صفقة القرن: المؤامرة الكاملة - فيس بوك - بوابة الشروق
الأحد 18 أغسطس 2019 10:20 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





صفقة القرن: المؤامرة الكاملة

نشر فى : الأربعاء 1 مايو 2019 - 11:05 م | آخر تحديث : الأربعاء 1 مايو 2019 - 11:05 م

نشر الكاتب الأردنى «لبيب قمحاوى» على صفحته بموقع التواصل الاجتماعى فيسبوك مقالا تناول فيه صفقة القرن وحالة الضعف والتفكك التى يعانى منها العرب والتى تم استغلالها لتصفية القضية الفلسطينية.

بدأ الحديث عن صفقة القرن يأخذ منحى يكتنفه الرعب السياسى والخوف من المجهول ومما قد يكون قادما. وانضم الحكام الذين يعلمون بخفايا الأمور إلى الشعوب التى لا تعلم حقيقة ما يجرى، فى التعبير عن الشكوى والتظلم والتخوف مما هو قادم، كُلٌ لأسبابه المختلفة وأهدافه المتباينة. وابتدأ الجميع يقيسون الأمور ونتائجها كل حسب مقاسه السياسى وقناعاته وشجاعته ومدى التزامه بالثوابت الوطنية. وأخذ المعظم يبدى استعدادا متزايدا لتبادل الاتهام ولإلقاء اللوم على أطراف أخرى عربية ناسين أو متناسين أن مصدر الأذى والخطر هما أمريكا وإسرائيل. وابتدأ الحكام العرب بالصراخ والعويل وكأنهم قد تفاجئوا بما هو قادم ضمن ادعاء كاذب بأنهم لا يعلمون من أمره شيئا، مطالبين شعوبهم بالتظاهر من أجلهم وإبداء مظاهر التأييد لشىء لا تعلم الشعوب حقيقته، ولم يتبرع أى من الحكام بإيضاحه لهم، سوى التصريح بأنهم يتعرضون لضغوط أمريكية هائلة وكأنهم بذلك يمهدون الطريق لتبرير القبول أكثر منه لرفض تلك الضغوط ولما هو قادم.

***
«صفقة القرن» هى فى أصولها وواقعها ونتائجها «مؤامرة القرن» ولا شىء غير ذلك. وسيناريو القبول المباشر أو القبول غير المباشر بها من خلال سيناريو الرفض الكاذب هو جُلُّ ما يفعله الحكام العرب الآن. إن تآمر الحكام العرب مع «مؤامرة القرن» هو أمر تشعر به الشعوب ويخيفها ويؤرقها دون أن تملك من البراهين والأدلة ما يؤكدها أو يساهم فى منع حدوثها. وهكذا فكلما تباكى الحكام وصرخوا بأعلى الأصوات بأنهم رافضون لما يجرى ولما هو قادم وأنهم واقعون تحت ضغوط أمريكية هائلة، فإن هذا الموقف يشكل فى حقيقته تمهيدا للقبول من خلال الادعاء بالرفض كما أسلفنا، أو من خلال تشويه الحقائق وتوجيه بوصلة الاتهام إلى أطراف أخرى غير إسرائيل وأمريكا.

مصير الأمم الضعيفة والمفككة غالبا ما يكون بيد الآخرين. والعرب، ومنهم الفلسطينيون، يعانون الآن من الضعف والتفكك إلى الحد الذى يسمح للآخرين ومن بينهم أعداء تاريخيون للعرب، بتقرير مصيرهم والبت فى شئونهم حتى دون الرجوع إليهم.

ما نحن بصدده الآن، ودون أى مواربة أو لف ودوران، هو مسعى أمريكى ــ إسرائيلى حثيث يهدف إلى استغلال حالة الضعف والتشتت العربى والفلسطينى لحل المشكلة الإسرائيلية من خلال إلغاء نقيضها وهى «القضية الفلسطينية» باستعمال أدوات وأموال عربية وقبول عربى/ فلسطينى، وهو ما يسمى فى أدبيات الجريمة «بالجريمة الكاملة» التى تهدف إلى إخفاء أصول الجريمة ومرتكبيها، وأحيانا تحويل الجانى إلى ضحية تستحق الشفقة والدعم. ولكن التاريخ يعلمنا خلاف ذلك. فاليهود ليسوا براء من دم المسيح ولن يكونوا مهما فعلوا، كذلك هو الحال بالنسبة لفلسطين والفلسطينيين، فاليهود مهما فعلوا لن يكونوا فى أى يوم من الأيام براء من دم الفلسطينيين.

وبالمقياس نفسه، على الحكام العرب أن يعلموا بأن دم الشعوب أقوى من حديد البنادق ونار البارود والكذب وتلفيق الحقائق. وما جرى لزين العابدين فى تونس والقذافى فى ليبيا والبشير فى السودان وبوتفليقة فى الجزائر والقائمة تطول، يؤكد ذلك. وهكذا، فإن حبل النجاة من خلال الاستبداد والفساد والتآمر والكذب يبقى حبلا قصيرا حتى ولو طال الزمن.

المغفرة والغفران ممكنان فى حالة الخطأ أو الجريمة القاصرة، أما فى حالة التآمر مع العدو فلا يوجد مغفرة أو غفران والشعوب مهما استكانت فإن عوامل القهر والغضب سوف تؤتى أكلها فى النهاية وسوف يدفع الحكام المنحرفين الثمن.

