الإصلاح فى الأردن - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأربعاء 25 نوفمبر 2020 1:42 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من سيفوز في النهائي التاريخي لدوري أبطال أفريقيا يوم الجمعة؟

الإصلاح فى الأردن

نشر فى : الأحد 5 فبراير 2017 - 9:20 م | آخر تحديث : الأحد 5 فبراير 2017 - 9:20 م
نشرت مبادرة الإصلاح العربى دراسة لـ«إبراهيم غرابية» ــ الباحث والكاتب الصحفى الأردنى ــ حول حال الأردن والإصلاح غير المكتمل به، والأسباب التى تقف حائلا وراء عدم وجود حياة سياسية واجتماعية وديمقراطية، ويحاول الباحث فى دراسته توضيح الحلقة المفقودة حول عدم إتمام ذلك.

يستهل غرابية المقال بالإشارة إلى أن المشهد الأردنى بالمنظور الإصلاحى يبدو محيرا للغاية، فالانتخابات النيابية والبلدية والنقابية تجرى بانتظام وبلا توقف منذ تأسيس الدولة الحديثة فى العشرينيات، فضلا عن قيام الأحزاب السياسية والمؤسسات الإعلامية المستقلة بعملها بحرية. لكن مع ذلك فإن الانتخابات العامة والحريات والديمقراطية المتاحة لم تشكل حياة سياسية قائمة على تداول السلطة التنفيذية والتنافس عليها انتخابيا ولم تتشكل بلديات ونقابات وجمعيات تعكس الحراك الاجتماعى المفترض تشكله حول المدن والأعمال والمصالح والأسواق. كما أن الأحزاب السياسية غير قادرة على اكتساب قواعد اجتماعية وانتخابية مؤثرة، ولم تحصل فى الانتخابات النيابية المتكررة على حصة فى المجلس تسمح لها بتشكيل حكومات حزبية مستندة إلى أغلبية برلمانية.

إلى جانب ذلك تبدو المجتمعات فى حالة ضعف وتهميش كبير، وهى التى يستدل عليها بالبلديات والمنظمات الاجتماعية والنقابات المهنية والعمالية، والتى من المفترض أن تكون الحاضنة الرئيسية للحياة السياسية والاجتماعية وحراك النخب والقيادات وتطوير الأعمال والمصالح والحياة السياسية والاقتصادية القائمة حولها. وأما القطاع الخاص ــ الذى بدأ يحتل مكانة هامة وواسعة فى إدارة الخدمات والسلع والاحتياجات الرئيسية للمواطنين والمجتمعات وتنظيمها وتوريدها ويحصل على حصة كبيرة فى قيادات العمل السياسى الرسمى والبيروقراطى ــ فإنه يبدو غير راغب أو غير محتاج للمشاركة السياسية. إضافة إلى أن الجامعات التى كانت تنشئ بيئة حاضنة للعمل السياسى والثقافى وتسهم فى تشكيل القيادات السياسية والعامة والاجتماعية الواعدة، لم تعد قادرة على إطلاق طاقات العمل التطوعى والقيادى والإبداع والتفوق.

لذا كان لابد من التأكيد على أن الإصلاح لا يضمنه إلا مجتمع متماسك ومستقل ومدرك لمصالحه وأولوياته ويعرف ماذا يريد من الحكومة وماذا يريد من نفسه وتتحرك به ولأجله واقعيا قواعد اجتماعية منبثقة عن المدن والبلدات وجماعات الأعمال والمصالح، فضلا عن نخبة فكرية وسياسية قادرة على الإبداع والتضحية، وتملك قدرا كبيرا من النزاهة والالتزام بالمثل والقيم والسياسات العامة الحاكمة لمسار الدولة والمجتمعات والأسواق. ولتحقيق ذلك ثمة حلقة مفقودة أو إحدى الحلقات الأساسية المفقودة فى منظومة الإصلاح والتى تتمثل فى غياب المنظومة الاجتماعية الاقتصادية التى تجمع الناس والمصالح والجماعات والتيارات والأحزاب وجميع الفاعلين والأطراف بالبلاد.

أما بالنسبة للسلطة السياسية وعلاقتها ودورها فى تمكين المدن والمجتمعات فإن الإصلاح يقتضى أن ترتقى بالخدمات الأساسية: التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، بحيث لا يتحمل المواطنون لأجل توفير هذه الخدمات ــ بمستوى من الجودة يوافق تطلعاتهم ــ عبئا إضافيا غير الضرائب التى يدفعونها. وفى ذلك سوف يكون فى مقدور الأفراد زيادة جهودهم وجزء من مواردهم فى اتجاه مجتمعاتهم ومدنهم، مثل العمل التطوعى والنقابى والمشاركة العامة السياسية والاجتماعية والثقافية والمرافق الموجهة للمدن والأحياء والمجتمعات.

