ترى ممن يجب أن تسترد مصر ثورتها؟ - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الإثنين 24 يناير 2022 4:35 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


ترى ممن يجب أن تسترد مصر ثورتها؟

نشر فى : الخميس 6 أكتوبر 2011 - 9:20 ص | آخر تحديث : الخميس 6 أكتوبر 2011 - 9:20 ص

ليس جديدا أن نقول إن ثوره 25 يناير نجحت بسبب التقدم التكنولوجى وعصر العولمة وآلياته من فيس بوك وتويتر.. وأن الشباب الذى قام بالثورة كان من الطبقة المتوسطة أو الأعلى قليلا والذين قاموا بحوارات مع نظائرهم فى الغرب واطلعوا على تجارب الآخرين فى أوروبا الشرقية من الثورة البرتقالية وربيع الشعوب.

 

ليس جديدا القول بأن الأصوليين قفزوا على الثورة وأنقذوها مع سكان العشوائيات من فلول الحزب الوطنى فى موقعة الجمل وهكذا وقعت الثورة بين ثقافة التكنولوجيا أو البلاغة الإلكترونية والثقافة الأصولية أو البلاغة الدينية واللغوية، فماذا فعلت هاتان الثقافتان فى الثورة؟!

 

لقد جاءت ثورة 25 يناير لتمثل النموذج العملى للصراع بين الاثنتين، فكل طرف من هذين المشروعين (الثقافة الإلكترونية والثقافة الأصولية) يتصارعان معا لأن كلا منهما يحمل مشروعا لتشكيل أساليب التفكير والمعرفة والسلوك والمواقف والنظرة إلى الذات والكون والمرجعية الجماعية وصولا إلى توحيد المنتمين إليها فى فئة اجتماعية خاصة بها وكيان ينتمى إليها، فالثقافة الإلكترونية ليست مجرد متعة وتسلية كما ان الثقافة الاصولية ليست مجرد دعوة والتزام، والاثنتان تنزعان إلى عملية تنميط الإنسان والتنميط بالطبع ضد كل تفكير علمى أو عقلانى وضد حقوق الإنسان، وهكذا وجد الإنسان المصرى الذى أيد الثورة بكل قوة نفسه فى مأزق أو فى حصار بين الثقافة الإلكترونية والثقافة الأصولية، بين التطلع إلى حضارة إنسانية واحدة تذوب فيها الهوية فلا خلاف على الجنس أو اللون أو الدين (كما حدث فى الأيام الأولى للثورة) وبين تأكيد الهوية والعودة إلى الأصول والجذور بما تحمل من معان ووضع حواجز وحدود.. كما حدث بعد تنحى الرئيس.

 

وعلينا الآن أن نجيب عن سؤالين كيف وقعت الثورة أسيرة للثقافة الإلكترونية؟! ثم كيف وقعت أسيرة للثقافة الأصولية؟

 

 

أولا كيف وقعت الثورة أسيرة للثقافة الإلكترونية؟

 

تتكون الثقافة الإلكترونية من عدة أبعاد نذكر منها اثنين:

 

البعد الأول: ثقافة اقتناص الفرص أو تحويل الناس إلى قناصين للفرص (تجربة الحظ): عندما نشاهد أسواق المال وأسعار العملات والمؤشرات صعودا وهبوطا، كما تحمل حركة وكلاء البورصة ومشاهد آلات عد النقود كل ذلك مع إيقاعات موسيقية ذات نبرة عالية مؤثرة فما هو المقصود؟ إنها محاولة شغل الشباب وإعطائه إحساسا بأنه عليه أن يدخل هذا الصراع وإذا لم يدخل سوف يصبح هامشيا، وهنا تأتى ثقافة القنص أو تحويل الناس إلى قناصين للفرص، وهو ما تم على الفيس بوك وشبكة الإنترنت مع الشباب، فهناك فرصة الثورة فى مصر حيث لها أسبابها وتداعياتها، وكانت الدعوة التى وجهتها كوندواليزا رايس للفوضى الخلاقة ثم دعوة هيلارى كلينتون «أنه لو اجتمع 40 ألف شخص فى أى ميدان لسقط النظام»، وهذا الأسلوب فى الإنجاز (انتهاز الفرص) يحل محل الإنجاز على أساس الجهد والعمل الدءوب، إنه التحول من الجهد الإنتاجى المبنى على التنظيم والتدريب والذى تم مع ثورة 1919، وثورة 1952 إلى براعة اقتناص الفرصة، والغائب هنا هو ثقافة الجهد طويل النفس، وهكذا قامت الثورة فى لحظة لم يكن الشباب أنفسهم يعتبرونها ثورة، ولم يخططوا لها لكنهم انتهزوا فرصة الاحتقان فى المجتمع وأزمة النظام بسبب التوريث وفضيحة انتخابات مجلس الشعب، لذلك عندما هدأ الغبار لم يظهر للثورة رأس وتفتت الجسد إلى مئات الائتلافات، ولم يحدد أحد أى توجه سوى كلمات عامة وشعارات ضخمة ولا طريق أو خطة محددة المعالم لتحقيقها.

