انتصار آخر لغزة - فهمي هويدي - بوابة الشروق
الإثنين 6 ديسمبر 2021 8:26 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


انتصار آخر لغزة

نشر فى : الأربعاء 2 يونيو 2010 - 9:40 ص | آخر تحديث : الأربعاء 2 يونيو 2010 - 9:41 ص

 ينبغى أن نتوجه بالشكر إلى الذين نظموا رحلة أسطول الحرية لأنهم أيقظونا من سباتنا وغيبوبتنا، وذكرونا بقطاع غزة والحصار الإجرامى المضروب عليه، بعدما كاد كثيرون منا ينسون الموضوع فى ظل التعتيم والتشويه الذى يتعرض له منذ ثلاث سنوات. ذلك أن ما جرى أعاد فضيحة الحصار إلى عناوين الصحف وصدارة قنوات الأنباء فى أنحاء العالم.

بقدر ما أنه فضح الصمت الإعلامى الرسمى العربى، الذى اشترك فى الحصار، جنبا إلى جنب مع الإسهام فى الحصار على الأرض، من خلال إغلاق معبر رفح وهدم الأنفاق وبناء السور الفولاذى الذى أريد به قطع الطريق على وصول أية إمدادات إلى غزة.

هو أمر لا يفسر إلا بمفارقات الأقدار وسخرياتها. ذلك أن الجهد الذى بذل خلال السنوات الثلاث الأخيرة بوجه أخص، لاعتبار الحصار أمرا عاديا وأسلوب حياة مقبولا وغير مستغرب فى العالم العربى، كما اعتبر تقديم العون للمحاصرين تهمة يلاحق البعض بسببها فيعتقلون وتلفق لهم القضايا. أما الذين عبروا عن تضامنهم مع المحاصرين فإن «جريمتهم» كانت من الجسامة بحيث قدم بعضهم إلى المحكمة العسكرية،

كما حدث مع زميلنا الأستاذ مجدى حسين الذى ينفذ الآن عقوبة السجن لثلاث سنوات بسبب اقترافه تلك «الجريمة»، ليس ذلك فحسب، وإنما جرت محاولة تعبئة الرأى العام لكى يستقبل حديثا عن استئناف مسيرة السلام. ولكى يقتنع بأن إسرائيل لم تعد خطرا يهدد العالم العربى، وأن قنابلها النووية ليست سوى قنابل «صديقة». فى حين أن الخطر الحقيقى والدائم مصدره إيران ومشروعها النووى الذى لا يزال جنينا فى بطن الغيب.

ذلك كله انهار وانفضح الكذب والإفك فيه، دون أن يكون للعرب فيه يد. إذ شاء ربك أن يقوم العجم بما نسيه العرب. وأن يحمل النشطاء الشرفاء فى العالم الغربى الأمانة التى فرط فيها «الأشقاء» فى العالم العربى.

فيعلنون رفض الحصار ويعتبرون إقامته أو الإسهام فيه جريمة أخلاقية وإنسانية قبل أن تكون سياسية ــ ويتنادون فيمن بينهم لكى يحملوا بسواعدهم وعلى أكتافهم كل ما قدروا عليه من مؤن وأدوية ومستلزمات لاستئناف الحياة ــ ثم لكى يسعوا إلى كسر الحصار الذى ألفناه ولم نعد نكترث به. عوضوا انكسارنا واستخذاءنا بما تمتعوا به من شجاعة ونبل.

ولم يأبهوا باستسلامنا وانهزامنا، فركبوا سفنهم وقرروا أن يتحدوا غطرسة إسرائيل واستعلاءها. وحين باغتتهم بهجوم الفجر الدامى، الذى قتلت فيه قواتهم بعض النشطاء وجرحت آخرين واعتقلت الجميع، فإن سخرية الأقدار بلغت ذروتها. إذ انفضح القبح الإسرائيلى وانكشفت الدمامة فيه ليس فقط أمام العرب وحدهم، وإنما أمام العالم أجمع. ولم يكن الإسرائيليون وحدهم الذين سقطوا، وإنما سقط معهم كل «المعتدلين» الذين تحالفوا معهم وراهنوا عليهم، وساعدوهم على تسويف أكذوبة الصديق الإسرائيلى والعدو الإيرانى!

صحيح أن العربدة الإسرائيلية ليست جديدة علينا، ولكن الغباء الإسرائيلى هو الذى فاجأنا، ذلك أنهم حين انقضوا على السفينة «مرمرة»، وفعلوا ما فعلوه ظنا منهم أنهم أجهضوا المسيرة وسحقوا جموع الناشطين، فإنهم عمموا الفضيحة وخسروا معركتهم سياسيا وإعلاميا. ذلك أنهم لم ينقضوا عليهم ويقتلوهم فى المياه الدولية فحسب، ولم يفتكوا بهم وهم المدنيون العزل فحسب، ولكنهم أعلنوها حربا ضد الشرفاء والنشطاء فى العالم بأسره، أولئك الذين قدموا من 40 دولة لمواساة المحاصرين ونصرتهم.

كأن الغرور أعمى الإسرائيليين. فدفعهم إلى الإقدام على عملية انتحارية خرجوا منها خاسرين بالكامل. فى حين كسبت القضية الفلسطينية مزيدا من الأنصار، وعادت غزة إلى صدارة الأخبار،

وأصبح فك الحصار عليها مطلبا دوليا ملحا، وبذلك فإنها حققت انتصارا آخر أهدته الأقدار إليها رغما عن الجميع، ثم إنهم باستهدافهم السفينة «مرمرة» دون غيرها فإنهم خسروا تركيا أيضا، التى أصبحت النصير الأكبر للقضية الفلسطينية فى وقت خلا فيه مقعد «الشقيقة الكبرى» ــ غدا لنا كلام آخر فى الموضوع.

فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.