مسيرة العالم العربى ضد التاريخ - فهمي هويدي - بوابة الشروق
الأحد 22 سبتمبر 2019 11:31 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في اختيار حسام البدري لتدريب المنتخب الوطني الأول لكرة القدم؟

مسيرة العالم العربى ضد التاريخ

نشر فى : الثلاثاء 7 أكتوبر 2014 - 7:55 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 7 أكتوبر 2014 - 7:55 ص

من نواح عدة يبدو العالم العربى وكأنه يسير عكس التاريخ، وأنه لا يزال أسير صراعات القرن الماضى.

(1)

من اليمن إلى ليبيا مرورا بالعراق وسوريا تظل بعض شواهد أزمة العالم العربى. وتقدم مصر والجزائر والسودان ولبنان شواهد أخرى، حتى يبدو وكأننا بإزاء خرائط جديدة على الصعيدين الجغرافى والسياسى. بل اننا نرى فى الصورة بعض ملامح الحرب الباردة بين التحالفات والمحاور التى تشكلت فى المنطقة. وذلك منطوق يحتاج إلى بعض التفصيل.

إذ إننا لسنا على ثقة من ان جغرافية العالم العربى ستظل كما هى وان حدود سايكس بيكو التى رسمت بعد الحرب العالمية الأولى لن تخضع للتغيير. يشهد بذلك ظهور الدولة الإسلامية (داعش) بين سوريا والعراق، وكذلك احتمالات التفتت الواردة فى ليبيا واليمن. كما تشهد بذلك الإشارات التى تتجمع فى الأفق منذرة بإقامة دولة كردستان التى يتوزع شعبها الكردى على أربع دول (تركيا والعراق وسوريا وإيران). فى حين وقع المحظور فى السودان بانفصال جنوبه الذى نرجو ألا يكون بداية لانفراط عقد الدولة وتشرذمها، ثم لا ننسى ان فلسطين الوطن يجرى محوه من الخريطة حينا بعد حين، كما ان فلسطين القضية تكاد تسقط من الذاكرة العربية.

وإذا كانت معالم التشكل الجغرافى لا تزال فى علم الغيب، فإننا قد لا نخطئ كثيرا إذا قلنا ان العالم العربى لم ينجح فى اختبار التحول الديمقراطى. وإذا كان ذلك التحول قد حدث فى تونس بدرجة أو أخرى، إلا أن ذلك يظل استثناء لا يقاس عليه، ولا يغير من حقيقة السمة الغالبة. وهو ما يسوغ لنا ان نزعم بان مقولة نهاية التاريخ وانتصار الديمقراطية التى بشر بها فرانسيس فوكوياما وصمويل هنتنجتون بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتى، جرى تكذيبها فى العالم العربى. فلا انتصرت الديمقراطية، ولا وقع الصدام بين الحضارات، لان الصدام الذى نشهده الآن هو بين أبناء الحضارة الواحدة، كذلك فإن شواهد الديمقراطية تتراجع حينا بعد حين، فى الوقت الذى تتنامى فيه حظوظ الكيانات المعاكسة والرافضة لها.

(2)

فى القرن الماضى حسم الصراع المسلح بين الامبراطوريات والقوى الكبرى بعد حربين عالميتين داميتين أبادتا ملايين البشر، وطويت صفحة الصراع الايديولوجى بين الفاشية فى إىطاليا والنازية فى ألمانيا والشيوعية فى الاتحاد السوفييتى. وانتصرت الليبرالية وكذلك الرأسمالية بأطيافها المختلفة فى نهاية المطاف. وانتهت الحرب الباردة بين القوتين الأعظم (الاتحاد السوفييتى والولايات المتحدة) وقبلها ظهرت الأمم المتحدة مستلهمة مبادئ عصبة الأم لتكون ركيزة النظام الدولى وجهاز إدارة الخلافات. كما انتهى عصر الاستعمار المباشر. وانصرف العالم لمعالجة مجالات أخرى للتنافس وللصراع حول النفوذ السياسى والتجارة والبيئة ومواجهة الهجرات. وأحدثت ثورة المعلومات نقلة تكنولوجية ومعرفية هائلة. أصبحت مجالا للتنافس الشرس بين الدول الصناعية. وما كاد القرن ينتهى حتى أصبح للصراع شكل مختلف تماما. إذ برز دور ما سمى بالسلاح «السيبيرى» الذى تمارس فى ظله الحرب فى وقت السلم. ويضرب المثل فى ذلك بالصين التى صارت قطبا مرشحا يقابل الولايات المتحدة فى النظام العالمى الجديد، آخذة مكان الاتحاد السوفييتى فى القرن الماضى. ويتردد الآن بقوة ان الصين أصبحت تخوض حربا تجارية شاملة ودائمة سلاحها التسلل إلى الحواسيب الأجنبية والسطو على مخزونها، حتى قيل انها نجحت فى استنساخ تصاميم المقاتلات الأمريكية، بالمقابل لم يعد سرا ان وكالة الأمن الوطنى الأمريكية أصبحت تتجسس على العالم كله، ولم تستثن فى ذلك القادة السياسيين (حتى الحلفاء منهم) ولا الشبكات الصينية. وفى سياق الحرب السيبيرية أو الإلكترونية استطاع الأمريكيون تلويث المولدات النووية الإيرانية بجرثومة عرفت باسم «ستاكسنت»، الأمر الذى أدى إلى انتقال العدوى جزئيا إلى حواسيب غربية. وقد رد الإيرانيون على ذلك بتلويث حواسيب أمريكية على سبيل الانتقام. وهذه القدرة ذاتها باتت تمكن الطرف المتقدم تكنولوجيا من تعطيل شبكات المياه والكهرباء وشل حركة الطرف الاخر.

هذه الحروب الخفية تستمر الآن دون ان تطلق فيها رصاصة أو يسيل فيها دم. وفى حال انتقالها إلى العلن، فطائرات «الدرون» بغير طيار تظهر فى الأفق. والحديث متواتر عن الاستعانة فى مثل تلك المواجهات بروبوتات طائرة وزاحفة تحقق الأهداف المطلوبة.

هذه خلاصة سريعة ــ قد تكون مبتسرة ــ ترسم بعض ملامح التطور الحاصل فى العالم الخارجى، الذى بات مشغولا بالتنافس فى مجالات وآفاق أخرى، جعلته يكثف من الاهتمام بتفوقه وتحسين أوضاعه والارتقاء بشعوبه. وذلك أمر مفهوم ومقدر لا ريب، لكن ما لا نستطيع أن نتجاهله فى ذلك انه قلل بمضى الوقت من اهتمامه بعالمنا العربى، ولم يعد يتجه إليه إلا مضطرا (كما حدث فى حالة ظهور «داعش» مثلا ودعوة الولايات المتحدة إلى إقامة تحالف دولى لوقف تقدمها) ــ وفى تفسير ذلك العزوف الأمريكى والغربى نستطيع أن نورد عوامل عدة إلى جانب ما سبق ذكره، منها ان الغرب لم يعد يواجه تحديا يخشاه فى العالم العربى لا من داخله ولا من قوى خارجية أخرى (كالاتحاد السوفييتى مثلا).

(3)

لقد خرج العالم الغربى من تجربة القرن الماضى مستوعبا دروس خبرته، التى كان من أهمها إقامة مجتمعات ديمقراطية قوية تجاوزت الصراعات الايديولوجية وانتقلت إلى صراعات النهوض والتقدم. فى الوقت ذاته، فانها أقامت آلية لإدارة خلافاتها، بحيث تتجنب تكرار مأساة الصراعات المسلحة. ومن ثم تراجع دور الجيوش التى طورت أدواتها كما سبق ان ذكرت. وباتت تؤدى مهامها خارج حدود الغرب. وإزاء ذلك التراجع فان القطاع الخاص داخل على الخط بحيث تأسست شركات ومنظمات أصبحت تؤدى دور الجيوش من خلال صفقات تحرر لأجلها عقود تحدد المهام المطلوبة والمقابل المادى المقدر. وهو ما جرى العمل به فى أفغانستان والعراق وبعض الدول الأفريقية. والمتداول ان بعض تلك الشركات الأمنية تمارس نشاطها فى بعض الدول العربية، والخليجية منها بوجه أخص.

خلاصات خبرة القرن فى بلادنا جاءت مختلفة من نواح عدة، أبرزها ما يلى:

• خرج العالم العربى من حقبة الاستعمار منهكا وضعيفا فى بنيته المجتمعية وأنظمته السياسية. وبوسعنا ان نقول ان أوروبا الغربية دخلت بالديمقراطية فى عصر الشعوب فان العالم العربى شهد تطورا مغايرا. إذ فشل فيه التطبيق الديمقراطى، باستثناء ومضات سريعة.. ودخل بعد الاستقلال فى عصر الأنظمة والسلطات المهيمنة.

• بسبب الموقع الاستراتيجى والثروات الطبيعية التى ظهرت فيه فان خروج الاستعمار من المنطقة لم يخرجها من دائرة النفوذ الغربى، ساعد على ذلك الضعف الذى عانت منه الدول العربية، الأمر الذى نقلها من طول الاحتلال إلى طور القابلية للاستتباع. إلا أن دول الهيمنة الغربية فقدت اهتمامها بالمنطقة بمضى الوقت، وأصبح حضورها فيها مقصورا على الدفاع عن مصالحها المباشرة.