يضيف غرابية أنه لابد أن تشارك البلديات والنقابات والمنظمات الاجتماعية مع الحكومات والشركات فى إدارة الخدمات والاحتياجات والأولويات وتنظيمها لضمان جودتها ولضمان عدالة الأسعار وحماية المستهلك. ومن هذه القطاعات: التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والماء والطاقة والاتصالات والسلع الأساسية وتخطيط المدن والطرق وأنظمة البناء والعمارة والأحياء والنظافة ومؤسسات العبادة والفنون والحدائق. وبذلك تنشئ المدن والمجتمعات هويتها واتجاهاتها الواضحة المستدل عليها بالعمارة والفنون والموسيقى والشعر والرياضة... إلخ.

***

من ناحية أخرى يشير الكاتب إلى أن الوعى والثقافة ليسا بداية العمل والإصلاح، وإنما يكون ذلك محصلة لمنظومة اقتصادية سياسية اجتماعية، ولذلك فإن جزءا كبيرا من تعثر الإصلاح وجهوده وعدم جدواه يعود إلى عدم ترتيب الإنجازات وحلقات الازدهار ترتيبا صحيحا. ففى التركيز على التوعية والمطالب التى تهدر الجهود وتستنفذ منظومات العمل من الأفراد والجمعيات بسبب ضعف الموارد والقواعد الاجتماعية ثم تتحول إلى أعمال ومؤسسات معزولة تقدم فكرا تقدميا لكنه غير مسموع، أو تمعن فى التحالف مع الفساد والاحتكار وتشارك فى تضليل المجتمعات وتزييف وعيها. ولذلك فإن ترتيب الإنجازات والخطوات يبدأ بالتأثير فى إدارة الضرائب والموارد العامة وتنظيمها على نحو كفء وعادل وتفويض إدارات المدن بخدماتها ومواردها الأساسية على النحو المفضى إلى حصول الأفراد على وفر يساعدهم فى المشاركة العامة وألا يكونوا مشغولين أبدا فى الأولويات والاحتياجات الأساسية ماداموا يدفعون الضرائب. وأن تتشكل المدن والأحياء ومرافقها الأساسية مثل المدارس والمراكز الصحية والاجتماعية حول الموارد والأعمال القائمة فى المكان نفسه؛ ففى الإقامة قرب الأعمال تتشكل علاقات المصالح والقيادات الاجتماعية والنقابية، ثم تلحق الأسواق بالمجتمعات والمدن وليس العكس.

بذلك يكون فى مقدور المواطنين الإقامة قريبا من أعمالهم ومصالحهم دون حاجة لاستخدام المواصلات المرهق وكذلك الأطفال يكون فى مقدورهم الذهاب لمدارسهم والعودة لبيوتهم مشيا على الأقدام، فذلك يعنى ببساطة تنظيما للمدن والأحياء بما يجعلها آمنة وتصلح للحياة اليومية دون تدخل لوجستى مكلف ومرهق. سيؤدى ذلك إلى تكون علاقات تتطور لخدمة أغراض قيادات اجتماعية تتقدم إلى انتخابات (بلدية ــ نقابية ــ نيابية)، هكذا يلتف أهل الحى حول أولوياتهم وقضاياهم واحتياجاتهم وتكون الانتخابات البلدية والنيابية والنقابية مستمدة من هذه التشكلات والأعمال والجدالات التى تدور.

بطبيعة الحال فإن الحكومة والشركات ستكون بذلك قادرة على إنشاء شراكة حقيقية ذات معنى وجدوى وسيكون بمقدور أطراف الشراكة المتمثلين فى المانحين والمستثمرين والمؤسسات الرسمية والمجتمعات والمنظمات التى تعبر عن مصالحها، وهو ما يؤدى إلى بناء برامج وخطط واتفاقيات قائمة على إدراك حقيقى وواقعى للاحتياجات والمشكلات القائمة التى يعرفها أهل الحى.

***

يختتم الكاتب بالتأكيد على أن الديمقراطيات والحريات المتاحة فى الأردن لم تعد تعمل فى اتجاه الأهداف المفترضة لها، إذ تحولت لصالح نخبة مغلقة ومهيمنة. وفى الوقت نفسه فإن الإصلاح لا يقوم فقط على جهود الحركات السياسية والاجتماعية الإصلاحية بدون قواعد اجتماعية واسعة ومؤثرة ودور فعلى حقيقى للمجتمعات. ففى عجز المجتمعات عن تشكلها حول مصالحها وأولوياتها يزداد العمل الإصلاحى صعوبة، وتفقد الانتخابات النيابية والعامة جدواها ومعناها، وتتحول من تنافس بين الأفكار والاتجاهات لصالح المواطنين إلى صراع بين النخب والمجتمعات. كما تفقد المصالح معناها وتتحول من تنافس بين الشركات لصالح المستهلك إلى صراع بين الموردين والمستهلكين. ويزيد من صعوبة الإصلاح أن المجتمعات والطبقات والفئات المستضعفة والمهمشة يغلب عليها عدم الإدراك لمصالحها وأولوياتها، وتعزف عن العمل لأجل تشكل الأفراد والمجتمعات باتجاه التأثير على السياسات والتشريعات. ومن اللافت فى هذا السياق أن الجماهير على الرغم من أنها كثيرا ما تندفع بحماسة إلى المواجهة بلا خوف فإنها لا تتحمس للتجمع السلمى والعقلانى لأجل كرامتها وتحسين حياتها.

النص الأصلى:
التعليقات