***
من الملاحظ أخيرا أن العديد من حكام العرب أخذوا يتباكون معلنين رفضهم لصفقة القرن دون الإفصاح عن حقيقة ما يرفضون فى الوقت الذى تتناقض فيه أقوالهم مع أفعالهم. وهذا الوضع يشير بشكل واضح إلى أن النوايا الخفية تختلف جذريا عن الأقوال والتصريحات العلنية. فحتى الآن لم تشاهد الشعوب العربية موقفا حازما من حكامهم فى موضوع القدس أو اللاجئين أو الجولان باستثناء التصريحات التى تخلو من أى معنى حقيقى أو إجراءات عملية أو عقابية، وما زالت قبضة الحكام على شعوبهم لمنعهم من التعبير عن الغضب ورفض تلك السياسات قائمة، وإذا كان هذا هو واقع الحال، فلماذا يشكو الحكام العرب من تعرضهم للضغوط؟

من الملاحظ أن التحالفات السائدة بين بعض الدول العربية من خلال حكامها هى تحالفات لخدمة مخططات مشبوهة فى الوقت الذى لا يوجد فيه أى تحالف عربى لمقاومة تلك المخططات المشبوهة. إن ابتعاد الشعوب عن مراكز صنع القرار قد أضعف من قدرتهم على التأثير على مجرى السياسات فى بلادهم، وهذا قد جعل من الدول تجسيدا للرؤية السياسية لحُكامِها، منتهكين بذلك رغبات وتطلعات شعوبهم وآمالهم السياسية. إن الرؤية المشتركة لبعض الحكام العرب لا تعكس بالضرورة رؤية شعوبهم، وهذا ما قد يخلق الانطباع الخاطئ بأن هنالك تأييدا شعبيا لبعض السياسات الإقليمية التى تمس مصالح الدول العربية، ومنها الإجراءات الأمريكية الأخيرة فى دعم المطالب الإسرائيلية على حساب الحقوق الفلسطينية والعربية المدعومة من القانون الدولى. فالفلسطينيون مثلا لا علاقة لهم «بالوطن البديل» أو التوطين فهذه مشاريع صهيونية. والفلسطينيون لا يسعوا ولم يسعوا فى حياتهم إلى استبدال وطنهم بوطن آخر بقدر ما كانوا يصرون دائما على حقهم فى العودة إلى وطنهم. وهكذا فإن أى محاولة لتبادل الاتهامات العربية ــ العربية فى هذا السياق إنما تصب فى مصلحة العدو الإسرائيلى وفى تبرئة القائمين على صفقة القرن من دم الفلسطينيين والعرب ومن محاولات هدر حقوقهم السياسية.

أما السيادة على القدس فهى سيادة سياسية للفلسطينيين ولا يجوز اختصارها إلى سيادة دينية على بعض الأماكن المقدسة. الوصاية الدينية ليست بديلا عن السيادة السياسية وإن كان من الممكن أن تكون مكملة لها ولكن بالتأكيد ليست بديلا عنها. وهكذا فإن المعركة من أجل القدس ليست معركة وصاية دينية بل سيادة سياسية. والسعى إلى رفع شعار الوصاية الدينية والتظاهر من أجله مع التجاهل الكامل للسيادة السياسية وعدم ربطهما معا هو أمر مرفوض. ومع أن التطورات الأخيرة تشير بوضوح إلى رغبة إسرائيل فى الاستيلاء على السيادة السياسية والوصاية الدينية معا، إلا أن استبدال مطلب السيادة السياسية بالوصاية الدينية أمر يناسب إسرائيل كون السيادة السياسية هى حق فلسطينى فى حين أن الوصاية الدينية هى منحة إسرائيلية طبقا لمعاهدة وادى عربة.

ما يجرى هو فى الواقع أقرب إلى مسرحية رديئة الإخراج، الطرف المؤثر والفاعل فيها وهو أمريكا وإسرائيل يكتفى إما بالفعل المؤثر، أو بإعطاء تصريحات مقتضبه تهدف إلى مساعدة حكام العرب على البكاء والعويل على حتمية ما هو قادم وليس على مقاومة ما هو قادم، والفرق بين الاثنين كبيرا وكبير جدا.

لا يوجد حل لما هو قائم وقادم إلا الرفض الفلسطينى العلنى القاطع والمانع من القيادة والشعب الفلسطينى بكل أطيافه، وفرض ذلك الرفض بالتالى على جميع الحكام والأنظمة العربية. وبذلك فإن من يريد منهم القبول عليه أن يفعل ذلك بشكل يُناقض الموقف الفلسطينى. على الفلسطينيين ألا يسمحوا لأحد من حكام العرب بالاختباء خلف قبول فلسطينى مزعوم والادعاء بأن استسلامهم هو استجابة «لموقف الإخوة الفلسطينيين» أو كما يَدَّعون. على الشعوب العربية ألا تسمح للقادة بالتلاعب بها وعلى الشعب الفلسطينى تحديدا ألا يسمح للقادة الفلسطينيين والعرب بالتلاعب بهم وبقضيتهم.

التعليقات