• إذا كان لمرحلة الاحتلال من فضيلة فهى انه ساعد المجتمعات العربية على الاجماع على العدو المشترك الذى يتعين الاحتشاد ضده، الأمر الذى هيأ تربة مواتية لظهور خطاب ايديولوجى وطنى تحدى ذلك العدو، وكانت فكرة القومية العربية هى الشعار الذى جذب النخبة السياسية بعد إقامة الدولة الحديثة، إلا أن ذلك الشعار ظل نخبويا لانه ارتبط بأداء السلطة فى لحظة تاريخية معنية (المرحلة الناصرية مثلا) ولم يتم تنزيله إلى المجتمع. وكانت النتيجة ان العالم العربى انتقل من طور ايديولوجية الاستقلال الوطنى، إلى ايديولوجية الطوائف التى تشهد تجلياتها قوية فى الوقت الراهن. فانتقلنا من القتال ضد عدو الوطن إلى القتال ضد شركاء الوطن.

• من المفارقات ان الخبرات العربية إذا كانت قد اختلفت عن الخبرات الغربية فى أمور كثيرة، إلا أنها اتفقت فى ظاهرة تراجع الدور القتالى للجيوش، مع فرق كبير بين طبيعة ذلك الدور على الجانبين. ذلك ان الجيوش العربية أصبحت تتوزع الآن تحت عنوانين هما العجز والأمن. فبعضها يعانى من الانهيار الذى أعجزها عن ان تقوم بمهامها القتالية. والنموذج واضح فى العراق واليمن وليبيا ولبنان. وهو ما حولها إلى قوى استعراضية بأكثر منها قدرة قتالية. والبعض الآخر انضم فى حقيقة الأمر إلى قوى الأمن الداخلى كما هو الحاصل فى سوريا والجزائر ودول أخرى فى المنطقة.

• بشكل مواز فإن المهام القتالية ــ الايجابى منها والسلبى ــ أصبحت تقوم بها الجماعات الأهلية وليس الجيوش (جيش المهدى ــ عصائب الحق ــ أنصار الله ــ داعش ــ جبهة النصرة ــ حزب الله ــ أنصار الشريعة ــ حماس والجهاد). وأغلب تلك الجماعات من أصداء الحروب الايديولوجية الجديدة التى ظهرت فى الفضاء العربى. وكنت قد ذكرت ان المقاومة الفلسطينية وفى المقدمة منها حماس والجهاد هى القوة الوحيدة التى تخوض المعركة ضد التحدى الإسرائيلى الأكبر الذى يهدد الأمة العربية.

• فى حين انتهت الحرب الباردة بصورة نسبية فى العالم الخارجى، فان العالم العربى ــ على الأقل فى صورته الراهنة ــ دخل شكلا آخر من أشكال تلك الحرب. تؤيد ذلك التحالفات التى نشهدها الآن، التى تبلورت بشكل أوضح بعد هبوب رياح التغيير التى أشاعها الربيع العربى، فتفاعلت معها بعض الدول وقادتها دول أخرى، وفى الوقت الراهن تبدو كفة الدول الأخيرة أرجح.

• من المفارقات اللافتة للنظر فى المقارنة بين الخبرتين الغربية والعربية، انه فى حين صدم الغرب فى آخر القرن الماضى بأحداث سبتمبر الشهيرة، الأمر الذى أطلق فى محيطه بقوة ظاهرة الحساسية ضد الإسلام فيما عرف بالإسلاموفوبيا، فان الظاهرة ذاتها احتلت مكانها فى الفضاء العربى فى القرن الجديد. وكما ان الإعلام الغربى ظل يندد آنذاك بما سمى الإرهاب الإسلامى، فان الخطاب السياسى والإعلامى فى العالم العربى لم يعد يتحدث إلا عن العنوان ذاته، بنفس المفردات.

(4)

أعترف بأن ما دفعنى إلى الخوض فى هذا الموضوع اننى خلال عطلة العيد طالعت عددا غير قليل من التقارير والتحليلات الغربية التى اعتنت بتشريح العالم العربى ومحاولة فهم ظواهره المختلفة. وكانت قضيتنا الفشل الديمقراطى والإرهاب والعنف على رأس العناوين التى حظيت باهتمام الباحثين. وقد لاحظت ان أكثرهم حين ركزوا على هذين العاملين فإنهم لم يربطوا بينها، ولم ينتبهوا إلى الدور الذى أسهم به تغيب الديمقراطية فى إذكاء العنف وتوفير التربة المواتية له. ولم يخل بعض تلك التحليلات من طرافة، حيث قرأت فى صحيفة «الحياة» اللندنية دعوة تكررت أكثر من مرة لانقاذ اليمن من أزمته من خلال تحليل كان عنوانه «الديمقراطية الليبرالية هى الحل لليمن ولغير اليمن». ولم يستوقفنى مضمون العنوان بقدر ما استوقفنى انها كانت نصيحة سعودية لليمنيين، لان من أطلق الدعوة أحد الإعلاميين السعوديين البارزين

فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.