المنطقة العربية فى زمن الكورونا: تفشّى الصراعات - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأحد 9 أغسطس 2020 7:04 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

المنطقة العربية فى زمن الكورونا: تفشّى الصراعات

نشر فى : الإثنين 6 يوليه 2020 - 10:00 م | آخر تحديث : الإثنين 6 يوليه 2020 - 10:00 م

نشر موقع «جدلية» مقالا للكاتب «هشام جعفر»... جاء فيه ما يلى.

أصاب الفيروس المنطقة وهى تتأرجح بالفعل تحت وطأة الصراعات المسلحة والحروب الأهلية، والاضطراب الاجتماعى وعدم الاستقرار السياسى، والمشاكل الاقتصادية.
نحن ندرك أن الجائحة لحظة كاشفة لمجمل أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية وليست الصحية فقط. لكنها فى نفس الوقت تؤدى إلى تسريع العوامل والديناميكيات الكامنة والظاهرة وتدفع إلى التفاعل بأشكال وصيغ جديدة؛ فعلى حد قول أحد الباحثين: «فهى تظهر التطرف فى كل شىء».
التفكير فى تداعيات الفيروس على المنطقة يحكمه عدد من القواعد أهمها:
١ــ ليس من الواضح حتى الآن متى وأين سيكون الفيروس أشد وطأة، وكيف ستتفاعل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لإثارة الأزمات أو تفاقمها. لكن يظل من محددات النظر مدى التفشى وكيفية إدارته.
٢ــ الأماكن التى يتقاطع فيها التحدى الصحى مع الحروب أو الأوضاع السياسية مثل المؤسسات الضعيفة والتوترات المجتمعية، وانعدام الثقة فى النظام السياسى، والدول الضعيفة والهشة، وتشهد تنافسات القوى العظمى والإقليمية؛ يمكن أن يؤدى إلى أزمات جديدة أو يفاقم الموجود منها.
٣ــ ليس من المضمون أن تكون عواقب الوباء سلبية بشكل كامل، أو موحدة فى كل مكان أو صعيد. فقد أدت الكوارث الطبيعية فى بعض الأحيان إلى الحد من الصراع. بل يزعم أحد المؤرخين أنه كلما غلب التشاؤم كلما قلت الحروب، وكلما زاد التفاؤل بالمستقبل زادت الحروب.
وهناك اتجاهات متباينة فى هذا الصدد: فبعض الحكومات تعمل على تخفيف التوترات والصراعات مثل الحالة اليمنية، ومن المحتمل أن يؤدى الوباء إلى تفاقم بعض الصراعات مثل حالة ليبيا.
٤ــ الشهور القادمة ستكون محفوفة بالمخاطر بشكل كبير لأسباب متعددة. فقد تزامن مع الجائحة انهيار أسعار النفط ليفاقم من التأثيرات على منطقة لم تشهد استقرارًا منذ عقد من السنين.
إلا أن التأثير سيتفاوت من دولة لأخرى؛ فبعض الدول التى تمتعت باستقرار نسبى أو إمكانيات مالية ضخمة قد تكون مهيأة بشكل أفضل للتعامل مع تفشى المرض، وحتى فى الدول الأكثر ثباتًا مثل المغرب فإن اندماجها فى السوق العالمية قد يزيد من تداعيات الفيروس عليها.
٥ــ إن التداعيات ستكون خطيرة بشكل خاص بالنسبة لأولئك الذين يقعون فى خضم الصراع، فهو يعطل المساعدات الإنسانية، ويحد من عمليات السلام، ويؤخر أو يصرف أطراف النزاع عن الجهود الناشئة أو الجارية.
***
وإذا قدر لنا الحديث عن المنطقة فى زمن الكورونا؛ فإنه يمكن الإشارة إلى مسارات خمسة يمكن من خلالها فهم تأثير الفيروس على صراعاتها:
أولًا: عقد من الربيع العربى
يحاول البعض إلصاق عدم الاستقرار وتصاعد الصراعات بحقبة الربيع العربى؛ ففى رأيهم أنه قوض الاستقرار السياسى والاقتصادى فى عدد من الدول، وأشعل حتى الآن ثلاثة حروب أهلية، وترك ١٠ملايين لاجئ معظمهم فى سوريا ولبنان والأردن وتركيا.