 

البعد الثانى: النجومية: من أهم سمات الثقافة الإلكترونية تحويل الإنسان العادى إلى نجم. لقد أضفى الفيس بوك مع شاشات التليفزيون ظاهرة النجومية أو التسليع وهكذا عندما تدخل على الفيس بوك لا تجد فى الأغلب الأعم سوى سلوكيات النجوم أما الجهد والعناء والتدريب والممارسة والانضباط فغائبة، لذلك تحول شباب الثورة والذين كانوا مهمشين إلى نجوم فجأة، وهو الأمل السحرى الذى كانوا ينتظرونه، وهكذا لم يكن من الغريب أن يوجد فى الميدان نجوم التمثيل والغناء وأصحاب المواهب الذين يتطلعون إلى النجومية، فالنجومية أصبحت لها قواعد أخرى.

 

 

ثانيا: كيف وقعت الثورة أسيرة للثقافة الأصولية؟

 

لاشك أن الأصولية عادت إلى العالم بقوة بعد سطوع نجم العقلانية زمنا طويلا، ولقد كان الحديث عن الإيديولوجيات السياسية على أنها بديل للدين، لكن الإيديولوجيات الكبرى أفلست وخلاصها جاء مشوها أو منقوصا، وحل محل الحماس خيبة الأمل، وهنا بدأت تتصاعد موجة الأصولية الدينية والعرقية بحثا عن الهوية المفقودة ولقد استخدمت هذه الموجة أحدث تقنيات العصر، فعلى شبكة الإنترنت حاليا ما يزيد على خمسة آلاف وخمسمائة مادة تحت عنوان الأصولية، ولقد ظهرت هذه الحركة فى جميع الأديان بلا استثناء ولقد أظهرت دراسة أمريكية عدم صحة الفرض القائل بسلبية العلاقة بين الاصولية ودرجة التعليم بين البروتستانت البيض بل إن العكس هو الذى ثبت فالمتحولون إلى الأصولية هم أكثر تعلما من سواهم، وهو ما تم فى الشرق أيضا فأسامة بن لادن والدكتور الظواهرى كانا على قمة القاعدة وهما من الأثرياء والمثقفين، ولعلنا نلاحظ أن الإخوان المسلمين من مثقفى الأمة، وجاءت دراسة أخرى تعلن عن أن الأصولية الدينية فى تركيا جاءت نتيجة التحديث والتحضر حيث قامت دعوتها على التشكيك فى شرعية صورة التقدم التى يطرحها النموذج الغربى، وتدعى الاصولية دائما أنها تملك الجواب كما تملك البوصلة المرشدة إلى طريق الخلاص واستعادة الإيمان باليقينيات التى انهارت، وكل ذلك من خلال العودة إلى الاصول إلى نقاء الهوية الذى ينقذ من الإحساس بالقهر والغبن، لذلك فهم أولى بقيادة الثورة بل بقيادة مصر كلها، لأنه لا خلاص لمصر أو العرب أو للعالم بدونهم.

 

●●●

 

وهكذا نرى الثورة وقد وقعت بين فكى الثقافة الإلكترونية والثقافة الاصولية حيث قامت الثقافتان بحصار الثورة من خلال ما يلى:

 

1ــ إن الاثنتين تدعيان امتلاكهما الحل المثالى لخلاص مصر فالأصولية تقدم الحل فى الايمان والهوية وتطبيق الشريعة دون مناقشة وليس هناك مشاركة الا من موقع التسليم والتبعية، بينما ترى الثقافة الإلكترونية استبعاد كل من يناقضها أو حتى ينتقدها واعتبارهم من أعداء الثورة سواء من السياسيين القدامى حتى الذين لم يتورطوا مع النظام السابق أو حتى من الذين كانوا يصارعون مع النظام داخليا لإصلاحه، بل أصبح كل شخص ينتقد الثورة حتى لو كان شابا يتهم بأنه جاهل رجعى ومتخلف.

 

2ــ إن الاثنتين تختزلان ثورة 25 يناير إما فى الوصول بأسرع ما يمكن إلى النتائج فيكفى التجمع والتظاهر لتحقيق المطالب دون تقديم دراسة متأنية ومتعمقة أو دأب لأجل الإصلاح أو من الناحية الأخرى اختزال الثورة فى الاصولية بالمرجعية الدينية داخل الـ(نحن) وهكذا نرى المأزق الذى وجدت الثورة فيه.

 

وواجبنا كمصريين ــ إن كنا صادقين ومخلصين لمصر ــ أن ندعو مصر لكى تسترد ثورتها من كليهما. ليس كأشخاص ولكن كأفكار وأن يساعدونا هم فى ذلك حتى لا يطلب المصريون الحكم العسكرى تجنبا للصراع بين هاتين الثقافتين ذلك لأن المصريين مسالمون بطبيعتهم. إن مصر لا تريد أن تسير إلى الأمام ووجهها إلى الخلف ولا تريد أن تندفع إلى الأمام فرحة بالنجاح السريع والنجومية دون رؤية حقيقية على الأرض وجهد وعرق جميع أبنائها لتحقيق ما تطمح إليه.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات