في غرفة صغيرة بسيطة، لا يملؤها سوى ألوان الخيوط، اختار عم مصطفى أن يقضي ما يتبقى من أيامه أمام النول، ينسج السجاد ويقاوم المرض، من أول خيط إلى آخر عقدة، فهو لا يصنع مجرد سجادة، بل يواصل حكاية عمر قضاه بين الألوان، متمسكًا بحرفته التي لم يتخلى عنها رغم تعب السنين.
«في شغل بتروح له، وشغل بيروح لك وهو بيكون قدرك»، بهذه الكلمات بدأ عم مصطفى حديثه مع جريدة «الشروق»، ملخصًا علاقة لم تنتهِ بخروجه إلى المعاش في سن الـ39 بسبب العجز، ولا أوقفتها سنوات المرض، بل ظل النول حاضرًا في حياته، يحمل بين خيوطه حكاية الحرفة والصبر على مر السنين.
• محنة بدأت في الطفولة.. و41 عملية جراحية
يروي عم مصطفى، صاحب الـ63 عامًا، كيف بدأت معاناته مع المرض منذ طفولته، في عمر 11 عامًا، حين أوقفه ارتفاع الحرارة والشعور بثقل في ساقه عن إكمال تعليمه خلال المرحلة الابتدائية، وخضع بعدها على مدار حياته لنحو 41 عملية جراحية في قدمه اليسرى وبطنه، قبل أن يخرج إلى المعاش من مهنة السواقة في سن التاسعة والثلاثين بسبب العجز.

تعلم مصطفى صناعة السجاد على يد شقيقه، الذي تخرج في مدرسة صناعية وكان متقنًا للحرفة طوال سنوات دراسته، غير أن القدر ساق مصطفى إلى تعلم قيادة السيارات والعمل فترة في مجال آخر سنوات طويلة، قبل أن يعود إلى النول مرة أخرى.
• من أول خيط إلى آخر عقدة رحلة من الصبر
تبدأ صناعة السجادة بمرحلة تجهيز الخيوط، التي يعرفها مصطفى باسم «السدى»، ويصفها بأنها أصعب مراحل صناعة السجاد اليدوي، حيث تستغرق هذه المرحلة نحو 3 أو 4 ساعات، وقد تمتد إلى أيام عندما تتعبه ظروفه الصحية، ويساعده فيها بعض أقاربه.
بعدها يبدأ في تنفيذ التصميم الذي يختاره الزبون، إذ لا يملك مصطفى كتالوجًا جاهزًا، بل يرسل إليه العميل صورة للسجادة التي يريدها، ليحاول نقل تفاصيل الرسمة وألوانها إلى الخيوط بكل دقة.
وتختلف مدة العمل بحسب صعوبة التصميم والخامات المستخدمة؛ فبعض التصميمات، مثل السجاد الإيراني والأفغاني، تحتاج إلى مجهود أكبر بسبب كثافة الرسومات وطبيعة الخامات، وقد يستغرق إنجاز السجادة ستة أو سبعة أشهر، وتصل المدة أحيانًا إلى ثمانية أشهر، خاصة مع ظروفه الصحية.
«لازم أكمل، لازم أقفلها»، هكذا يصف مصطفى طريقته في العمل؛ فلا يترك سجادة بدأها قبل أن ينتهي منها، ويبدأ عمله عادة في العاشرة صباحًا، وقد يستمر حتى ما بعد صلاة العشاء، ما دامت صحته تسمح له بذلك، لكن المرض لا يترك له دائمًا فرصة للالتزام بموعد ثابت؛ فقد ترتفع حرارته ويشعر بثقل في ساقه، فيضطر إلى التوقف عن العمل أسبوعًا أو عشرة أيام، ثم يعود ليكمل ما بدأه.

• الصوف الطبيعي سر الصنعة
يستخدم عم مصطفى في صناعة السجاد الصوف الطبيعي المبروم وخامة «التوبس»، وهو ما يميز السجاد اليدوي عن غيره الآلي الذي يعتمد على الصوف الأكريلك، ويطيل عمره لسنوات بحسب تعبيره ، فهو يختار الخامات وفقا للتصميم المطلوب وطبيعة الرسومات، وهو ما يجعل تكلفة السجادة تختلف من قطعة إلى أخرى، ويبلغ سعر المتر نحو ألف جنيه، وفقًا لما ذكره.
ورغم أن ظروفه الصحية لا تسمح له بإنجاز أكثر من سجادتين في العام، فإنه لا يزال متمسكًا بالنول، ويعود إليه كلما استطاع، ليكمل السجادة التي بدأها، فبعد سنوات طويلة قضاها بين الخيوط والألوان، لم يتخل مصطفى عن حرفته، حتى مع خسارته بحسب قوله.

• «عايزين المكسب السريع».. لماذا يهجر الشباب النول؟
وعم سبب عزوف البعض عن النول، والسجاد اليدوي والخوف من اندثاره، يرى مصطفى أن بعض الشباب لا يملكون الصبر الكافي لتعلم صناعة السجاد، ويقول: «الجيل الجديد ملوش خلق، عايز المكسب السريع»، ويروي تجربته في تعليم أشخاص طلبوا منه تعلم الحرفة، لكنهم لم يستمروا، بحسب روايته.
فيقول إن صناعة السجاد تحتاج إلى وقت طويل قبل أن يرى الصانع نتيجة عمله، وهو ما يجعلها مختلفة عن الأعمال التي تحقق عائدًا سريعًا.
• السجاد اليدوي فن وتراث لن يندثر
ورغم صعوبات المهنة، لا يعتقد مصطفى أن حرفة النسيج اليدوي التي أدرجت ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل في عام 2020، ستنتهي أو تندثر، ويؤكد: «السجاد ده فن وتراث بيتنقل من جيل لجيل، مش هينتهي مهما عدت السنين، وهو اللي بيعمل للمكان روح خاصة، لو معمول بحب ودقة وإتقان».
ويستشهد في ذلك إلى استمرار الطلب على السجاد اليدوي؛ إذ يتذكر زبونًا عاد إليه بعد نحو 10 سنوات، طالبًا تنفيذ تصميم سبق أن صنعه له، ورغم عدم وجود صورة قديمة، استطاع مصطفى تذكر لون الأرضية وبعض تفاصيل الرسمة.
• بين التاجر والوسيط.. متى يصل ثمن السجادة إلى صانعها؟
مدار سنوات عمله، صنع نحو 50 سجادة، وربما يصل العدد إلى 60، إذا احتُسبت الفترات التي عمل فيها قبل أن يوقفه المرض، ولا يبيع مصطفى إنتاجه للتصدير بصورة مباشرة، بل يعتمد على التجار والوسطاء، وهو ما يراه أحد أسباب صعوبة حصول الصانع على مقابل يناسب الوقت الذي يقضيه في العمل.
«التاجر مش بيحب يشتري غير من الوسيط، ولو اشترى منك مباشرة هيخسف بثمن الحاجة الأرض»، فيتذكر مصطفي تجربة سافر فيها إلى القاهرة خلال شهر رمضان للتفاوض على بيع سجادة، قبل أن يُعرض عليه سعر أقل مما كان يتوقعه، فرفض استغلاله رغم حاجته إلى المال، حتى إنه لم يكن يملك ما يكفي للعودة إلى الإسكندرية.
• حرفة تحتاج إلى دعم لا إلى صانع وحده
لا يرى مصطفى أن استمرار صناعة السجاد يعتمد على الصانع وحده، بل يحتاج إلى التسويق وتوافر العمالة والمكان المناسب للعمل والأدوات، إلى جانب وتوضح التجربة جانبًا من معاناة الصانع؛ فبعد شهور من العمل، يظل مضطرًا إلى البحث عن مشترٍ يقدر قيمة ما صنعه بيديه.
ويستذكر عم مصطفى عرض ابنته مساعدته في التسويق عبر الإنترنت، لكنه لم يتحمس للفكرة، مفضلًا الاعتماد على الطرق التي يعرفها في بيع إنتاجه، معقبا: المهنة عشان تستمر محتاجة سوق يستطيع الصانع الوصول إليها، ومكان واسع ياخد أكثر من نول، وأشخاص تساعده، حتى لو هو يعلمهم يكون عندهم صبر وأمانة".

• حكاية سجادة رفض بيعها وصفها بأغلى ما صنع
من بين السجاد الذي صنعه مصطفى، كشف أنه احتفظ بقطعة رفض بيعها للتجار، اتقنها وانتهى منها بالصدفة مع اقتراب حفل زفاف ابنته، فقرر إهدائها السجادة، معلقا: «قررت أحتفظ بيها لبنتي، خلصتها واتقنتها، وكان التجار عايزينها وبسعر عالي، بس قررت مش هبيعها، وصادف تحديد ميعاد فرح بنتي وكانت من نصيبها، وكانت أحلى سجادة عملتها في حياتي».
وبعد سنوات طويلة أمام النول، لم تكن هذه السجادة مجرد قطعة أخرى أنجزها مصطفى، بل عملًا احتفظ به لابنته، بعدما اعتاد أن يبيع ما يصنعه للآخرين.
ورغم المرض الذي يفرض عليه التوقف من وقت لآخر، لا يزال يعود إلى النول كلما استطاع، ليكمل السجادة التي بدأها؛ فبالنسبة إليه، العمل لا ينتهي إلا عندما تكتمل آخر عقدة، وكأنه قرر أن يقضي ما تبقى من عمره بين خيوط السجاد اليدوي.