في إطار محور «جيل يكتب جيل»، احتضن الصالون الثقافي ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب ندوة بعنوان «قصيدة النثر وأسئلتها الكبرى»، في لقاء اتسم بالحيوية والاختلاف الخلّاق، وفتح الباب أمام نقاشات عميقة حول الشعر واللغة والإنسان، ودور الكتابة في زمن التحولات الكبرى.
أدارت الندوة الشاعرة والكاتبة الصحفية إسراء النمر، أحد أبرز الأصوات المنحازة لقصيدة النثر، والمنتمية إلى جيل جديد من الصحافة الثقافية.
بدأت إسراء مشوارها الصحفي مبكرًا منذ يناير 2011، وعملت في مجلة «آخر ساعة»، قبل أن تنتقل إلى «أخبار الأدب» عام 2015، حيث تخصصت في الشأن الثقافي. صدر لها ديوانان: «العيون التي غادرت سريعًا» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، و«ذلك هو البُعد» عن دار ديوان، إضافة إلى كتب نقدية وإبداعية، من بينها «ألعاب حسين عبد العليم.. لم تنجُ منه أي رائحة»، وكتاب مشترك عن الكاتبة الفرنسية الحاصلة على نوبل آني إرنو. تُرجمت نصوصها إلى عدة لغات، وحصلت على جائزة الصحافة المصرية – فرع الصحافة الثقافية (2022).
في كلمتها الافتتاحية، أعربت إسراء النمر عن سعادتها بالوجود بين أبناء جيلها من الشعراء، مؤكدة انحيازها لقصيدة النثر، ووصفتها بأنها قصيدة مشغولة بالخطاب الإنساني والمأزق البشري، لا بالزخرفة أو الادعاء.
وترى النمر أن أحد أسباب الجدل حول قصيدة النثر هو اختراقها البيت العروضي وكسرها القيود، واقترابها من لغة الشارع دون تعالٍ على القارئ، ما يجعله شريكًا في النص. وأكدت أن الصراع حول هذا الشكل الشعري قديم، وله جذور في التراث العربي لدى المتصوفة وغيرهم ممن كتبوا نصوصًا نثرية بروح شعرية خالصة.
من جانبه، تحدث الشاعر والطبيب أحمد سلامة الرشيدي، صاحب ديوان «الرجال الذين حملوني وصيتهم»، مؤكدًا أن الإنسان لا يبحث عن الجمال بوصفه رفاهية، بل ضرورة وجودية. واستشهد بمقولة للكاتب الأمريكي جون شتاينبك: «عندما يوضع الإنسان في قفص، فإنه يتخبط في البداية، ثم يبدأ في تزيين قفصه»، معتبرًا أن الحب والأصدقاء والفن تفاصيل صغيرة تمنح الإنسان قدرة على الاحتمال ومقاومة القسوة.
وفي نقاش حول قدرة قصيدة النثر على التعبير عن القضايا الكبرى، خاصة ما يجري في غزة، أكدت الشاعرة الفلسطينية لينا الوعري، المولودة في غزة والمنحدرة من أصول مقدسية، أن المأساة لا يعبّر عنها شكل فني بعينه، بل التفاصيل الصغيرة التي قد تعجز عنها القصيدة الموزونة.
وترى الوعري أن قصيدة النثر باتت الأقرب لروح الجيل الجديد ونمط حياته، مؤكدة رفضها القوالب الجاهزة، وأن الشاعر لا يحتاج «شهادة» تخوّله كتابة شكل دون آخر.
وردًا على سؤال حول تأثير الشعراء الفلسطينيين الكبار، خاصة محمود درويش، على الجيل الجديد، أكدت الشاعرة والباحثة زينب القيسي، الحاصلة على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي وصاحبة مبادرات أدبية، أن التأثر قائم، لكن درويش ظل استثناءً لأنه كتب عن الإنسان الفلسطيني لا عن القضية فقط.
وتطرقت القيسي إلى تطور أدب المقاومة، من أغاني الفلاحين وصولًا إلى القصيدة البصرية المعاصرة، مؤكدة أن الكلمة ما زالت شكلًا من أشكال المقاومة، وأن قصيدة اليوم أكثر قدرة على توثيق التفاصيل القاسية التي يعيشها الإنسان الفلسطيني في ظل مشاهد العنف اليومية. كما شددت على أن الشاعر الفلسطيني غير مطالب بالكتابة الدائمة عن القضية، وأن الكتابة عن الحب والتفاصيل اليومية حق إنساني أصيل.
من جانبها، أكدت الشاعرة آلاء فودة، الحاصلة على جائزة «أخبار الأدب» عن ديوانها «بحّة في عواء ذئب»، أن المنظور الذاتي في القصيدة ليس انسحابًا من القضايا الكبرى، بل انعكاس لها. وترى أننا نعيش عصر سقوط السرديات الكبرى، ولم يعد أمام الشاعر سوى العودة إلى ذاته، لأن التجربة الشخصية مرآة للعالم بكل أزماته.
وحول حرية الكتابة، شددت فودة على أنه ليس مطلوبًا من الشاعر شرح قصيدته، فقصيدة النثر تقبل تأويلات متعددة، وتخرج غالبًا كدفقة شعورية لا تحتمل التفسير القسري.
وفي ختام النقاش، أكدت لينا الوعري أن اللغة العربية بحر واسع يتسع للجميع، ولا ينبغي تقييدها بقوانين جامدة، بينما أشار أحمد سلامة الرشيدي إلى أن قصيدة النثر نشأت في لحظة تحولات كبرى، وستظل قابلة للتجريب والتطور، شريطة أن يواكبها تطور نقدي حقيقي.
واختُتمت الندوة بتوجيه الشكر من الشاعرة انتصار النمر للصالون الثقافي، والحضور، والكاتبة نورا ناجي، منسقة محور الكتابات الجديدة.
وشهد اللقاء حضورًا لافتًا، من بينهم طلاب مدرسة من الشرقية برفقة معلمهم، في مشهد يؤكد أن الشعر الجديد ما زال قادرًا على الوصول، وإثارة الأسئلة، وفتح نوافذ الأمل.