في الاقتصاد عام 2024 دارون عجم أوغلو والأكاديمية الإيطالية الشهيرة ماريانا مازوكاتو، بالتوقيع على رسالة مفتوحة تدعم إنشاء "اللجنة الدولية لعدم المساواة"، جاء فيها أن "التركزات الشديدة للدخل والثروة تُتَرجم إلى تركزات غير ديمقراطية للسلطة، مما يفقد الثقة في مجتمعاتنا ويؤدي إلى الاستقطاب السياسي". وقد علقت الأكاديمية الهندية الشهيرة جاياتي جوش التي كانت قد وقعت على نفس الرسالة بقولها: "تخبرنا التجربة الهندية بكل ما نريد معرفته حول سبب الحاجة إلى لجنة دولية لعدم المساواة. إن الإقتصاد الهندي رغم كونه واحدًا من أسرع إقتصادات العالم نموًا، إلا أنه من أكثرها في عدم المساواة، حيث تقع الثروات الاستثنائية جنبا إلى جنب مع الحرمان العميق".
بالإضافة إلى ذلك، ورد في البيان النهائي لقمة تحالف البريكس في سبتمبر الماضي، الدعوة إلى البدء في إتخاذ خطوات ملموسة لإنشاء "اللجنة الدولية لعدم المساواة".
كما قام ،في نهاية سبتمبر أيضًا، 138 رئيسًا سابقًا للدول والحكومات في نادي روما، بالتوقيع على رسالة مفتوحة يحثون فيها قادة العالم على تأسيس "اللجنة الدولية لعدم المساواة"، كان من بينهم أولاف شولتس من ألمانيا، وليو فارادكار من إيرلندا، أولوسيجون أوباسانجو من نيجيريا ، وجويس باندا من مالاوي، وهيلين كلارك من نيوزيلندا.
ومع ذلك، فإن القوى الشعبية الداعمة للمساواة، بما في ذلك نشطاء العدالة الاجتماعية، والنقابات العمالية، والسياسيين التقدميين، لديها أسباب وجيهة للتكاتف من أجل إنشاء لجنة أممية حول عدم المساواة الدولية، تفتح المجال لإمكانية التحول الاقتصادي والاجتماعي على المستوى العالمي، مدعومة بقوة كبيرة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تضم العديد من الدول الفقيرة، وحيث لا يمكن لدولة غنية وقوية إستخدام الفيتو لرفض تصويت الأغلبية، على خلاف مجلس الأمن.
لا شك أن الصراع بين الأغنياء والفقراء داخل المجتمعات وبين الأمم، هو صراع مستمر على مدار تاريخ الإنسان، إلا أن الصراع الطبقي قد وصل الآن إلى المستوى العالمي، بما يتيح الفرصة لإتخاذ إجراءات دولية لمعالجة فضيحة عدم المساواة الاقتصادية واسعة النطاق.