هذا الحديث يغفل عددًا من الاعتبارات:
١ــ ضرورة التمييز بين جوهر الربيع العربى وبين عدم القدرة على إدارة مقتضيات الفترات الانتقالية.
الربيع العربى فى موجتيه تطلعت الشعوب العربية وخاصة الفئات الشابة منها للحرية والعدالة الاجتماعية والحكم الرشيد، واحتجاج على الفساد وسوء توزيع الدخل. هو إعلان عن نهاية حقبة وبداية حقبة جديدة.
أما الفشل فى إدارة الفترات الانتقالية فحدث ولا حرج ومن كل الأطراف؛ قوى التغيير لم تدرك طبيعة الزمن الانتقالى فلم تسع إلى بناء التوافقات وأحد محددات تحقيق الثورات أهدافها هو كيف تتصرف نخب التغيير.
وقوى الثورة المضادة ــ وطنيًا وإقليميا ــ حركتها ولا تزال مصالحها الضيقة فأشعلت الصراعات فى كل ركن.
٢ــ تأتى الجائحة متفاعلة مع نزاعات الفترات الانتقالية التى عادة ما تسودها الهواجس والمخاوف لا الحقائق والوقائع؛ ومن ثم فلا قدرة على بناء التوافقات المرحلية أو القطع مع الممارسات السياسية التى سبقت التغيير.
ما يميز الفترات الانتقالية هو انبعاث التناقضات المسكوت عنها؛ حين يتصاعد الجهوى /المحلى، والاثنى، واللغوى، والطائفى، والمذهبى والدينى، بالإضافة إلى المطالب الاقتصادية والاجتماعية.
كما تتسم الفترات الانتقالية بطرح سؤال الهوية الوطنية. وقد أجمعت الدراسات أنه لا نجاح لتحول ديموقراطى دون التوافق على هوية وطنية جامعة. ومع قناعتى أن الانتفاضات الديموقراطية العربية سوف تساهم فى بلورة الهوية الوطنية كما يجرى فى لبنان والعراق، إلا إنه يجب أن نكون متنبهين لاستخدام معارك الهوية لتبرير الصراع السياسى وكذا محاولة بعض الهويات الفرعية الهيمنة على المشهد السياسى، مثل أكراد العراق أو شيعة لبنان أو مسيحيى مصر أو سنة البحرين؛ ساعين لتحقيق بعض المكاسب الجزئية على حساب بناء الهوية الوطنية الجامعة.
فى الفترات الانتقالية التى تتحرك عليها تداعيات الفيروس تهيمن الهواجس على الجميع لذا فلا حكم إلا بالتراضى. ويجب أن تكون هناك دائما سياسات وخطابات الطمأنة لمواجهة الشعور بعدم الأمان على المصالح؛ مصالح الدول والفئات الاجتماعية، والهوية، والقوى السياسية والحزبية الأضعف.
ثانيا: طبيعة نزاعات المنطقة:
ويمكن الحديث عن عدد من السمات لصراعات المنطقة (انظر تفصيلا لذلك فى تقرير مجموعة الأزمات حول الأمن الجماعى إبريل ٢٠٢٠):
١ــ القابلية للانفجار غير المقصود، ففى الوقت التى أظهرت فيه أحداث ٢٠١٩ «ضرب أرامكو والتحرش البحرى فى الخليج» مخاطر اندلاع صراع غير مقصود، فليس هناك رغبة عند أى من اللاعبين الأساسيين فى أن يبدأ حوارا مع خصومه، لذا فإن الصراعات تكون أكثر حدة.
٢ــ تعدد اللاعبين وتشظيهم السياسى، فالمنخرطون فى الصراعات دول فى الإقليم ومن خارجه، وقوى إقليمية وأخرى عظمى، أما القوى دون الدولة فهى كثيرة ومنقسمة على نفسها وتتقاطع تحالفاتها وتتباين فيما بينها.
٣ــ الصراعات حزمة واحدة، فالتداخل بين صراعات مختلفة سواء على الأرض أو فى تصورات الأطراف المختلفة يزيد من صعوبة معالجة الصراعات منفردة.
٤ــ غياب وسيط قوى يتمتع بنفوذ حقيقى يمكنه من لعب دور المحكم بين الأطراف المتنازعة، ويتواكب مع ذلك محدودية الأدوات المستخدمة فى احتواء الصراعات ومن ثم منع تصعيدها.
ثالثًا: نقطة تحول فى علاقات القوى العظمى فى المنطقة:
فى غياب استراتيجية وسياسة أمريكية واضحة أصبحت المنطقة أكثر خطورة. ويبدو أن العزم الأمريكى لضمان الأمن والاستقرار آخذ فى الانخفاض، وتحاول روسيا أن تملأ الفراغ الذى خلفته أمريكا إلا أن قدراتها تقصر عن ذلك. أما الصين فتركز على تراكم النفوذ الاقتصادى فقط، والأوروبيون نفوذهم يتقلص لذا فيبدو أنهم غير مهيئين للعب دور أساسى فى المنطقة.
تتضاءل الإرادة السياسية فى واشنطن مع ترامب للانخراط فى المنطقة وقد بدأ بعض قادة المنطقة فى مواجهة ما قد يبدو عليه مستقبلهم بدون قيادة أمريكية واضحة، ورغم هذا التوجه الا أن احتمالات المستقبل تظل مفتوحة مع احتمال مجىء بايدن إلى البيت الأبيض مطلع العام المقبل. فقد نشهد تعاظمًا للدور الأمريكى فى المنطقة مرة أخرى.
يختلف نهج روسيا بشكل كبير عن طريقة الولايات المتحدة، فهى تفضل الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف الفاعلة فى الإقليم بغض النظر عن مواقفها تجاه بعضها البعض. وهذا يحفز كل دولة على مواصلة العلاقات مع روسيا بغض النظر عن علاقات روسيا مع منافسيه.
وقد نجحت موسكو فى جعل إجراء مفاوضات أو اتخاذ أى خطوات لإنهاء الصراع دون مشاركتها وفى بعض الأحيان دون قيادتها، مستحيلا. ومع ذلك فمن غير الواضح ما إذا كان بوسعها أن تفى بوعودها لضمان الاستقرار فى المنطقة. فالمخاوف الجيوسياسة الأكبر لها فى أوراسيا قد تحول أنظارها عن المنطقة.
وهناك ملمح استجد مع الفيروس وهو أنه إذا استمرت الصين والولايات المتحدة فى إلقاء الطين على بعضهما البعض بشأن المسئولية عن تفشيه؛ فسيؤدى ذلك إلى تفاقم التوترات فى مناطق أخرى أيضا، كما أن المؤشرات تدل على زيادة التنافس بين الولايات والصين بما سيكون له تداعيات على المنطقة التى تمثل الصين لها الشريك التجارى الأول؛ فى حين تمثل الولايات المتحدة الشريك الاستراتيجى والأمنى الأول.
رابعًا: أمن جماعى أو موت جماعى:
حمل التقرير الأخير (٢٧ إبريل ٢٠٢٠) لمجموعة الأزمات الدولية عنوان: «الشرق الأوسط بين الأمن الجماعى أو الانهيار الجماعى»، ويخلص فى نهايته إلى:
برغم أن التقرير يركز اهتمامه على الأمن فى منطقة الخليج أساسًا حين يجعل من إيران المحور الذى تدور عليه التوترات والنزاعات فى المنطقة، إلا أن الكامن الذى يجب التقاطه من بين ثنايا التقرير أن المبادرة لحل صراعات المنطقة هى مبادرة يجب أن تنبع من الإقليم أساسًا ثم تستدعى القوى الدولية لمساندتها.
المنطقة تعانى من الكثير من الدول والجماعات والقادة الذين هم على استعداد للقتال من أجل مصالح الآخرين، وإذا كانت إيران وتنظيم الدولة الإسلامية والإمارات وقطر قد قلبوا النظام الإقليمى رأسًا على عقب، فقد قاموا أيضًا بتضخيم طموحات الآخرين، وخاصة طموحات تركيا؛ فلدى أردوغان الآن تصاميم على شمال سوريا وشرق البحر الأبيض المتوسط.
خامسا: تداعيات الفيروس:
على مدار الأسابيع الماضية ناقش المحللون ومراكز التفكير والمؤسسات الدولية تأثير الجائحة على المنطقة. وقد أجمعوا على أن مستقبل المنطقة سيكون أكثر قتامة.
حديث التداعيات ينصرف إلى العناصر التالية:
١ــ الاقتصاد: سترتفع البطالة بمقدار ١.٢ نقطة ويتم خسران ١.٧مليون وظيفة ــ وفق تقرير الاسكوا، وسينخفض الطلب المحلى، وستزيد عودة العمالة من دول الخليج خاصة بعد انهيار سعر النفط، وسيصير النمو سلبيا (يتوقع خبراء الصندوق والبنك الدوليين نموًا اقتصاديًا سلبيًا بنسبة ٣.٥ــ٤فى المائة فى هذا العام)، كما سينضم ملايين آخرون إلى طابور الفقراء (تقدر الأمم المتحدة أن الجائحة ستصيب ٨.٣ مليون شخص جديد بالفقر، وهذا يعنى أننا بإزاء ١٠١مليون شخص على الأقل من الفقراء)، وهناك توقع بزيادة أسعار الغذاء وارتفاع للتضخم.
٢ــ العنف: يمكن أن يضع الفيروس ضغطا كبيرا على المجتمعات والأنظمة السياسية مما يخلق إمكانية للعنف. قد يلعب الخوف من الوباء دوره كرادع للاضطرابات الشعبية، ولكن تدلنا تجربة طرابلس لبنان مارس الماضى أن الهدوء قد يكون ظاهرة مؤقتة ومضللة.
٣ــ تكاد تجمع الدراسات على أن تأثير الفيروس سيكون أكثر حدة وأثره مضاعفا على الفئات الأكثر ضعفًا فى المجتمع مثل النساء والأطفال والفقراء.
٤ــ سيزداد عدم الاستقرار فى البلدان التى تنخفض فيها الثقة فى قيادتها السياسية، إلا أن إدارة ناجحة للأزمة وتداعياتها قد تقوى النظام الحاكم وتجدد شرعيته.
٥ــ عودة داعش: فقد أكد المتابعون زيادة هجماتها فى العراق وسوريا مؤخرا، وستعمل على استغلال الضعف والانشغال لزيادة نفوذها.
٦ــ انتهاكات ضد الأقليات: فى مناطق أخرى من العالم شهدنا مزيدا من الانتهاكات ضد الأقليات كالهند وميانمار، ولكننا فى المنطقة لم نشهد مثل ذلك، إلا أن ذلك لا ينفى احتماله فى المستقبل.
***
ونختم فنقول إن هناك إجماعا واسعا بين الباحثين والمراقبين على أن المنطقة تمر بأزمة عميقة وتمتد إلى نقاط خلاف مختلفة:
الأول، التى تدور حول النظام الإقليمى، تُشن بين معسكرات معادية تتنافس على الأفكار، والسلطة، والنفوذ، والبقاء. والآخر بين الحكام والجمهور داخل الدول نفسها، حيث عانى الناس من مشاكل متعددة تفاقمت خلال سنوات الاضطراب. لقد فاقمت أزمة الفيروس التاجى المشاكل الأساسية للبطالة، وعدم المساواة، وانخفاض الإنتاج، والحكم، والفساد، والاعتماد على النفط والمساعدات الخارجية، وأضافت بعدا جديدا من عدم اليقين لهم جميعا.
والخلاصة: إن المسارات الخمسة ستتفاعل مع سمة أساسية من سمات الجائحة وهى عدم اليقين والقدرة على التحديد للاتجاهات المستقبلية. لذا فإن سيناريوهات المستقبل سيرسمها التناسق الذى يمكن أن يحدث بين العوامل المكونة للمسارات الخمسة، وأرجو ألا يكون الحاكم فيها العوامل التى ترسم من خارج المنطقة.

النص الأصلى

التعليقات